دعوة سامية للقضاء على الهدر العبثي

واضحا كان صاحب السمو الامير الشيخ صباح الاحمد في نطقه السامي بافتتاح الفصل التشريعي الحالي بوضع الجميع امام مسؤولياتهم الوطنية كي تستمر الدولة في مسيرتها لا تعترضها عقبات تؤخر تقدمها، خصوصا في التصدي للأزمة الناتجة عن الانخفاض الهائل في أسعار النفط وانعكاسها على الموازنة العامة للدولة التي عجزت طوال العقود الماضية عن تنويع مصادر دخلها لاسباب عدة أولها التمسك النيابي التاريخي بالريعية باعتبارها أساسا في محافظة أعضاء السلطة التشريعية على أرصدتهم الشعبية والانتخابية، وهو ما أدى إلى هذا الوضع السيئ الذي باتت عليه الكويت حاليا.
لا ريب أن استمرار الدعم على هذا النحو من الهدر سيؤدي عاجلا وليس آجلا الى إفلاس الدولة وعدم قدرتها على دفع رواتب الموظفين والإيفاء بأبسط التزاماتها، حينها لن تنفعها المهاترات وقوانين الرشوة الانتخابية التي فتحت خزائنها على الغارب عملا بالمثل الشعبي “اصرف ما في الجيب يأتك ما في الغيب”، وللأسف هي الوحيدة في المنطقة المتخلفة عن التصدي لأزمة لا يلوح في الأفق أي مخرج قريب منها، بينما دول “مجلس التعاون” الخليجي كافة استطاعت عبر إجراءات جريئة حماية وضعها المالي، وبتأييد من شعوبها المدركة حجم المخاطر.
بالأمس جاء التحذير من المقام السامي أعلى سلطة في الدولة، موجها وداعيا إلى ضرورة العمل على “الإصلاح المالي ومواجهة الفساد”، ومحذرا، ايضا، السلطة التشريعية من مغبة الوقوع في فخ “الاعتبارات الشخصية” لأن ذلك يعتبر استهتارا بأمانة كبيرة حملها الشعب الكويتي لنوابه.
إن جرس الإنذار الذي قرعه صاحب السمو الأمير يعني أن على الجميع عدم ربط الإصلاح الاقتصادي والمالي بأي حسابات شخصانية، فما يهدر اليوم لن يكون له بديل مستقبلا، بينما رفع الدعم عن السلع والخدمات الذي يكلف الدولة سبعة مليارات دينار سنويا يمكن توظيفه في العديد من المشاريع المربحة والمساعدة في الوقت نفسه على حفظ العيش الكريم للمواطن المطلوب منه في الدرجة الاولى أن يؤدي ما عليه من واجبات لوطنه ليستمر في الحصول على الحقوق، بمعنى ان الذي يعطي يأخذ، فلا تبقى الدولة مثقلة بهذا الكم الهائل من التبذير العبثي خدمة لمصالح مجموعة نواب ومتنفذين على حساب الشعب والاجيال القادمة.
لا شك أن الجميع يدرك اهمية تشجيع القطاع الخاص في تنويع مصادر الدخل، وذلك لا يتحقق إلا بزيادة مساهمته في إدارة مشاريع الدولة، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتذليل كل العقبات التي تعترضها، بدءا من القضاء على الدورة المستندية الطويلة والتضارب في اختصاصات الجهات المسؤولة، مرورا بتسهيل حركة الاشخاص والبضائع، انتهاء بقوانين حماية، لان كل هذا سيؤدي في المحصلة إلى وضع الكويت على طريق تنويع مصادر الدخل، التي هي البديل الصحيح لدولة الرعاية والهدر العبثي.
لم يعد هناك أي مفر من الإصلاح، وخفض الإنفاق الريعي، ولن تجني الكويت فوائد ذلك إذا لم يتزامن هذا مع مكافحة الفساد، وليس التحجج بالقضاء عليه قبل السير بالخطوات العلاجية الجذرية، لأن هكذا ترهات ومهاترات تبقينا ندور في حلقة مفرغة تؤدي بالكويت إلى الهاوية.

أحمد الجارالله

Print Friendly