روائية جزائرية تريد أن تكتب ما تؤمن به لكي يستمر من بعدها

ديهية لويز: الأدب وحده قادر على التخفيف من فظاعة الواقع روائية جزائرية تريد أن تكتب ما تؤمن به لكي يستمر من بعدها

النقد في الجزائر لا يرافق الإنتاج الأدبي ومتأخر عن مواكبة كل ما هو إبداع

القاهرة – السيد حسين:

تؤكد الروائية الجزائرية ديهية لويز أن اللغة الأمازيغية ستكون أحسن في السنوات المقبلة. هذه اللغة العريقة التي تحدث الزمن, لكنها كانت شفوية فقط, وهي الآن حديثة بحكم أنها لم تكتب سوى في السنوات الأخيرة. لذلك فإن الطريق لايزال طويلا لترقيتها وتطويرها. وهي لغة وطنية فقط “في الجزائر”, بانتظار أن تكون رسمية, وترى أن الأدب وحده القادر على طرح مواضيع حساسة بسلاسة وهدوء تخفف من فظاعة الواقع ويفتح الأبواب على السؤال والشك وإعادة النظر فيما يسمى بالتابوهات, معها كان هذا الحوار:
* كيف ترين المشهد الثقافي والأدبي الجزائري?
* ليس من السهل تقييم الساحة الثقافية والأدبية بشكل عام. لا أخفي أن هناك من النقائص الشيء الكثير, لكنني متفائلة بفضل الجهود الفردية والجماعية التي تسعى إلى ترقية الثقافة الجزائرية والأدب الراقي والهادف. غياب إرادة الدولة في إقامة سياسة ثقافية جادة, لا يعني أن الثقافة في أزمة, هناك إصدارات وحركية ثقافية, حتى وإن كانت بسيطة بسبب ضعف الإمكانات, لكن تظل فاعلة وناشطة.
* حدثينا عن روايتيك “جسد يسكنني” و”سأقذف نفسي أمامك”?
* “جسد يسكنني” صادرة في 2012, وهي رواية اجتماعية تعرج على وضعية المرأة في المجتمع الجزائري, كما تناولت علاقة الأم بابنها, كيف تعيش المرأة الأمومة في مختلف مراحلها. أما “سأقذف نفسي أمامك” فهي تعالج الأحداث الأليمة التي عاشتها منطقة القبائل في 2001.
* رواية جريئة جداً وتتطرق لمنتهكات القيم الأخلاقية وزنا المحارم مثل قصة “مريم”, هل ذلك للفت الانتباه لكتاباتك?
* الرواية تتناول أحداث منطقة القبائل بما أصبح يسمى بالربيع الأسود, وهي مستمدة من الواقع. أما بالنسبة لموضوع زنا المحارم فلم يكن هو الهدف من الرواية, وأصلا لا أستطيع القول أني كتبت عن هذا لأن نهاية الرواية توضح تماما أن الأمر ليس كذلك. لا يهمني أن ألفت الانتباه إلى كتاباتي بقدر ما يهمني أن أكتب ما أؤمن به وما أعتقد أنه مهم كفاية ليستمر من بعدي.

ذاكرة مفعمة بالألم

* تداخلت الأزمنة في هذه الرواية, كيف انتقلت من أزمنة بعيدة وأخرى قريبة بهذه الرشاقة من دون أن يدخل القارئ في متاهات?
* أتصور أن استرجاع الذاكرة, أو الماضي, واستحضارها في وقت معين من حياة الإنسان يشكل ضرورة لابد منها ليتمكن من التصالح معها والتعايش مع ثقلها, خاصة إن كانت ذاكرة مفعمة بالألم. في هذه الرواية حاولت المزج بين الماضي والحاضر والعودة إلى الذاكرة لمحاولة الشفاء منها, لكن مع الوقت نكتشف أننا لا نشفي منها لا نفعل سوى التصالح معها. هذه التقنية تشوق القارئ أكثر وتعطيه متعة القراءة.
* ماذا عن مجموعتك القصصية باللغة الإمازيغية المشتركة مع كتاب من المغرب وليبيا والجزائر?
* إنها مبادرة مميزة جمعت عددا من الكتاب بالأمازيغية من المغرب, الجزائر وليبيا. شاركت بقصة قصيرة عن موضوع الطلاق, ووضعية المرأة المطلقة في مجتمعاتنا. كانت تجربة جميلة في كتابة القصة التي تتطلب تقنيات خاصة مختلفة عن الرواية.
* كيف تقيمين الحركة الأدبية الأمازيغية?
* بطبيعتي شخصية متفائلة, أقول إن الوضع سيكون أحسن في السنوات المقبلة. الأمازيغية لغة قديمة وعريقة تحدت الزمن, لكنها كانت شفوية فقط, وهي الآن حديثة بحكم أنها لم تكتب سوى في السنوات الأخيرة. لذلك فإن الطريق لا يزال طويلا لترقيتها وتطويرها.
* ما مشكلات الكتابة الأمازيغية? ولماذا لا تحظى بالاهتمام?
* الكتابات بهذه اللغة حديثة العهد, كما وهي لغة وطنية فقط في الجزائر, بانتظار أن تكون رسمية, وذلك لا يعطي لها الصلاحيات والإمكانات لفرضها على الساحة الثقافية والأدبية في الجزائر. العربية أيضا إلى وقت ليس ببعيد لم تكن تحظى بأي اهتمام, لكن الدولة سخرت لها كل الوسائل حتى أصبحت ما هي عليه اليوم.
* قلت إنك تكتبين رواية حالياً باللغة الأمازيغية, ألا تتخوفين من تعرضها للإقصاء?
* الرواية سترى النور قريباً, تمكنت من إنهائها بعدما أخذت مني الكثير من الجهد, مثل كل رواياتي التي أشعر أنني أنجبها. أكتب لأنني أؤمن بالكتابة كما أؤمن بلغتي وهويتي, يمكن ألا تنال هذه الرواية نجاحا باهرا لقلة المقروئية بهذه اللغة, لكنني أعتقد أن الكتابة وحدها تبقى لتضمن استمرارية هذه اللغة الجميلة, وربما في وقت لاحق ستلقي الرواج الذي تستحقه.
* أين أنت من القصة القصيرة حالياً?
* كتابة الرواية تستهويني أكثر, تشعرني بالحرية في صنع الشخصيات والأحداث وتسمح لي بالولوج إلى عمق المواضيع التي تعالجها. بالنسبة للقصة, أشعر فيها بأنني مقيدة جدا بحكم طبيعة القصة التي يجدر أن تكون قصيرة, وذلك يقلقني كثيرا. أعتقد بصدق أنني لا أصلح سوى لكتابة الرواية.
* أيهما الأكثر ازدهارا وتأصيلاً في الجزائر الشعر أم القصة أم الرواية, وأي منها الأقرب للمزاج الجزائري?
* الاصالة للرواية, وللعلم فإن الرواية الأولى المكتوبة في العالم هي للكاتب الجزائري “أبوليوس”, لكن الشعر والقصة حظيا برواج أكبر في فترة معينة, وفي السنوات الأخيرة عادت الرواية طاغية على الساحة الأدبية. أعتقد أن الجزائري الآن يبحث عن قراءة واقعه بشكل أدبي أجمل ليتمكن من التعايش معه, أو ربما يهرب من هذا الواقع إلى الأدب والعوالم الروائية.

قيود

* هل ترين أن الحريات العربية مازالت تعاني القيود؟
* في مجال الأدب, أعتقد أن القيود موجودة بشكل أقل. لكن بشكل عام الحرية الفردية في المجتمعات العربية خاضعة لقيود كثيرة, تسود عليها ما يفرضه المجتمع والرأي العام. لكن طبعا يبقي هناك نضال مستمر من أجل انتزاع كل الحريات, بجهود فردية أو جماعية, وهذا يبعث على الأمل.
* هل كتاباتك موجهة للمرأة تحديدا؟
* ليست موجهة للمرأة بطبيعة الحال, أتحدث عن المرأة والوطن والمجتمع, بحكم أنني امرأة تعيش في وطن ومجتمع تتأثر بهذه العوامل وتحاول أن تؤثر في غيرها عبر كتاباتها. لكن لا أعتبر أنني أكتب للمرأة تحديدا, بل للقارئ المتعطش لاكتشاف الآخر أو حتى نفسه بشكل مختلف.
* ما أكثر القضايا الاجتماعية التي تجدين ضالتك فيها؟
* أعيش في مجتمع مليء بالتناقضات, لأنه في طريقه إلى التطور بخطى بطيئة جدا, هذا ما يميز المجتمع الجزائري الذي أستمد منه كل يوم مواضيع كتاباتي, مثل الطلاق, الاغتصاب, الزواج بالقوة, الهيمنة الرجالية, القضية الأمازيغية, وضعية المرأة, الخ.
* عملت في كتاباتك على كشف المحظور والخوض في أخطر التابوهات والحياة الاجتماعية, لماذا?
* الأدب وحده القادر على طرح مواضيع حساسة بسلاسة وهدوء تخفف من فظاعة الواقع وفتح الأبواب على السؤال والشك وإعادة النظر فيما يسمى بالتابوهات, أو حتى المسلمات. رغم أنني لا أكتب عن أخطر التابوهات, أكتب فقط الواقع بجمالية الأدب.
* ما رأيك بالجوائز الأدبية, هل تشكل دليلا على إبداعية المنتج الأدبي؟
* لا أؤمن بأن الجائزة تضيف أو تنقص من شرعية الكاتب شيئا, لكنها مهمة من وجهة نظر إعلامية وتسويقية لأعمال الكاتب, وأنها تشجع على الإنتاج للترشح للجائزة. لكن أن تكون معيارا لكاتب جيد أو سيئ, فلا أعتقد ذلك.
* الى أي مدى تحرصين على وجود الذاكرة في كتاباتك؟
* التاريخ يكرر نفسه بشكل أو بآخر, لذلك فإن الذاكرة جزء مهم من الكتابة, لأنها نقطة الانطلاق ونقطة الرجوع. بالنسبة لي أكتب انطلاقا من الذاكرة, انطلاقا من ترسيخ فكرة أن الكتابة وحدها ستبقى لأجيال قادمة, وحدها الكتابة تتجاوز الزمن والموت, لكن حتى لا تموت الكتابات فلابد أن تحتوي على شيء خالد يستمر بعد صاحبها.
* هل لعنصر التشويق أهمية كبيرة في كتاباتك؟
* لطالما كانت تجذبني الروايات المبنية على حبكة متقنة, فلا يرغب القارئ في ترك الكتاب حتى يصل إلى النهاية, وان وصل سيستمر في طرح الأسئلة وكأن الرواية أصبحت جزءا من مكوناته الفكرية. هذه هي الفكرة التي أحاول تجسيدها في رواياتي, أن يشعر القارئ أنه في حبكة معقدة كلما تصور أنه فهم كل شيء, أدهشته الصفحة الموالية.
* ما الذي يميز الكاتب, التعبيرات اللغوية أم أسلوبه أم واقعيته؟
* الأسلوب جزء مهم جدا من شخصية الكاتب, أتصور أنه الأهم. لأن, كاتب الرواية بد أن يشهي القارئ في كتابه, أن يجذبه حتى لا يمل ويترك الكتاب جانبا. لابد من كتابة الواقع بشكل أدبي مغري, بانتقاء تعبيرات لغوية مميزة تضفي شيئا من الجمالية إلى العمل الروائي.
* ما تأثير الثقافة الفرانكوفونية على الأدب والثقافة الجزائرية?
* فرنسا مكثت في الجزائر أكثر من قرن, والثقافة الفرانكوفونية حاضرة وليس من السهل التحرر منها في غضون بضع سنوات. الأدب المكتوب بالفرنسية في الجزائر يشكل الجزء الأهم من الأدب الجزائري, ومعظم الكتاب الجزائريين الكبار كتبوا بالفرنسية, مثل آسيا جبار, كاتب ياسين, مولود معمري, وآخرون.
* هل من تجارب نقدية رافقت تجربتك الأدبية والبعض يرى أن النقاد يجاملون كتابات المرأة فقط لكونها امرأة, ولا يقيمون منجزها الأدبي بموضوعية?
* أعترف أن النقد في الجزائر لا يرافق الإنتاج الأدبي, لطالما تأخر كثيرا عن مواكبة كل ما هو إبداع جديد أو قديم. بالنسبة لي, هناك بعض الصحافيين والجامعيين الذين كرسوا مقالات عن رواياتي, وليست بالضرورة مجاملات بقدر ما هي قراءات واستنتاجات فتحت لي المجال لأكتشف هفواتي, وأتجنبها في أعمالي المقبلة.
* ما جديدك?
* كما أكدت سابقا, روايتي باللغة الأمازيغية ستصدر قريباً, وهناك مشاريع أعمال أخرى قيد الكتابة باللغتين الأمازيغية والعربية, تحتاج إلى الكثير من الوقت لتكتمل وتولد مني, لتصبح بعدها جاهزة للتقديم للقارئ.