دور كبير لمملكة “كانم” في نشر الإسلام في أفريقيا الإسلام ينير القارة السمراء

0 34

إعداد – محمود خليل:

لا يعلم كثيرون أن أفريقيا جنوب الصحراء التي لم تصل إليها جيوش الفتح الإسلامي قامت بها دول وممالك إسلامية كان لها دور بارز في نهضة الإسلام والدفاع عنه في مواجهة الهجمات التي كانت تسعى للنيل منه، في هذه الحلقات نستعرض عددا من تاريخ أهم الدول والممالك الإسلامية في أفريقيا جنوب الصحراء، مواقفها من دول الاحتلال الأوروبية دفاعا عن الأرض والدين.

كانت معظم الطرق التي وصل من خلالها المسلمون إلى إفريقيا جنوب الصحراء أو السودان الكبير طرقا تجارية، ولم تستخدم كطرق حربية إلا نادرا، ما يؤكد أن انتشار الإسلام في قارة إفريقيا كان سلميا.
يؤكد ذلك أن سكان القارة من البربر أم من الزنج والسودان هم من قاموا بنشر الإسلام، في أنحاء القارة بعد إسلامهم، مما يدحض افتراء وإدعاء الأوربيين وأعداء الإسلام من أن الإسلام انتشر بحد السيف، الغريب أن الجيوش الإسلامية لم تعبر جنوب الصحراء الكبرى، فكيف انتشر الإسلام بالسيف بين الأفارقة؟
يقول المنصفون من المؤرخين، «بالإسلام يبدأ العصر التاريخي لإفريقيا السوداء»، بدخول الإسلام في دولة كانم، يبدأ تاريخ أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
كان وجود «البرنو» في السودان طبيعيا، إذ دخلوه قبل الإسلام حينما استقرت قبائلهم في كوش، مع القبائل التي كانت موجودة، بعدما غزا «أكسوم» المنطقة نزحوا غربا فاستقروا حول بحيرة تشاد وأقاموا دولتهم هناك، بعدما تمكنوا من السيطرة علي منطقة السودان الأوسط بأكملها، فامتدت دولتهم في بعض الأحيان من النيجر غربا حتي النيل شرقا، من فزان شمالا، حتي الادماوا جنوبا، لذلك تعد من أكبر الدول الأفريقية مساحة، بل كانت أطولها عمرا، إذ استمرت لأكثر من ألف عام.
يقول المقريزي، «واعلم أن على ضفة النيل أيضاً الكانم وملكها مسلم، وقاعدة ملكه بلدة اسمها «جيمي» وأول مملكته من جهة مصر بلدة اسمها «زالا» وآخرها بلدة يقال لها «كاكا» وبينهما ثلاثة أشهر».
لهذا تعد كانم أقوى وأكبر دولة، في وسط إفريقيا حظيت بمكانة خاصة، بسبب موقعها الذي كان ملتقى عدة طرق، كما تأثرت بالحضارة المصرية، كما أثرت فيها الهجرات العربية، التي كان لها أكبر الأثر في المد الإسلامي في المنطقة.
اختلف الباحثون في تحديد نشأة مملكة «كانم وبرنو»، فالبعض يرى أنها مرت بمرحلتين سياسيتين، الأولي عرفت فيها بدولة الكانم، بينما عرفت الثانية بدولة البرنو، لم يتغير شيء سوى اسم الدولة، لأن الحكام كانوا هم أنفسهم، لكنهم انتقلوا من شرقي بحيرة تشاد إلى غربيها، فسموا دولتهم بدولة البرنو.
كما اختلف الباحثون أيضا في أصول سكان كانم عند ظهورها كدولة، فمن يرى أن الحكومة الأولى التي قامت في إقليم كانم تنسب إلى قبائل الزغاوة، البعض يرى أن هذه المنطقة تقطنها قبائل حامية، قريبة الشبه بقبائل الطوارق، البربر، الماجوميين، كما قيل إن الزغاوة أسلاف الماجوميين في حكم كانم، كانوا من نبلاء الطوارق.
كان الإسلام وصل إلى «كانم»، مبكرا عبر إقليم فزان الذي فتحه المسلمون بقيادة عقبة بن نافع، بعد فتح شمال إفريقية، إذ اتجه نحو الجنوب ووصل إلى واحة «كوار» شمال بحيرة تشاد، على مسافة بسيطة من كانم.
انتشر الإسلام في كانم علي مراحل ثم أخذ ينتشر سريعا، حتى أصبح دين الدولة الرسمي بعد إسلام ملكها «أومي جلمي»، فلما أعتنق وحاشيته الإسلام، حث رعاياه على إعتناقه، فدخلوه أفواجاً.
يقول ابن خلدون عن الإسلام في مملكة كانم، «ويليهم الكانم وهم خلق عظيم والإسلام غالب عليهم ومدينتهم جيمي».
يقول القلقشندي عن ذلك أيضا، «بلاد الكانم وهم مسلمون والغالب على ألوانهم السواد، وسلطان هذه البلاد رجل مسلم،من بيت قديم في الإسلام».
قامت المملكة بدور كبير في نشر الإسلام في أفريقيا عامة ومنطقة السودان الغربي والأوسط خاصة، فانتشرت الثقافة الاسلامية بين السكان من خلال المدارس والمساجد، كما بسطت الشوري والعدل بين رعاياها، اتخذت الشرع الإسلامي منهاجا في نظمها السياسية والحضارية.
كانت الدولة الكانمية الناشئة تشجع العلم وتطلب العلماء، فاتخذ سلاطينها وأمراؤها من العلماء مربين لأبنائهم، كما أسندوا إليهم مناصب القضاء، الإمامة، التدريس، الدواوين، كما اهتموا بالبعثات العلمية فأرسلوا طلابهم إلى مصر التي ربطت بينها وبين سلاطين الكانم أواصر الود والمحبة.
ازدادت العلاقات بعد بناء مدرسة «كانمية» في الفسطاط بمصر، سميت «مدرسة ابن رشيق»، يقول عنها المقريزى، «مدرسة ابن رشيق، هذه المدرسة للمالكية وهى بخط حمام الريش من مدينة مصر، كان الكانم من طوائف التكرور ولما وصلوا إلى مصر في سنة بضع وأربعين وستمائة قاصدين الحج، دفعوا للقاضي علم الدين بن رشيق مالاً، وبناها به وكانوا يبعثون إليها في غالب السنين المال».
بينما يذكر القلقشندي، «أن أهل كانم بنوا مدرسة للمالكية ينزل بها وفودهم وتسمى هذه الدار برواق كانم، كان الطلاب في بادئ أمرهم يضمهم رواق واحد في الأزهر، حين كان عددهم محدوداً، فلما ارتفعت مكانة الأزهر وسار حديث الناس عن شهرة علمائه وسمعة خريجيه، كثر عدد الوافدين من بلاد الكانم، فنظم المسئولون لهم دارا لسكن الطلاب والحجاج، عرف برواق كانم، وقد ضم هذا الرواق العديد من طلاب وسط وغرب أفريقيا».
عاد طلاب كانم إلى بلادهم مزودين بالعلوم الشرعية، فحولوا مساجدهم إلى مدارس مماثلة لعلوم الأزهر ومدارسه التي تعلموا فيها، فنقلوا أساليب التعليم والمناهج العلمية، كما منحهم سلاطين كانم مكانة مرموقة في المجتمع، إذ أحاطوا أنفسهم بعدد من هؤلاء العلماء، يستشيرونهم ويكتبون رسائلهم.

You might also like