محبرة قلم

«دع الوشاة وما قالوا وما نقلوا» محبرة قلم

مشعل عثمان السعيد

قاتل الله الوشاة أين ما ثقفوا، ما اشد بغض هؤلاء الناس للصفاء والوئام وحبهم للفرقة، هم يسعون الى خراب كل ما هو عامر ، والواشي جبان ضعيف، ولو كان شجاعا لم نم في الخفاء وبعيداً عن اعين الرقباء، والواشي حسود وقلبه أسود، وذو وجهين، ولا أظن الواشي الا مضطرباً نفسياً وضعيف شخصية وكاذب، والواشي اسم مفرد الجمع منه: الوشاة، الواشون، والوشاية وهي الاصل تعني السعاية، ونقل الخبر بخبث لاثارة الفتن بين الناس دون وازع من ضمير، والوشاية اخت النميمة والغيبة، وقد نهى المولى عز وجل عنها نهيا قاطعا، لانها مبنية على الكذب والتلفيق وهدفها اماتت الثقة بين الناس، وبث الفرقة، وقد اكثر الشعراء في الوشاة وقالوا ما لم يقله مالك في الخمر، ومنهم كعب بن زهير «رضي الله عنه» المتوفى عام 26 هجرية حيث يقول موجها هذا البيت الى صفوة الخلق محمد بن عبدالله «صلى الله عليه وسلم»
« لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم
أذنب ولو كثرت عني الأقاويل»
وقال عروة بن اذينة الليثي «ت 130 هجرية
«قال العواذل قد حاربت في فنن
من الصبا وشباب الغصن ريعانا»
وذكر القاضي الفاضل سيد الفصحاء ابو علي عبدالرحيم بن علي «ت596 هـ) الوشاة فقال:
« لا تقبلوا قول الوشاة فأنهم
كانوا لنا في حبكم اعداء»
أما أمير الشعراء أحمد شوقي (ت 1932م( فقد قال:
«إن الوشاة وان لم أحصهم عدداً
تعلموا الكيد من عينيك والفندا»
وأشهر بيت قيل في الوشاة وغني صوتا، قول البهاء زهير:
« دع الوشاة وما قالوا وما فعلوا
بيني وبينكم ما ليس ينفصل»
هذا البيت ردد كثيرا وصاحبه من شعراء العصر الايوبي ويتصل نسبه بالأمير المهلب بن ابي صفرة العتكي، كان شاعر وقته وكان له صلة وثيقة بالملك الصالح ايوب المتوفى عام 647 هـ، واسم هذا الشاعر: زهير بن محمد بن علي المهلبي، اما بيته الذي اشرت اليه والذي بدأه بالامر بترك الوشاة فهو ضمن ابيات يقول في بعضها:
دع الوشاة وما قالوا وما نقلوا
بيني وبينكم ما ليس ينفصل
لكم سرائر في قلبي مخبأة
لا الكتب تنفعني فيها ولا الرسل
رسائل الشوق عندي لو بعثت بها
اليكم لم تسعها الطرق والسبل
أمسي وأصبح والاشواق تلعب بي
كأنما انا منها شارب ثمل
واستلذ نسيما من دياركم
كأن انفاسه من نشركم قبل
وكم احمل قلبي في محبتكم
ما ليس يحمله قلب فيحتمل
وكم اصبره عنكم واعذله
وليس ينفع عند العاشق العذل
وارحمتاه لصب قل ناصره
فيكم وضاق عليه السهل والجبل
قضيتي في الهوى والله مشكلة
ما القول ما الرأي ما التدبير ما العمل
يزداد شعري حسنا حين اذكركم
ان المليحة فيها يحسن الغزل
يا غائبين وفي قلبي اشاهدها
وكلما انفصلوا عن ناظري اتصلوا
ولد البهاء زهير في القاهرة عام 581هـ وتنقل بعد نبوغه في الشعر بين ولايات مصر قال قاضي القضاة بن خلكان في حقه: من فضلاء عصره، واحسنهم نظما ونثرا وخطا، توجه الى البلاد الشرقية في خدمة السلطان الملك الصالح نجم الدين ابي الفتح ايوب بن الملك الكامل ولما ملك الملك الصالح دمشق انتقل اليها معه، ثم انتقل الى نابلس بعد اعتقال الملك الصالح على يد ابن عمه الملك النصار داوود صاحب الكرك وفاء لصاحبه الملك الصالح حتى عاد الصالح الى السلطنة، فعاد البهاء زهير الى القاهرة في خدمة صاحبه، فكان كبير القدر عنده متمكنا منه وذكر ابن خلكان انه اجتمع به في القاهرة، ووصفه بأنه: كريم الاخلاق دمث السجايا، لا يتوسط عند صاحبه الملك الصالح الا بالخير ونفع خلقا كثيرا، والبهاء زهير هو القائل في رثاء ابنه وهي من المراثي الحسنة:
نهاك عن الغواية ما نهاكا
وذقت من الصبابة ما كفاكا
وطال سراك في ليل التصابي
وقد اصبحت لم تحمد سراكا
فلا تجزع لحادثة الليالي
وقل لي ان اجزعت فما عساكا؟
وكيف تلوم حادثة وفيها
تبين من حبك او قلاكا
بروحي من نذوب عليه روحي
وذق ياقلب ما صنعت يداكا
لعمري كنت عن هذا غنيا
ولم تعرف ضلالك من هداكا
ضنيت من الهوى وشقيت منه
وأنت تجيب كل هوى دعاكا
فدع ياقلب ما قد كنت فيه
الست ترى حبيبك قد جفاكا
لقد بلغت به روحي التراقي
وقد نظرت به عيني الهلاكا
فيا من غاب عني وهو روحي
وكيف اطيق من روحي انفكاكا
حبيبي كيف حتى غبت عني
أتعلم ان لي احدا سواكا؟
أراك هجرتني هجرا طويلا
وما عودتني من قبل ذاكا

جف القلم ونشفت المحبرة، في آمان الله

كاتب كويتي
[email protected]

Print Friendly