ديننا الحنيف والحض على التأمل والتفكير

0

د. عبدالله راشد السنيدي

خلق الله عز وجل هذا الكون الواسع من أجل عبادته وحده “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ(الآية (56 الذاريات).
وقد اختلف البشر منذ البداية في سبب وجود هذا الكون إلى درجة إلحاد بعضهم، والإيمان بوجود خالق عظيم من البعض الآخر، فأصحاب التوجه الإلحادي أرجعوا وجود الكون إما إلى المادة التي يتكون منها، وأنها أزلية لا بداية لها، أو إلى نظرية التطور وان الكون ينتقل من مرحلة إلى أخرى، إلى أن وصل إلى مرحلته الحالية، وهكذا يقولون وهو قول باطل كما سيتضح فيما بعد، أو إلى نظرية الأكوان المتعددة، أي أن ليس هناك كون واحد، بل أكوان عدة، بعضها قوي وكبير وبعضها صغير وضعيف، والكون الصغير والضعيف يعيش تحت مظلة الكون الكبير، وهو الأمر الذي أدى بالمولى عز وجل إلى إرسال الرسل والأنبياء لتصحيح مفهوم البشر عن الكون وخالقه وصرف العبادة له وحده دون سواه “رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا(الآية 165 النساء)، وقد أدى ذلك بالبشرية إلى نظرية أخرى، هي الأقرب للعقل والمنطق، كما أنها تتمشى مع ورد في الشرائع السماوية، وتتمثل في أن وجود كل كائن في هذا الكون مرتبط بعلة أو بعلل عدة تنتهي إلى الله عز وجل أي أن الكائن بما في ذلك الإنسان، ليس له دور في وجوده، وأن هناك فضاء بين وجود كل كائن بما فيه الإنسان، أو سبب وجوده، والدليل على ذلك قول الله سبحانه وتعالى” أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ”( الآية 35 الطور)، بخلاف الخالق العظيم جلت قدرته إذ يعتبر وجوده عين ذاته، أي أنه ليس في حاجة إلى من يوجده، بمعنى أن لافضاء أو خلاء بين وجوده وذاته، فهو صاحب الكمال المطلق والأبدية الأزلية التي ليس لها بداية أو نهاية، والدليل قولة تعالى” قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ( سورة الإخلاص)، والقول بغير ذلك سيؤدي للدوران في حلقة مفرغة من دون أي نتيجة.
لذلك فقد طولب الإنسان من الله عز وجل بالتأمل والتفكير في الكون، لكي يصل إلى الحقائق، وبالتالي الإخلاص لإلوهيته وعبادته، سبحانه وتعالى، عن قناعة، وليس بالتقليد، باعتبار أن الإنسان هو المخلوق على وجه الأرض الذي منح العقل للتمييز بين الحق والباطل والخير والشر، ولذا فقد كلف بحمل الأمانة التي اعتذرت عنها أكبر المخلوقات والتي هي وبقية المخلوقات مجبولة على عبادة الله بالفطرة.
وقد أثنى المولى عز وجل على من يسلك طريق التأمل والتفكير، وبالذات العلماء بسبب البراهين والحقائق التي تُوصِلُهم علومهم إليها “إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ(28 فاطر)، فكثير من العلماء والعباقرة قادتهم علومهم، سواء في مجال الطب أو الفيزياء أو الكيمياء أو الجيولوجيا إلى الإيمان بالله عز وجل، بسبب ما رأوه من الحقائق العلمية التي تتمشى مع ورد في القرآن الكريم، والذي لن يتسنى لغيرهم الوصول إليها، ففي مجال الطب يطلع الأطباء على دقائق خلق الإنسان، بما في ذلك عمل الدورة الدموية واعضاء الجسم الفاعلة، بما فيها القلب والكبد والدماغ، كما يطلعون على آلاف العضلات، وملايين كرات الدم، وذلك مصداقاً لقول الله عز وجل” وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ(21 الذاريات).
وفي مجال علوم الفلك أو الفضاء، أو الكون، أسلم بعض علماء الفضاء بعد أن علموا أن القرآن الكريم قد أورد الحقائق العلمية التي توصلوا إليها في العصر الحاضر ومنها: نظرية التوسع المستمر للكون، فقد إكتشف العلماء في هذا المجال أن الكون يتمدد ويتسع ولا يتقلص وهو اكتشاف ينسجم مع ما أورده الله عز وجل في كتابه الكريم في هذا الصدد” أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ”(الآية 30 الأنبياء)، ومنها ما توصل إليه كارنار، وهو أحد علماء وكالة “ناسا” بأن الأشعة الكونية في الغلاف الجوي للأرض تفوق كثيراً في قوتها وخطورتها الأشعة النووية، ولا يمكن اختراق الأشعة الكونية من قبل المركبات الفضائية، ولو قامت بذلك لتعرضت للاحتراق، إلا ان يمكن لهذه المركبات اختراق الغلاف الجوي من مدخل واحد، والذي أُكتِشَف اخيراً، وقد أسلم هذا العالم عندما تبين له أنه لم يأت بجديد من هذا الاكتشاف لكونه موجود في القرآن الكريم منذ ما يزيد عن 1400سنة في قول الله تعالى”وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ، لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ” (الآية 14 ، 15الحجر).
إذاً فالتفكر في آيات الله الكونية أمر مطلوب، وهو يصل إلى درجة العبادة لأن مثل هذا الفكر يزيد من الإيمان ويقويه، ويجعل الإنسان يؤمن بالقناعة، وليس بمجرد التقليد.
كاتب سعودي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

14 + 6 =