شاعرة وروائية عراقية لا تكفيها القصائد للتعبير عن قسوة الواقع

دنيا ميخائيل تعرض الجمال والدمار في سوق السبايا شاعرة وروائية عراقية لا تكفيها القصائد للتعبير عن قسوة الواقع

دنيا ميخائيل

بدأت رحلتي مع الكتابة حين رأيت حرف النون مكتوباً بالأحمر على أبواب النصارى

القاهرة – شريف الشافعي:
دنيا ميخائيل، شاعرة وكاتبة عراقية أميركية، مقيمة في الولايات المتحدة، تعمل أستاذة للغة العربية وآدابها في جامعة أوكلاند بولاية مشيجان. صدرت لها مجموعات شعرية عدة، منها: «الحرب تعمل بجد»، «مزامير الغياب»، «يوميات موجة خارج البحر»، «على وشك الموسيقى»، «نزيف البحر»، و»أحبك من هنا الى بغداد»، الصادرة في القاهرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة.
شاركت دنيا في مهرجانات دولية كثيرة، داخل وخارج الولايات المتحدة، منها»مهرجان طنطا الدولي للشعر» بمصر (2016)، وحصلت على جوائز دولية رفيعة، منها»جائزة الأمم المتحدة لحقوق الانسان» لكتابتها عن الحرية، وجائزة منظمة «بن» (PEN)في الشعر المترجم، و»جائزة كريسكي للآداب والفنون» في ديترويت، وغيرها.
«في سوق السبايا»، هو أحدث اصدارات دنيا ميخائيل (منشورات المتوسط، ميلانو، ايطاليا، 2017)، وعبر صفحاته المائتين والعشرين تسرد الكاتبة بلغة شعرية رائقة مجموعة من الحكايا الانسانية الدامية، التي هي في الأصل قصص حياتية حقيقية لنساء ناجيات من جحيم «داعش» في العراق وسورية والمنطقة العربية.
عن كتابها الجديد «في سوق السبايا»، الذي سجلت فيه تفاصيل رحلتها الخطرة الى العراق، خلال العام 2016، واستمعت ورأت بعينيها تفاصيل هروب النساء من قبضة «داعش»، وعن ملامح تجربتها الشعرية، وقضايا متعلقة، تتحدث د.دنيا في هذا الحوار..
• «في سوق السبايا»، كتابك الأخير، وصفته صحيفة «واشنطن بوست» بأنه»شغل رائع بصوت شعري استثنائي، خلف مفارقات من الدمار، والجمال الباهر».وذكرت مجلة «نيوزلترز» الأدبية أنه «كتاب ينقل الأحداث العالمية بأصالة وذكاء».حدثينا عن فكرة هذا الكتاب، الذي يحوي مغامرة، وتجربة لم تكن مأمونة العواقب..
= بدأت تجربتي مع هذا الكتاب «في سوق السبايا» مع بداية «داعش»، وتحديدًا بدأت مع حرف واحد هو «النون». رأيتهُ مكتوبًا بالأحمر على أبواب «النصارى»، كما يسمّونهم كتهديد لهم بأن يغادروا تلك البيوت التي سكنوها لأكثر من 1400 سنة أو يُقتَلوا. هكذا بجرة قلم، كان عليهم أن يتركوا كل شيء خلال 24 ساعة ويخرجوا بملابسهم فقط. لقد استجبتُ بقصيدة عنوانها «ن»، فهكذا أستجيب عادة، بقصيدة. تصورتُ أن الموضوع انتهى لديَّ عند ذاك الحد، لكن «داعش» استمروا بأفعالهم الغريبة والشنيعة. هدموا القبور لأنها كانت عليها صلبان وكتابات آرامية وعبرية. وأنا تذكرتُ قبر جدتي، فهي من قرية «تلكيف»، التي استولت عليها «داعش». كتبتُ قصيدة أخرى بعنوان «قبر جدتي». «داعش» لم يتوقفوا عند ذاك الحد. حاصروا سهل نينوي وسنجار وأخذوا النساء «سبايا» بعد أن قتلوا رجالهم. خرج أهل المنطقة (خصوصًا الايزيديين) في قافلة كأنها يوم القيامة. رأيتُ ناسًا مذهولين يسيرون حفاة، يحملون على ظهورهم الأطفالَ والمسنين والمعوقين، وخلفهم غبار الطريق. لم تعد القصائد تكفي بالنسبة لي لأفرغ مشاعري.
• هكذا كانت نقطة البداية أو الانطلاقة التي فتحت الباب لتبلور تجربة كتاب «في سوق السبايا». صفي لنا، كيف بدأتِ خطواتك العملية نحو تجاوز حدود القصيدة الى آفاق أرحب؟
= بعد معايناتي هذه كلها، اختنقتُ. اتصلتُ بأقاربي لأطمئن عليهم، فعرفتُ أنهم صاروا من النازحين في أقصى الشمال. ثم قادتني المصادفاتُ الى شخص كان قد أنقذ بعض «السبايا»، في محاولته لانقاذ أخته. كان هو أيضًا من بين الذين خرجوا في القافلة مع عائلته. عندما عرفتُ أنه كان بالأصل مربيًا للنحل وتفاصيل أخرى عن حياته، رأيتُ أنه شخصية روائية بامتياز. اتفقنا على أن يحكي لي قصص الناس الذين ينجح أو يفشل في انقاذهم، وهو وافق قائلاً: «أفضل مساعدة تقدمينها لنا هي أن توصلي صوتنا الى العالم حتى يعرفوا ما يحدث هنا». وهكذا، كان «عبد الله»، (وهذا اسمه)، مثل شهرزاد، يحكي لي كل يوم حكاية وأنا أدوّنها.
• الى أي مدىً يمكن التعاطي مع حكايا «في سوق السبايا» بوصفها نسيجًا سرديًّا، بالمعنى الأدبي المتعارف عليه؟
= الفرق الأول، أن هذه حكايات حقيقية، والفرق الآخر أن «شهرزاد» نجت بقصصها، بينما خشيتُ أن تعرّض هذه القصص بعض الحيوات للخطر. كان من الممكن ببساطة أن أكتب هذا الكتاب كرواية، ولكني لم أشأ أن أخسر التوثيق الذي به. قلتُ لنفسي: من الممكن أن يكون هناك تشويق في التوثيق أيضًا. فالمفارقة أن هذه الحكايات التي هي أغرب من الخيال حدثت في الواقع فعلاً.

رحلة الى العراق
• ماذا عن رحلتك الى العراق خلال العام الماضي 2016، ولقائك بالنساء الهاربات من جحيم «داعش»؟
بعد سنة من المكالمات المتقطعة بيني وبين عبد الله، ذهبتُ الى العراق بعد عشرين سنة من مغادرتي للبلد (ببطاقة ذهاب بلا مرجع)، من أجل اكمال الكتاب، فقد شعرتُ بأن تجربتي ما كانت ستكتمل دون مقابلتي للناس والتحدث معهم وجهًا لوجه. زرتُ المخيمات، ووقفتُ عند حواف مقابر جماعية احتوت على عظام وجماجم رجال وجدّات لا يصلحن للنكاح، وأحفادهن الملتصقين بهن. كل يوم من أيام السنة، حكى لي «عبد الله» حكاية حقيقية عن «سبية» أنقذها، أو أخفق في انقاذها، من جحيم «داعش» في العراق، وأنا كنت أدوّن.لكنني بعد سنة من الاستماع لقصص «لم تقتلني»، وبعد عشرين سنة من الغياب عن بلدي، قررت العودة، لألتقي بأولئك الناس، وأعرفهم عن قرب.
• كيف رأيتِ هؤلاء النساء البطلات، اللاتي استطعن الفكاك من قبضة «داعش»؟ وماذا تقولين لهن؟
= هن كائنات شفّافة مثل دمعة، وكل واحدة منهن تستحق كتابًا بمفردها. شيء مذهل أنهن عدن الى الحياة من جديد ونجون من «داعش»، ولكني أدرك تمامًا أن «النجاة» ليست نهائية، فالعالم تغير بالنسبة لهن، وتلك الكوابيس التي عشنها في الأسر مازالت تراودهن كل ليلة.على أية حال، أنا أشكرهنَّ لقبولهن التحدث عن تفاصيل معاناتهن، رغم أن الجروح العميقة لا تُحكى، فهي تُحسّ فقط. من الناجين أيضًا رجال ممن أُطلقتْ عليهم النيران ولم يموتوا، انما تظاهروا بأنهم موتى. بعض قصصهم موجودة في الكتاب كذلك. ربما لا يعرف البعض كثيرًا عن الايزيديين، الذين أجبروا على ترك بيوتهم، ليلتجئوا الى كهف في حضن»سنجار» بالعراق، أولئك كان الجبل أقل قسوة عليهم من الانسان.
• «نادية»، واحدة من هؤلاء النساء اللاتي تمكنتِ من لقائهن في العراق. ماذا عن قصتها؟
= «نادية»، واحدة من هؤلاء الضحايا، تعرفتُ اليها من خلال صحافي ايزيدي. حكت بالكردية قصة وقوعها أسيرة في يد «داعش»، ثم قصة هروبها بمساعدة عبد الله، منقذ السبايا، أو الملكات، كما يسميهن. سعر نادية، بحسب قائمة أسعار السبايا لدى «داعش»، هو 85دولارًا أميركيًّا، وذلك بحسب عمرها (28 سنة). ويُمكن أن تُهدى مجانًا الى أمير من أمرائهم «تقديرًا لجهاده»، هدية تتمنى لو أنه لا يحتفظ بها. «طوّقنا مقاتلون من «داعش»، تحكي نادية، «أخذوا الرجال أولًا، ثم النساء والأطفال في سيارات كبيرة، وتوجهوا بنا نحو الموصل. طوال الطريق ونحن نبكي ونصرخ، وهم يسجلون أسماءنا وأعمارنا. فصلوا البنات العذراوات عن النساء المتزوجات. نقلونا الى بناية في منطقة الرقة في سورية، وهناك وضعونا في مزاد للبيع. كان الرجال يزايدون على أسعارنا أحيانًا بدولار واحد أعلى من السعر الذي قبله، حتى سمعت البائع ينادي: 200 دولار، من يزاود؟ لا أحد؟ بيعت.أعطوني ورقة عليها اسم المشتري، وقالوا: هذه وثيقة زواجك». «الرجل الذي اشتراني قال اني أصبحت زوجته»، تحكي نادية، و»أخذني مع أطفالي الثلاثة الى بناية من أربعة طوابق في منطقة سد تشرين. كان رجلًا من الشيشان، يتحدث العربية الفصحى. لا أعرف القراءة بالعربية، لكنه أرغمني على ترديد القرآن بعده. كان يضرب أطفالي أمامي لأنهم لم يحسنوا القراءة كما ينبغي. كان يغتصبني أمامهم، وفي بعض الأيام كان وأصدقاؤه يبادلوننا كالهدايا فيما بينهم، بموجب اتفاق مؤقت ليوم أو يومين، يسمّونه: ايجارًا».وعن عمل النساء»الحربي» في خدمة «داعش»، تروي نادية: «بقينا لدى «داعش» ثلاثة أشهر، صنعنا خلالها مئات الصواريخ. أنا وأطفالي كنا نشتغل لهم 12 ساعة في اليوم. أعطوا لابنتي التي عمرها خمس سنوات أخطر مهمة، اذ كانت هي التي تربط الأسلاك الحساسة، وفي أي لحظة خلل، كان يمكن أن ينفجر بوجهها الصاروخ». تلك واحدة من الحكايات الرهيبة، التي يقف التعبير اللغوي، وليس فقط الشعري، عاجزًا أمام حدتها وقسوتها.

إبداع نمطي
• بالعودة الى حديث الشعر والأدب، هل ترين الأوضاع السياسية العربية، ومعاناة الشعوب أنماطًا من القهر وربما العنف، وراء وجود قوالب ابداعية نمطية حتى هذه اللحظة؟
= لربما يبدو ذلك صحيحًا، لكن من دون تعميم، ففي الشعر مثلًا هناك طبقات متفاوتة، فاذا كان الشعر الحماسي سائدًا، فهناك كذلك طبقة من الشعر الغنائي، وطبقة أعمق من الشعر اليومي، تحتها طبقة من الشعر السردي، كما أن هناك طبقة من الشعر ذي النبرة الخافتة، الذي أنتمي اليه، وأراه مشبعًا لذائقتي وميولي وطبيعتي.
• في عالم مضطرب «تعمل فيه الحرب بجد»، أين يقف الشاعر من العالم؟ وهل ترينه في موقف المراقب السلبي أكثر أم في فريق الدعوة الى التغيير؟
= الحرب هي الحرب دائمًا، خصوصًا بالنسبة لنا نحن العراقيين، مثلها مثل أي كائن أليف. «الحربُ زرٌ لاطفاء النور»، كما في احدى قصائدي. «كم هي مجدّةٌ الحرب، ونشطة، وبارعة، منذ الصباح الباكر، تبعثُ سيارات اسعاف، الى مختلف الأمكنة، تؤرجح جثثًا في الهواء، تزحلق نقالات الى الجرحى، تستدعي مطرًا من عيون الأمهات، تحفُر في التراب،تُخرج أشياء كثيرة، من تحت الأنقاض، أشياء جامدة براقة، وأخرى باهتة ما زالت تنبض»، كما في قصيدة أخرى.
أما طموح الشاعر، أو الشاعرة في هذا المقام، فلربما كانت تحلم الشاعرة في البداية بأن تغيّر العالم، لكنها مع مرور الوقت تتنازل عن هذه الرغبة، ليتقلص حلمها فيصير الأمل في أن يتركها العالم وشأنها. أحكي عن نفسي ورؤيتي بطبيعة الحال.
• هل من مقطع شعري نختتم به هذا الحوار؟
= «شمّ الوردة وامضِ
انها دائمًا تدري
أن العالم سينتهي بعد دقائق»