رأيت الناس قد مالوا… إلى مَنْ عنده مالُ محبرة وقلم

0 18

مشعل عثمان السعيد

المال وسيلة لا غاية، إلا أن الناس جبلوا على حبه حبا جما، كما أن البعض أصبح يقيم الرجل بما يملك، نحن نعلم أن المال ضرورة قصوى ولكنه ليس كل شيء، إذا ملكت الملايين وفقدت صحتك، ما يغني عنك مالك، أوليس الغنى غنى النفس؟ أوليس الغني بأخلاقه ودينه؟ يقول الله تعالى{المال والبنون زينة الحياة الدنيا، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا} سورة الكهف 46، لو تأملت هذه الآية لعلمت أن الباقيات الصالحات خير من المال والبنين، والباقيات أعمالك الصالحة الصلوات الخمس والتقديس والتسبيح والتهليل والعمل بطاعة الله تعالى، فهل يدفع المال الأجل؟ هل يدفن المال مع صاحبه إذا مات؟ “لابو كثير ملك ولابو قليل هلك” ومع ذلك فالمرء لا يشبع من المال “وتأكلون التراث اكلا لما، وتحبون المال حبا جما” سورة الفجر 19-20، ولأهمية المال القصوى عند الناس قال الشعراء في المال مالم يقله مالك في الخمر، هذا أبو الصعاليك: عروة بن الورد العبسي يقول لزوجته:
ذريني للغنى أسعى فإني
رأيت الناس شرهم الفقير
وأّهونهم وأحقرهم عليهم
وإن أمسى له حسب وخير
وسأل معاوية بن ابي سفيان أحد المعمرين وهو أسلم بن يزيد الفهمي عن الناس فقال:
رأيت الناس مذ خلقوا وكانوا
يحبون الغني من الرجال
وإن كان الغني أقل خير
بخيل بالقليل من النوال
لا يأس بالمال إذا أعطى صاحبه حق هذا المال، أما إن كان موسرا بخيلا أفقره الله، ولعل قصة قارون ماثلة بين اذهاننا، لم يملك احد مثلما ملك قارون حتى إن مفاتيح أمواله، لتنوء بالعصبة أولى القوة من الرجال، وخسف الله به وبأمواله.
الإمام محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه، وصف حب الناس للمال وصفا دقيقا وأن الناس تميل إلى من عنده مال، وتذهب إلى من يملك الذهب، وتهرول هرولة إلى صاحب الفضة ويقول:
رأيت الناس قد مالوا
إلى من عنده مال
ومن لا عنده مال
فعنه الناس قد مالوا
رأيت الناس منفضة
إلى من عنده فضة
ومن لا عنده فضة
فعنه الناس منفضة
رأيت الناس قد ذهبوا
إلى من عنده ذهب
ومن لا عنده ذهب
فعنه الناس قد ذهبوا
كل ما قاله الإمام الشافعي صحيح، فالناس تتبع المال كما يتبع الطفل أمه، أفلا يتذكر هؤلاء قول الله تعالى وهو يصف صاحب السلطة والمال يوم القيامة حيث يقول “ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانيه” سورة الحاقة 28-29، وقد ورد ذكر ابي الصعاليك فأحببت أن أذكر بعض الشيء عنه لزيادة الفائدة
كما عودتكم، هو عروة بن الورد بن زيد العبسي المشهور بعروة الصعاليك، والصعلوك في اللغة الفقير المعدم الذي لا يملك شيئاً، وإذا قيل: تصعلك الرجل، افتقر، وكان عروة أميرا للصعاليك يقوم بأمرهم ومن أشهر الصعاليك أيضا: السليك بن سلكة السعدي، وتأبط شرا وهو لقب عرف به واسمه ثابت بن جابر الفهمي، والشنفرى الأزدي واسمه ثابت بن أواس، أما عروة بن الورد فقد توفي قبل الهجرة بـ 15 سنة، وهو من الشعراء الفرسان المعدودين ومن الأجواد، وكان معاشه من الغارات التي كان يشنها ورفاقه على أحياء العرب، وقد سأل عمر بن الخطاب الحطيئة الشاعر: كيف كانت حروب عبس؟ فقال: كنا نأتم بشعر عروة. وقال عبدالملك بن مروان يوما لجلسائه: من قال إن حاتما أسمح الناس، فقد ظلم عروة بن الورد، وأشهر قصائد عروة بن الورد “سقوني الخمر ثم تكنفوني” التي يقول في بعض أبياتها:
سقوني الخمر ثم تكنفوني
عداة الله من كذب وزور
وقالوا: لست بعد فداء سلمى
بمفن مالديك ولا فقير
فلا والله لو ملكت امري
ومن لي بالتدبر في الأمور
اذاً لعصيتهم في حب سلمى
على ما كان من حسك الصدور
فيا للناس كيف غلبت أمري
على شيء ويكرهه ضميري
ويقول أيضاً:
سقى سلمى وأين ديار سلمى
إذا كانت مجاورة السرير
إذا حلت بأرض بني علي
محل الحي أسفل من نقير
وأحدث معهد من أم وهب
معرسنا بدار بني النضير
وكانت سلمى سبية لعروة فسقاه أهلها الخمر حتى سكر ففادوها منه بالمال وهو سكران فقبل بذلك، ثم ندم بعد ذلك أشد الندم، وقد أجليت سلمى المدينة المنورة مع يهود بني النضير لما أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الرابعة للهجرة، دمتم سالمين في امان الله.

كاتب كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.