خِلْفَةِ الأنظمة السياسية القمعية شفافيات

0

د. حمود الحطاب

لدي أصدقاء دوليون كثيرون اكتسبتهم بمناسبات عدة، أهمها أثناء دراستي الجامعية، فأنا خريج الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة التي كانت تضم أكثر من مئة وخمس جنسيات من مختلف دول العالم، كان من بين هذه الدول دولٌ مهمة، ودول لم نسمع عنها من قبل. ومن أمثلة الدول المهمة التي لها طلاب في الجامعة الاسلامية هذه ألمانيا الغربية، فهناك عدد من الطلاب الألمان الأصليين كانوا يدرسون فيها ويسكنون معنا في السكن الداخلي الذي كان متواضعا ذلك الوقت. وأتذكر من بينهم الأصدقاء خالد نيتاردي، وهو ابن عائلة غنية ووالده قيادي عسكري في حلف الناتو، وكان خالد هذا متواضعا زاهدا يرتدي دشداشة سودانية متواضعة، ويلف العمامة السودانية على رأسه، وتكاد لحيته الشقراء تصل إلى سرته. ومن ألطفهم كان الصديق محمد صديق الالماني وهو بنفس درجة التواضع لأخيه خالد في ملبسه، وأيضا محمد خميس الالماني وغيرهم من الجدد لاأتذكر اسماءهم. ومن بين تلك الدول المهمة الأخرى الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا ودول أخرى كثيرة غير ذلك، ودول افريقية وأخرى جنوب شرق آسيوية وإسلامية وغير اسلامية، كلها كان يمتزج طلابها داخل أسورة تلك الجامعة شاؤوا أم أبوا. وملاحظتي التي أعتبرها جديرة بالاهتمام هي أن أبناء الدول الديموقراطية ذات الأنظمة السياسية الحرة من زملائنا وأصدقائنا كانوا يتميزون ويتفوقون على نظرائهم الذين هم من دول ذات أنظمة سياسية ديكتاتورية أو بوليسية وقمعية، يتميزون بقدرات عالية واضحة العلو في الذكاء النفسي والاجتماعي والعلمي، و يتميزون بالانفتاح الثقافي على الآخرين، ولديهم ميول للحوار العلمي الهادىء وغير الصاخب في المناقشات، كما أنهم لا يفرضون آراءهم على الآخرين، ويمتازون بالقدرة على الانصات والاستماع والنقد الموضوعي والمناقشات العقلية، ولا يتعصبون لشيء من الأشياء التي يؤمنون بها، بل إن لديهم تعددية في آفاقهم الثقافية المتنوعة، كما أن هناك ميزة خطيرة ومهمة يتميزون بها وهي عدم ميلهم لجلد ذواتهم أو مجتمعاتهم، ونقدهم بناء، فهم قد تربوا على الثقة بأنفسهم وقدراتهم وغير ذلك، فلا يستطيع أحد هز ثقتهم بما يملكون من معطيات التربية التي كونت شخصياتهم الحرة الفذة، ولا يتصفون بالميول العدوانية في سلوكياتهم الحياتية، كما أنهم يتمتعون بممارسة هواياتهم المختلفة وبحرية تامة. ومن الطريف أن نقول إنه كان لدى زميلنا وصديقنا الطالب في جامعتنا خالد نيتاردِ الألماني دراجة سباق،دعنا نسميها أم قرون بسبب انحناء مقودها للأسفل، وكأن مقودها رأس تيس جبلي أقرن، وكان يمارس هوايته عليها دائما، وفي يوم الجمعة كان يقودها من مبنى الجامعة إلى مطار المدينة ذهابا وإيابا، وأتوقع أن تبلغ هذه المسافة نحو ستة عشر كيلو متر. وقال لي خالد ذات مرة إنه كان يمر بقرية تقع في طريق المطار وكان أطفالها الصغار ينتظرون مروره يوم الجمعة بُعيد صلاة الفجر، وإذا مر بهم خالد كانوا يرجمونه بالحجارة ؛وعلق على ذلك قائلا: يظنونني شيطاناً. وأظن أن لون عيونه الزرقاء الواسعة وطوله الفارع ولحيته الشقراء التي يفرقها الهواء الى فرقين كل فرق منها كالطود العظيم،أظن أن كل هذه الصفات، بالإضافة لشكل دراجته أم قرون كانت ملفتة لنظر أولئك الأطفال وإثارة فضولهم، وأنهم يريدون لفت انتباهه نحوهم وهو رجل لايتصف بالفضول بل يركز في نشاطه. وقد دعاني صديقي الآخر محمد صديق الألماني للعشاء عنده بعد زواجه، وكان متزوجا من ماليزية كأخيه خالد نيتارد حيث تزوجا من ماليزيا اثناء دراستهما الجامعية في المدينة المنورة، وتركا السكن الداخلي فيها، وافتقدناهما من حياة ذلك السكن. ولما ذهبت للعشاء عنده وتناولنا الطعام الماليزي المفلفل عرض علي مشاركته في صلاة قيام الليل التي عرفت أنه يواضب عليها،فقد خصص له في ليلته وقتا يصلي فيه قيام الليل، ووافقته على ذلك، وكانت ليلة متنوعةعجيبة لاتنسى. وكان يسكن في البيوت العثمانية القديمة ذات الأسقف العالية والطراوة الطبيعية،وقد زينت زوجته الفاضلة الماليزية منزلهما بالمهفات والصناعة اليدوية الرقيقة هنا وهناك، ومن أدبها الجم لم نسمع لها حسا ولا صوتا في المنزل أثناء وجودي ضيفا على زوجها الكريم. وقد أراني محمد صديق الالماني مكتبة خفية الإضاءة في منزله قد صنعها بنفسه من أخشاب صناديق علب حليب النيدو ذات البياض الناصع والنعومة، وتحداني أن أعرف اين تقع الإضاءة التي تفنن في إخفائها فلم اكتشف ذلك ولم يخبرني أين هي، ومازلت مندهشا من استقلاليته وقدراته وتنوع حياته وقوة شخصيته وحدة ذكائه. تعمدت أن أذكر بعض هذه التفاصيل لبعض شخصيات ابناء بعض الدول التي كنا نعيش مع طلابها في تلك الجامعة، والتي تربت على الحرية السياسية في بلادها في سياق حديثي عن تأثير النظام السياسي الحر على عناصر التكوين للشخصية الإنسانية، وكان بودي أن أتوقف عند هذا الحد تاركا لحضراتكم إجراء مقارنات مع الشخصيات الإنسانية التي ربتها ديكتاتوريات الأنظمة الاستعبادية السياسية والأخرى. وحيث أنه لدي كفايات كثيرة في تأكيد الجانب الآخر أيضا، فإني لاحظت أن أبناء الأنظمة القمعية الاستبدادية القاهرة لشعوبها يتصفون بالغباء العام والغباء الثقافي والاجتماعي والتعليمي، كما يتصفون بالقلق والشك وعدم الاطمئنان للشخص الغريب الذي يتعرفون اليه أول مرة، فالانقباض سمتهم المتكرر في كل دولة من دول هذا الصنف السياسي القاهر،فلاتستطيع مصادقتهم بسهولة. كما أني قارنت بعض مثقفي البلاد الحرة بما يماثلهم في الثقافة من ابناء الدول ذات الأنظمة الفردية او الظالمة فوجدت أن الفروق كبيرة بين مستويات الذكاء والإدراكات والتفسيرات والاستنتاجات بين الطرفين من أبناء تلك الدول المتباينة سياسيا. فالجانب الإيجابي لصالح ابناء الدول الحرة، فلو قرأ الطرفان مقالا واحدا أو نصا واحدا فسيتفاوتا في قضايا متعلقة بما قرأوا من حيث سرعة الفهم والنقد وبعد الأفق في التحليل والتوقعات وغيرها،وجربت ذلك ودون عمد مع الفريقين فوجدت كل ذلك بوضوح كبيرا جداً، واندهشت أيما دهشة لوضوح الفروق المتنوعة وبروزها كالطود الأشم بين الفريقين، حتى مع تقارب البيئات الطبيعية والمتغيرات الأخرى والحدود الجغرافية. وقد قرأت في “تاريخ التربية” وهي مادة دراسية تعلمتها في الدراسات العليا ودرَّستها بعد ذلك لطلابي الجامعيين، قرأت مثل هذه الفروقات بين تكوين القدرات الانسانية في نظامين سياسيين متجاورين جغرافيا:النظام الحاكم في اسبرطة والنظام الحاكم في أثينا لصالح أبناء النظام الحاكم في أثينا حضاريا، ولو فصلت لكم أكثر وسميت لكم أسماء الدول الحديثة ذات أحد هذين التوجهين وانطباق ماقلت عليهما لوجدتم الكثير جدا مما قلت ولاحظت، والملاحظة إحدى الأدوات العلمية. يكفي هذا. الى اللقاء.
كاتب كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

4 × 4 =