دجالون تصنعهم الفضائيات ضحاياهم مرضى وفنانون ومثقفون ورياضيون

0

الشعوب العربية تؤمن بقراءة الفنجان ومعرفة الأمور الغيبية بحثا عن أمل وغد أفضل

القاهرة- علا نجيب:

تعددت القنوات التي تبيع الوهم للمشاهدين وتروج لبرامج فك الأعمال السفلية،جلب الحبيب،رد المطلقة،باستضافتها اعدادا من الدجالين والمشعوذين ممن يطلقون على أنفسهم لقب «المعالج الروحاني» مدعين قدرتهم الفائقة على علاج الدجل والشعوذة بالقرآن الكريم والرقية الشرعية، أو باتصالهم المباشر مع الجن والعالم الآخر، مستغلين انتشار الجهل وغياب الوازع الديني. الكارثة أن رواد هؤلاء لا يقتصرون على الطبقات الدنيا، بل هم من الممثلين والمثقفين ورجال الأعمال.
«السياسة « ترصد في هذا التحقيق، بدعة العلاج الروحاني التي يروج لها المشعوذون،كيف تقدمهم القنوات الفضائية المشبوهة ولماذا تحتضنهم ؟

تستقطب إحدى القنوات الفضائية الشهيرة الكثير من المعلنين،لأن برامجها تحقق نسب مشاهدة عالية، تجعل هؤلاء المعلنين يهرون إليها بسبب حرص الكثير من الجماهير على متابعتها، ومن أهم هذه البرامج التي تتصدر شاشتها، برنامج يعتمد على الدجالين الذين يرتدون زيا عصريا ممن يزعمون قدرتهم الفائقة على علاج المس والقرين، جلب الحبيب،رد المطلقة في مدة لا تتجاوز الثلاث ساعات والادعاء بقدرتهم على زيادة الرزق،فك الأعمال السفلية،علاج العقم.مرددين عبارات غريبة وطلاسم غير مفهومة، فتنهال الاتصالات تطلب مشورتهم أو مساعدتهم في فك السحر والعمل السفلي. الغريب أن أغلب هؤلاء يدعون حصولهم على درجة الدكتوراه أو الماجستير في العلاج الروحي من جامعات أوروبا وأميركا. وقد كشف البعض ممن يعملون بهذه القناة أن بعضا من هؤلاء الدجالين يتفقون مع أشخاص يأتون إلى الاستديوهات بدعوى علاجهم من الأعمال السفلية لإيهام المشاهدين بحقيقة العلاج واستقطاب الضحايا الجدد،أثناء ذلك يتم الإعلان عن أرقام تليفونات للتواصل مع الدجال، وما أن يتم التواصل معه حتى يطلب تحويل مبالغ مالية ضخمة نظير العلاج ليزداد عدد الضحايا الذين يجدون صعوبة في اقتفاء أثره والوصول إليه بعد ذلك. ولعل أشهر البرامج التي كانت تقدمها مذيعة معروفة روجت في عدد كبير من حلقاتها لهؤلاء الدجالين وكيف يكشفون الممسوسين بالجن، وكيف يفكون الأعمال السفلية المسؤولة عن حرق المنازل، وهو ما زاد من اقتناع الناس بهم.

الضحايا يتحدثون
تقول «س.م «: بعد تخرجي في الجامعة وعملي بإحدى شركات الاستيراد والتصدير تعرفت على زميل بالعمل،منذ اللحظة الأولى همت به عشقا وبادلني هو الآخر الحب الحلال،تقدم لخطبتي،بعد أشهر نجحنا في تأثيث عش الزوجية وتم الزفاف في جو أسطوري،عشنا عامين من السعادة والاستقرار إلا أن الخلافات الزوجية نشبت بيننا لتأخري في الإنجاب،بعد رحلة علاج طويلة مع الأطباء أجمعوا على إصابتي بعقم يمنعني من الإنجاب، أصبت باكتئاب مزمن ويأس شديد، نصحتني إحدى الصديقات بمتابعة برنامج معالج روحاني شهير يعالج العقم،فك السحر الأسود،المس،يتابعه كثير من المشاهدين في مصر والوطن العربي، قررت التواصل معه عن طريق أرقام التليفون الموجودة على الشاشة.بعد الاتصال به طلب مني السكرتير الخاص به إرسال كروت شحن بمبلغ معين حتى يستطيع الشيخ الاتصال بي والرد على تساؤلاتي وعلاجي،بالفعل أرسلت اليه ما طلب.تواصل الشيخ معي وأبلغني أنني مسحورة وسوف يفك السحر مقابل آلاف من الجنيهات،حولتها إلى حسابه البنكي، انتظرت أسابيع، لم أشعر بأي تغير ولم يتحقق الحمل، فأبلغت الشرطة عنه.

صداع مزمن
يقول «ج- د- ف»: أصبت بصداع مزمن كان يستمر معي لساعات ما أثر على عملي وعلاقاتي الإنسانية،ذهبت لبعض الأطباء الذين وصفوا لي أدوية لم تأت بنتائج، قررت التواصل مع أحد المعالجين الروحانيين بعدما تابعت حلقات برنامجه على إحدى القنوات الفضائية الشهيرة، بعد مكالمات عدة طلب اسم والدتي وعنواني بالكامل، بياناتي الشخصية لعلاجي من القرين الملازم لي الذي يسبب الصداع، كما طلب إيداع مبلغ مالي لدى سكرتيره الخاص بمكتبه الكائن بأحد شوارع الجيزة، بعد مرور شهر كامل لم ينجح علاجه، بل زاد الصداع، وفوجئت بخبر القبض عليه في إحدى الصحف اليومية بعدما نصب على كثير من الضحايا الذين تباينت مستوياتهم الاجتماعية والعلمية.

شخصيات عامة
ملف الدجالين النصابين متخم بالحكايات،منها إلقاء الأجهزة الأمنية القبض على أحد مقدمي البرامج المشهورين بإحدى القنوات بعدما استدرج سيدة ثرية واقنعها بقدرته على علاجها من الأمراض النفسية التي تعانى منها مقابل مبلغ مالي. أيضا هناك شيخ جذب العشرات من الزبائن المشهورين بعد عرضه لجلسات تحضير الأرواح في أحد البرامج الشهيرة واستحضر أرواح سياسيين مشهورين ورجال دين، وأصبح من مريديه لاعبو كرة القدم لاستشارته قبل مبارياتهم، كذلك بعض الممثلات اللائي أنفقن آلاف الجنيهات لتحصين انفسهن ورد كيد زميلاتهن، بل كن يحرصن على السفر الى إحدى دول شمال أفريقيا من وقت لآخر لهذا السبب.
الأعمال السفلية

يقول الدكتور أحمد نور، أستاذ العقيدة: السحر وكل ما يتعلق بالجن جاء ذكره في القرآن الكريم، حذرنا منه رسولنا الكريم،أوصانا بالمداومة على الأذكار للوقاية منه. بالطبع تتباين علامات السحر وتتعدد أنواعه، إذ يوجد سحر لتأخير الزواج،العنوسة، العقم،قتل القدرة الجنسية عند الرجال، إلا أنه من المهم التفرقة بين السحر وحالات المرض النفسي التي تتشابه علاماتها ودلائلها، وقد ظهر في الفترة الأخيرة الكثير من النصابين الذين يطلقون على أنفسهم لقب «المعالج الروحي « الذى يملك القدرة على النفاذ داخل الروح البشرية وقراءة ما يجول بخاطرها، بل ينجح في الاتصال بعالم الجان، ولا ننكر أن ذلك العلم موجود ومعترف به،لكنه هبة ومنحة يخصها الله تعالى لبعض عباده الذين وصلوا لأعلى درجات الإيمان والتقوى، لكن معظم من يظهرون على القنوات الفضائية ويدعون أنهم يمتلكونها،يستغلون الفقر والجهل الذى عصف بمجتمعاتنا للترويج لادعاءاتهم ونشر بضاعتهم، ولعل حوادث القبض عليهم خير برهان على ذلك. يتابع: معظم الدجالين الذين يذيلون أسماءهم بلقب» المغربي» لشهرة المغرب في فك السحر، يعتمدون على مساعديهم الذين يجرون اتصالات هاتفية بهم في الاستوديهات ويتقمصون دور المرضى الذين يطلبون العلاج لإيهام المشاهدين بقدرتهم على العلاج،عادة ما يخبرون المريض أنه سوف يحلم حلما معينا، وعقب الحلم لابد من الاتصال به على الأرقام الموجودة على الشاشة لإخباره بدعاء لابد من ترديده وشرب ماء مقروء عليه آية الكرسي ثلاث مرات يعقبها الشفاء مباشرة، لكن من المحزن أن يستخدم الدجالون القنوات الفضائية كستار لنشر بضاعتهم وأفكارهم مستغلين غياب الرقابة وعدم تطبيق مواثيق العمل الإعلامي، مع سهولة انشاء القنوات الفضائية التي لا تتطلب سوى مكتب لإدارة القناة وأجهزة الكترونية، لذا يجب على الأزهر توعية من يقطنون الأحياء الشعبية والقرى ومعظمهم من النساء اللاتي يؤمن بالأعمال السفلية وقراءة الفنجان والطالع من خطورة الانسياق وراء تلك القنوات المضللة، كما يجب على الفرد أن يقوي صلته بالله، يداوم على قراءة الأذكار اليومية وتلاوة آية الكرسي وسورة البقرة، استخدام الحجامة لإبطال العين.

دفاع النفس
يقول الدكتور محمد نصر، أستاذ علم النفس: يلجأ المشعوذ إلى القنوات الفضائية الكبرى لجذب الناس لعرض قدرته على فك الأعمال السفلية وجلب الحبيب وغيره من الأعمال الخارقة، إذ أن الضغوط النفسية وحالات الاكتئاب المزمن التي باتت تعصف بهم تجعلهم غير قادرين على مواجهة الحقائق ومحاسبة النفس على أخطائها وتقصيرها، فيبررون ما يتعرضون له بأنه سحر أو حسد. كما أن عدم الثقة بالنفس والاضطرابات النفسية تجعل الفرد يلجأ إلى الدجالين لاعتقاده أن اتصالهم بالعالم السفلى سوف يقيه من الشرور،يبعد عنه المخاطر،عادة تكون تلك الاعتقادات لدى المثقفين والأثرياء، مما يبرر لجوء الكثير من الممثلين ولاعبي الكرة بل ورجال الأعمال الى الدجالين. يضيف: للتربية والتنشئة الأسرية عامل كبير، فمعظم الأمهات يرسخن فكرة الأبطال الخارقين الذين عادة ما يعيشون تحت الأرض أو في السماء ولا نستطيع رؤيتهم،يفعلون ما يعجز البشر العاديون عن القيام به، يظل ذلك الاعتقاد داخل الطفل حتى يكبر فيصبح اتكاليا كسولا، يؤمن بالسحر الأسود،يعول عليه فشله وعجزه عن التقدم والنجاح. لذا لابد من علاج بعض الأمراض النفسية التي تعد بيئة خصبة يستغلها الدجال مثل، أمراض الفصام والهلوسة السمعية والبصرية،كذلك علاج الأمراض العضوية بطريقة علمية والابتعاد عن الطب الشعبي المعتمد على وصفات الدجالين.

غياب الوعي
يقول الدكتور نبيل حنفي،أستاذ علم الاجتماع: الجهل والفقر بيئة خصبة لانتشار فضائيات الشعوذة،لأن القائمين عليها أدركوا أن الشعوب العربية تؤمن إيمانا كاملا بقراءة الفنجان ومعرفة الأمور الغيبية حتى تستطيع التكيف مع حياتها وتقبلها، يساورها أمل بالتحسن وغد أفضل، بسبب تفشي الخرافات والموروثات المرتبطة بالجهل وضعف مستوى التعليم. وهناك إحصائيات أكدت أن النساء هن الأكثر إيمانا وإقبالا على الدجالين، اذ يعتقدن أن تحسين مستوى المعيشة والحياة يبدأ من اتباع وصفاتهم وقراءة العبارات التي يبتدعونها، ساعد في ذلك وجود قنوات فضائية شهيرة ومقدمو برامج مشهود لهم بالثقافة العالية يستضيفون هؤلاء الدجالين ويفتحون قنواتهم لهم للحديث حول تلك الأمور،يفردون لهم ساعات لأن الاعتبارات الاقتصادية وفكر أصحاب القنوات الفضائية أصبح السبب الرئيس وراء تلك الظاهرة، فالبرامج الهادفة لم يعد لها جمهور كبير ولا تحقق أرباحا.

تشريعات اعلامية
يقول الدكتور علي جمال، استاذ الاعلام بجامعة بني سويف: لا يوجد بمصر قانون يحكم ويضبط الإعلانات، لذا لابد من تفعيل ميثاق الشرف الإعلامي لمواجهة ذلك الخطر،تنظيم حملات توعوية للمواطنين لعدم الإقبال على تلك القنوات والتعامل مع دجاليها. لابد أيضا من فرض غرامة كبرى على القنوات الفضائية التي تروج للدجالين، إيقاف البرنامج لمدة معينة،معاقبة مقدمه، ليكون عبرة لغيره،تدريس مادة أخلاقيات الإعلام وتشريعاته لطلبة كليات الإعلام،إلزام مقدمي البرامج بدراسته ومعرفة بنوده.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

خمسة عشر − 6 =