ذهب الذين يُعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب محبرة وقلم

0 6

مشعل عثمان السعيد

كل زمان يأتي يكون الذي قبله أفضل منه. تأمل وانظر وفكر تجدها حقيقة لا جدال فيها، فأيام آبائنا أفضل من أيامنا وستكون أيامنا أجمل من أيام أبنائنا. نتذكر أيام الماضي ونذرف الدموع عليها ونقول: الماضي الجميل لجمال ناسه، وإذا عمّر الإنسان ومات أقرانه ظل يتذكرهم حتى يلحق بهم، يبكي عليهم لأنهم أفضل بكثير من الذين عاش بينهم بعد أن فارقوه، روى الزبير بن عدي قال : أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج بن يوسف، فقال: اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم. وذكر الزهري عن عروة بن الزبير أن خالته أم المؤمنين كانت تتمثل بقول لبيد بن ربيعة:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم
وبقيت في خلف كجلد الأجرب
ثم تقول له: رحم الله لبيداً كيف لو أدرك زماننا هذا؟ قال الزهري: رحم الله عروة كيف لو أدرك زماننا هذا؟ هذا البيت ضمن أبيات رثاء قالها لبيد في أخيه لأمه «أربد» بن قيس العامري يقول فيها:
طرب الفؤاد وليته لم يطرب
وعناه ذكرى خلّة لم تصقب
سفها ولو أني أطعت عواذلي
فيما يشرن به بسفح المذنب
لزجرت قلبا لا يريع لزاجر
إن الغوي إذا نهى لم يعتب
فتعز عن هذا وقل في غيره
واذكر شمائل من أخيك المنجب
يا أربد الخير الكريم جدوده
أفردتني أمشي بقرن أعضب
إن الرزية لا رزية مثلها
فقدان كل أخ كضوء الكوكب
ذهب الذين يُعاش في أكنافهم
وبقيت في خلف كجلد الأجرب
لا ينفعون ولا يرجى خيرهم
ويعاب قائلهم وإن لم يشغب
ولبيد من كبار شعراء العربية وأحد أصحاب المعلقات، عاصر الجاهلية والإسلام، وهو من عامر بن صعصعة، صحابي رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعد من الفرسان الأشراف، ومن أهل عالية نجد، وأول حادثة عرف بها هجاؤه للربيع بن زياد العبسي أمام النعمان بن المنذر. وفد لبيد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وهاجر وحسن إسلامه، ثم نزل الكوفة في خلافة عمر بن الخطاب، فأقام بها حتى مات آخر خلافة معاوية بن أبي سفيان، فكان عمره مئة وخمسا وأربعين سنة منها تسعون سنة في الجاهلية، وهو القائل يحمد الله على إسلامه:
الحمد لله إذ لم يأتني أجلي
حتى لبست من الإسلام سربالا
سأله المغيرة بن شعبة وهو أمير الكوفة أن ينشده من شعره في الإسلام، فكتب له سورة البقرة وقال له: أبدلني الله هذه في الإسلام مكان الشعر، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فزاد عطاء لبيد 500 درهم.
وكان النبي عليه الصلاة والسلام يعجبه قول لبيد «ألا كل شيء ما خلا الله باطل» نظر النابغة الذبياني للبيد وهو صبي، فسأل عنه فنسب إليه، فقال له: يا غلام، إن عينيك لعينا شاعر!، أفتقرض الشعر؟ قال لبيد: نعم يا عم، فقال: فانشدني شيئاً مما قلته. فأنشده قوله: ألم تربع على الدمن الخوالي فقال له: يا غلام، أنت أشعر بني عامر، زدني يا بني، فأنشده: طلل لخولة بالرسيس قديم فضرب بيديه إلى جنبيه وقال: اذهب، فأنت أشعر قيس كلها، لما بلغ لبيد من العمر سبعين عاماً قال:
كأني وقد جاوزت سبعين حجة
خلعت لها عن منكبي ردائيا
ثم عاش حتى بلغ سبعاً وسبعين فقال:
أمست تشكّي إلي النفس مجهشة
وقد حملتك سبعا بعد سبعينا
فإن تزادي ثلاثا تبلغي أملا
إن الثلاث توفين الثمانينا
فعاش حتى بلغ تسعين سنة فقال:
أليس ورائي إن تراخت منيتي
لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
أخبر أخبار القرون التي خلت
أدب كأني كلما قمت راكع
ثم عاش حتى بلغ مائة سنة وعشر سنين فقال:
أليس في مائة قد عاشها رجل
وفي تكامل عشر بعدها عمر
ثم عمر حتى بلغ عشرين ومائة سنة فقال:
ولقد سئمت من الحياة وطولها
وسؤل هذا الناس كيف لبيد؟
أما موت أربد ،أخي لبيد لأمه الذي رثاه فله قصة عجيبة، فقد تآمر عامر بن الطفيل وأربد بن قيس على الغدر بالنبي عليه الصلاة والسلام وقتله، وقال عامر لأربد: إذا أقبلنا على الرجل، فإني شاغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فاعله أنت بالسيف، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عامر: يا محمد، خالني، قال: لا والله، حتى تؤمن بالله وحده، قال: يا محمد خالني، وجعل يكلمه وينتظر من أربد ما كان أمره، وأربد لا يحير شيئاً «لا يستطيع أن يفعل شيئاً» فلما أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال متوعداً: أما والله لأملأنها عليك خيلا حمرا، ورجالا سمرا، فدعا عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث الله تعالى على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه فقتله وهو في طريق عودته، وأما أربد فأرسل الله عليه صاعقة احرقته هو وجمله، ومن جميل مراثي لبيد قوله:
بلينا وما تبلى النجوم الطوالع
وتبقى الجبال بعدنا والمصانع
وقد كنت في أكناف جار مضنة
ففارقني جار بأربد نافع
فلا جزع أن فرق الدهر بيننا
وكل فتى يوماً به الدهر فاجع
فلا أنا يأتيني طريف بفرحة
ولا أنا مما أحدث الدهر جازع
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه
يحور رمادا بعد إذ هو ساطع
وما البر إلا مضمرات من التقى
وما المال إلا معمرات ودائع
وما المال والأهلون إلا ودائع
ولابد يوماً أن ترد الودائع
مر لبيد بالكوفة على مجلس بني نهد، وهو يتوكأ على محجن له، فبعثوا له رجلاً يسأله عن أشعر العرب، فسأله الرجل فقال: أشعر العرب الملك الضليل ذو القروح، فرجع فأخبرهم بما قال، فقالوا: هذا امرؤ القيس، ثم رجع إلى لبيد وسأله: ثم من؟ فقال: الغلام المقتول من بني بكر، فرجع فأخبرهم، فقالوا: هذا طرفة بن العبد، ثم رجع فسأله: ثم من؟ قال: صاحب المحجن، يعني نفسه، روي أن الفرزدق مر بقوم فإذا رجل ينشد قول لبيد:
وجلا السيول عن الطلول كأنها
زبر تجد متونها أقلامها
فسجد عند سماع هذا البيت، فقيل له: ما هذا يا أبا فراس؟ قال: سجدة الشعر.
جف القلم ونشفت المحبرة، وفي أمان الله.

كاتب كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.