خولة بنت حكيم زوجات صالحات (20)

0

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة ان أمرها اطاعته وان نظر اليها سرته وان اقسم عليها ابرته وان غاب عنها نصحته- حفظته- في نفسها وماله”. نتناول سيرة زوجات الصحابة المؤمنات القانتات الخاشعات المتصدقات الصائمات، لنضع بين يدي البيت المسلم الاسوة الحسنة والقدوة الطيبة لتقتدي نساؤنا بهن.

الصحابية الجليلة خولة بنت حكيم بن أمية السلمية، مؤمنة، عابدة قانتة أسلمت مع المجموعة المبكرة من المسلمين ممن صافحت نسمات الإسلام أسماعهم منذ أن هبت في الأيام الأولى، فكتبت في قائمة السابقات إلى هذا الدين. زوجها عثمان بن مظعون من خيرة الرجال ورعا وزهدا، أسلم بعد ثلاثة عشر رجلا، وهاجر الهجرتين، وشهد أولى المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان نعم الفارس المقاتل.وكان ممن حرم الخمر في الجاهلية. ولما جاءه أجله حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى داره، وقبل ما بين عينيه ثم قال:” نعم السلف هو لنا عثمان بن مظعون”.
يقول الدكتور عبد الرحمن عميرة في كتابه “رجال ونساء أنزل الله فيهم قرآنا”: كانت خولة رضي الله عنها امرأة صالحة فاضلة وهى ممن اهتم بأمورالنبي ـ صلى الله عليه وسلم.عاشت حياتها قريبة منه ومن زوجه خديجة،تسرى عنها ما يعتريها من هموم، وعينها على متطلبات دارها، وتجلس معها تستمع أحاديث الرسول وهديه.
ثم ماتت خديجة رضي الله عنها وحزن الرسول لفراقها حزناً طويلاً. وفي يوم من الأيام اقتربت خولة من الرسول صلى الله عليه وسلم وتحدثت معه في أمور حياته وحزنه على فراق خديجة.ثم قالت يا رسول الله، كأني أراك قد دخلت خلة لفقد خديجة؟ قال: أجل كانت أم العيال، ونور البيت، والزوجة العطوف الوفية ولقد ضحت بالكثير في سبيل الإسلام والمسلمين. عندها قالت خولة:أفلا أخطب عليك..؟ قال: بلا، فإنكن معشر النساء أوفق بذلك.
وما كادت خولة تسمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شغلت بهذا الأمر. وأخذت تردد بينها وبين نفسها:إن النساء الراغبات في الزواج كثير، وكل فتاة تتمنى أن تكون زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن من الزوجة التى يرضاها رسول الله لتكون عوضا عن خديجة؟
وما كادت تصل إلى ذلك حتى لمعت في ذهنها عروستان. إحداهما مؤجلة لم تصل إلى أعتاب الأنوثة بعد، وهى عائشة بنت أبى بكر الصديق رضي الله عنه وأخرى معجلة وهي سودة بنت زمعة رضي الله عنها لترعى شئون البيت، وتخفف عن الرسول ما يعانيه، وتقوم أيضا برعاية ابنتيه فاطمة وأم كلثوم.وتم زواج الرسول صلى الله عليه وسلم من سودة.
وكانت خولة وزوجها عثمان بن مظعون من أوائل الملبين لأمر الرسول بالهجرة إلى يثرب. وفي مدينة الرسول عاشت خولة تخدم زوجها وترعى بيتها، وانشغل زوجها بالزهد والعبادة، فأهمل تجارته، وكف عن الضرب في فجاج الأرض بحثا عن الرزق، وابتعد عن زوجته، ولم يشعر بخلجاتها وأشجانها. وما تتطلبه المرأة من حقوق قبل زوجها.
الأمر الذي جعل خولة تصاب بنوع من الاكتئاب فلا تلبس إلا رث الثياب؟ ولا تطعم إلا ما يسد الرمق؟ وأصبح نومها خطرات، ويقظتها حزن وآهات.
وعندما كان يوجه اللوم إلى خولة لعدم اهتمامها بزينتها. كانت تئن ولا تفصح، وتتوجع ولا تتكلم. حتى جاء يوم دخلت خولة على أمهات المؤمنين في بيت النبوة، فرأينها رثة الثياب، متسخة الأطراف ذابلة العيون،مصفرة الوجه لا يهدأ لها بال، ولا يقر لها قرار.
فقلن لها ما بك يا خولة وكيف وصلت إلى هذه الحالة؟ أهو الفقر تعانين؟ وقلة المال لا تجدين؟
إن زوجك يعد من أغنياء المدينة، بل يكاد يكون من أكثرهم ثراء؟ قالت خولة ما لنا منه شيء، أما ليله فقائم، وأما نهاره فصائم وما كادت تكمل حديثها حتى دخل رسول الله – صلى الله عليه وسلم وشاهد هيئتها فقال لزوجاته ما بال خولة؟ فذكرن حال زوجها له.
فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إليه، فلما جاء.قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “يا عثمان بن مظعون أما لك بي أسوة؟ فقال: بأبي أنت وأمي وما ذاك يا رسول الله ؟ قال: علمت أنك تصوم النهار وتقوم الليل. قال: إني لأفعل ذلك يا رسول الله. قال عليه الصلاة والسلام: لا تفعل يا ابن مظعون: إن لعينيك عليك حقا، وإن لجسمك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا فصل ونم، وصم وافطر. قال عثمان: سمعا وطاعة يا رسول الله.
ولم تمض إلا أيام قليلة حتى جاءت خولة وهى عطرة كأنه جوقة الطيب، ومجلوة كأنها العروس يوم زفافها وقالت”لقد أصابنا ما أصاب الناس” وعرفت النظافة والتزين طريقهما إلى خولة بنت حكيم وغنت لها الحياة وامتلت أيامها ولياليها بالبهجة والحبور.
وتوالت الأيام وكرت الليالي خاطفة مسرعة، وفي يوم ليس كمثله يوم نعى الناعي الصحابى الورع القانت عثمان بن مظعون. وذرفت خولة الدموع الغزار وتوشحت بالسواد ولزمت بيتها لا تخرج إلا للصلاة أو لقضاء الحاجة، ثم تعود لتجتر أحزانها، وتطلب من الله تعالى الصبر والسلوان.وكانت خولة لا تطلب شيئا أو متعة من متع الدنيا ولا تريد إلا الآخرة وتعمل لها وترجو مرضاة الله تعالى.
ومن مناقب هذه الصحابية الجليلة أن الله تعالى سماها في القرآن مؤمنة {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت إيمانهم لكيلا يكون عليم حرج وكان الله غفورا رحيما} سورة الأحزاب الآية 5. فقد تمنت أن تكون من أمهات المؤمنين الذين نزل الوحى بمخاطبتهم في أكثر من موضع في كتابه الكريم بقوله:{ يا نساء النبي لستن كأحد من النساء{. وبالفعل ذهبت إلى مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم وقالت: “يا رسول الله لقد وهبتك نفسي” ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم سكت ولم يفصح ولم يقل شيئا. فكانت من النساء اللاتى وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم وأرجأها النبي صلى الله عليه وسلم فيمن ارجأ. ولم تفارقه ولم تبتعد عنه وبقيت في خدمته في حله وترحاله، وذهبت مع الجيش المحارب لفتح مكة حتى تحقق وعد الله الذى وعده لرسوله. وكانت مع الرسول في غزوة حنين.
فقد كانت خولة صابرة مؤمنة وعطوفة طيبة ويملأ الإيمان كل نبضة من نبضات قلبها وهى شغوفة بأن يستقر الإسلام في قلب كل إنسان على سطح الكرة الأرضية.
رحمها الله رحمة واسعة وأسكنها فسيح جناته في الفردوس الأعلى قريبا من أمهات المؤمنين، كما كانت ترجو وتطلب.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

16 − 15 =