محبرة وقلم

«ذل الهوى» يا من هواه أعزّه وأذلني… كيف السبيل الى وصالك دلّني محبرة وقلم

مشعل عثمان السعيد

الذّل في مفهومه العام: سرعة الانقياد والخضوع، ويأتي الذل ايضا بمعنى المهانة والضعف والهوان وعندما نقول: عاش في ذل، فالمقصود مهانة العيش، واذلال الرجل: ارذاله.
هذا ما نعرفه اما ذل الهوى، ومذلته، فهو ذل من نوع اخر معناه انقياد الى من تحب رغما عن انفك بلا اعتراض حتى انك لا تنطق ببنت شفة ذل الهوى جاء في قصيدة مشهورة قليل جدا من الناس يعرف صاحب هذه القصيدة خصوصا البيت الذي يقول:
“يامن هواه اعزه واذلّني
كيف السبيل الى وصالك دلّني”
هذا البيت نال قسطاً وافرا من الشهرة عند ابناء الخليج العربي بخاصة وسبب ذلك غناء فنان البحرين الاول له الشيخ محمد بن فارس الخليفة، ثم غناه ضاحي بن وليد، ثم اشتهر بعد ذلك اكثر لما غناه الراحل عوض دوخي، وهو ايضا مشهور في اليمن والجزيرة العربية ثم تخطى هذه المنطقة الى الافق العربي الكبير وحتى بلاد المغرب، ومما لا يعرفه الناس ان هذا الصوت غناه ابو الاصوات الكويتية عبدالله الفرج المعسري قبل محمد بن فارس وليس هذا موضوع البحث، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: من هو صاحب هذا البيت، الشهير؟ اليس من الاجدر ان نعرف قائله قبل ان نعرف من غنى هذا البيت اذ لا شك انه لم يظهر الا من قلب شاعر محب مدنف ذله الهوى واذله وحرم دمه وأحله، بيت قلب مكلوم وفكر مهموم والحقيقة ان من اجمل قصائد الغزل ما قالته السلاطين والملوك والامراء، أليس يقال ان الشعر بدأ بملك وانتهى بملك، بدأ بامرئ القيس وانتهى بأبي فراس الحمداني؟
صاحب هذا البيت هو السلطان العماني الامام سعيد بن الامام احمد بن سعيد البوسعيدي سلطان عمان وما تبعها من ولايات كثيرة، رحمه الله تعالى، وهو جد سلاطين سلطنة عمان وترجع اصول هذه الاسرة الكريمة الفاضلة الى وصفة سدير في اقليم نجد، وقد هاجروا منها عام 1774ميلادية اما والد الامام سعيد هو ثاني سلاطين عمان، كما انه الجد الاكبر لجلالة السلطان قابوس بن سعيد وله ترجمة وافية في كتاب سيدة اهل عمان المؤرخ حميد بن محمد بن رزيق واصل القصيدة بلا تحريف كالتالي:
“يامن هواه اعزه واذلني
كيف السبيل الى وصالك دلني
وتركتني حيران صبا هائما
ارعى النجوم وانت في عيش هني
عاهدتني ان لا تميل مع الهوى
أين الزمان واين ماعاهدتني
واصلتني حتى ملكت حشاشتي
وجعت من بعد الوصال هجرتني
جار الزمن وانت ما واصلتني
يا باخلا بالوصل انت قتلتني
لما ملكت قياد اسري بالهوى
وعلمت اني عاشق لك خنتني
ولاقعدن على الطريق واشتكي
في زي مظلوم وانت ظلمتني
ولأشكينك عند سلطان الهوى
يبليك ربي مثل ما عذبتني”
وربما كانت الابيات اكثر مما ذكرته ولا شك ان سلطان الهوى لا يفرق بين كائن واخر، الا ترى هارون الرشيد وقد ملك الدنيا بأسرها يقول:
“ملك الثلاث الانسات عناني
وحللن من قلبي بكل مكان
مالي تطاوعني البرية كلها
واطيعهن وهن في عصياني
ما ذاك الا ان سلطان الهوى
وبه قوين عزه من سلطاني”
وهذا بشار بن برد وهو الضرير لم يرحمه سلطان الهوى وذله حتى قال متوسلا:
“لم يطل ليلي ولكن لم انم
ونفى عني الكرى طيف الم
روحي ياعبد عني واعلمي
انني ياعبد من لحم ودم
فاذا قلت لها جودي لنا
خرجت بالصمت عن لا ونعم
ان في البرد جسما ناحلا
لو توكأت عليه لا نهدم”.
روي ان عبدالملك بن قريب الاصمعي مر في صحراء حجر مكتوب عليها:
“ايا معشر العشاق بالله خبروا
اذا حل عشق بالفتى كيف يصنع؟”
فكتب الاصمعي تحته:
“يداري هواه ثم يكتم سره
ويخضع في كل الأمور ويخشع”
فذهب الاصمعي ثم عاد فوجد تحت بيته مكتوب:
“وكيف يداري والهوى قاتل الفتى
وفي كل يوم قلبه يتقطع؟”
فكتب الاصمعي جواب البيت:
“ان لم يجد صبرا كتمان سره
فليس شيئا سوى الموت ينفع”
ثم ذهب الاصمعي وعاد من الغد الى المكان نفسه فإذا فتى ميت مصفر وجهه بالتراب وقد كتب:
“سمعنا اطعنا ثم متنا فبلغوا
سلامي الى من كان للوصل يمنع
هنيئا لارباب النعيم نعيمهم
للعاشق المسكين ما يتجرع”.

دمتم سالمين

كاتب كويتي

Print Friendly