“داعش”… التخطيط أميركي والتنفيذ إيراني

مهى عون

يتعاطى الإعلام, العربي والغربي, اليوم مع ظاهرة “داعش” وكأنها خرافة أسطورية قاتمة الأطر كلون الأعلام التي يرفعها هذا التنظيم, ويذهب بعض المراقبين إلى حد اعتبارها شبه أحجية عصية على الشرح والتفسير, لكن هذه التجاذبات والتفسيرات حولها تتقاطع أو تختلف تبعاً لقناعة كل فريق أو أهدافه من التعاطي مع المستجدات في الداخل العراقي, ومما زاد غموض صورة هذا التنظيم الفائق الفعالية ميدانياً وضبابيته, ظهوره بين ليلة وضحاها وتمكنه من حصد الانتصارات وتنفيذ الاحتلالات بسهولة فائقة, إضافة إلى إضفاء هالة أسطورية عليه بأنه تنظيم لا يقهر, اكتسبها في الحقيقة من شراسته وتطرفه في الإجرام والعنف.
ومما زاد في سطوع هذه الهالة, سرعة تقدم قواته على أرض المعركة تزامناً مع سرعة انهيار الجيش العراقي أمامها, وكأن هذا التقهقر كان مخططاً له من محرِّكَيْ “داعش” وداعمَيه, الغربي والإقليمي, وكأن أوامر كانت أعطيت لعناصر الجيش العراقي بالانكفاء أمامها… والله أعلم.
وإذ يبقى اللغز يلف هذه النقطة بالذات, ناهيك عن أخرى حول هوية منبع إمدادات “داعش” الميدانية الهائلة, لا بد من الإشارة إلى التخوف والهلع اللذين يسيطران على رئيس الوزراء نوري المالكي, ويحملانه على النزول إلى ساحة المعركة والاستنجاد بالتدخل الأميركي بدل مناشدة الحليف الإيراني التقليدي, وكأنه بات يستشعر دنو أجله السياسي وتخلي طهران عنه في خضم هذا المأزق.
وفي هذا السياق, وفي سبيل فهم مجريات هذه الأحداث وتفسيرها, لا بد من طرح السؤال حول الجهة – أو الجهات- المستفيدة, فيأخذنا الجواب بادئ ذي بدء إلى التفكير في أن أهل السنة الذين يشعرون بالغبن والتهميش في ظل نظام المالكي الجائر والمنحاز بكليته لطهران هم أول المستفيدين, لكن يبقى هذا تفسيراً لظاهر الأمور وليس لباطنها, حيث إن لا بد من طرح السؤال التالي: لمصلحة مَن وُجدت هذه القوة الضاربة والفاعلة على أرض الواقع? هي ليست طبعاً لتحصيل حقوق أهل السنة المهضومة والمنتهكة على مدى عقد من الزمن تلا الغزو الأميركي, حيث تركوا يصارعون مصيرهم المشؤوم مع هذا النظام الجائر, وإنْ طبعاً لأهداف ستراتيجية أخرى قد تتعدى أطر الوقوف ضد الغبن.
فإذا كان أول ما يتبادر إلى الذهن أن أهل السنة هم الجهة المستفيدة من تدخل “داعش” على الأرض, فلا بد أن أطرافاً, إقليمية ودولية, تدعمه وتمده بالرجال والعتاد من أجل تحقيق خريطة مرسومة مسبقاً.
وهنا تبرز الأسئلة التالية: إذا كانت قوات “داعش” تُقلق طهران وتزعجها فعلاً وتهدد تواجدها وهيمنتها في العراق, فلماذا إذاً لا توجه إليها ضربة قاسية والقوات الإيرانية وأجهزتها الاستخباراتية مستبيحة العراق, وتملك كل وسائل العبث بالساحة العراقية? السؤال الآخر: لما كانت الولايات المتحدة تبدي عدم رضى عن تحركات من تسميهم “مسلحين إرهابيين”, فلِمَ تكتفي بسيناريوهات التهديد بالضرب من دون التنفيذ المباشر, كما سبق وفعل الـ”ناتو” في ليبيا مثلاً?
وفي إجابة منطقية على جملة هذه التساؤلات, يصبح بالإمكان القول إن عدم التدخل هو علامة الرضى, فلما اجتمع موقفا الولايات المتحدة وإيران, يمكن القول إنهما متفقتان على دعم تقدم قوات “داعش” في الداخل العراقي, وإن هذه الهالة شبه “الأسطورية” والضبابية لـ”داعش” قد تكون مقصودة من هاتين الجهتين الممسكتين بخيوط اللعبة في العراق, واللتين تحركانها بمهارة فائقة على أرض الواقع كي لا ينفضح أمر تعاونهما في إيجاد تنظيم يكون شكله الميداني سنياً متطرفاً لكن انتماءه الحقيقي مختلف تماماً, حيث تندرج مهمته اللوجستية ضمن سياسة تنفيذ الخريطة المستقبلية للعراق, وربما أيضاً لباقي المشرق العربي والإسلامي. ومن هنا يأتي تخوف السعودية وتحذيرها من ألا تكون ما تسميها “الحرب المذهبية” والخريطة التقسيمية التي يجري تنفيذها, بعيدةً من دول الخليج عموماً, ومن السعودية خصوصاً, سيما أن أدبيات “داعش” وخطبها متركزة حالياً ضد السعودية.
وبناء عليه, يمكن الاستنتاج أن “داعش” ليس مجرد تنظيم ثوروي يذكر بـ”القاعدة” وتوابعه ومشتقاته في بلاد الشام, بل هو تنظيم مُدَّ بهذا الكم من القوة الضاربة لأهداف جيوستراتيجية مرسومة ومحددة مسبقاً, وقد لا يكون مبالغة القول, إن سرعة تحرك “داعش” ووصوله اليوم إلى محاصرة بغداد من أربعة محاور, يدخل ضمن مخطط الولايات المتحدة وهو قد استُكمل بالسرعة المطلوبة, مع طلب الإدارة الأميركية كما ذكر بعض المصادر الغربية الموثوقة- من طهران لجم عنان “داعش” عن التقدم في اتجاه المناطق الشيعية الغنية بالنفط, كي لا يُستنفَر الشيعة, وهو أمر غير مرغوب فيه ضمن الخطة المرسومة, ويفيد طهران في الاستحكام بالمناطق الشيعية واستعمالها ورقة رابحة في المحادثات المرتقبة مع الأميركيين. وإذا كان التخطيط أميركياً والتنفيذ الميداني إيرانياً, يظل هامش المراوغة من ناحية طهران وارداً, وإذا كان صحيحاً أن الشيطان يكمن في التفاصيل, فتفاصيل التقية الإيرانية ليست مستبعدة لزعزعة التحالف القائم بين طهران والولايات المتحدة بخصوص العراق, وجنوبه على وجه التحديد.
* كاتبة لبنانية

Print Friendly