ربعي المدهون: المثقفون الفلسطينيون بنوا دولة من الفن والإبداع روائي حقق انتشاراً كبيراً بعد فوزه بجائزة "بوكر" العربية

0 116

القاهرة – إيهاب محمود الحضري:

الروائي الفلسطيني ربعي المدهون من أبرز الأسماء الأدبية العربية التي حققت انتشارًا واسعاً، وتحديدًا منذ فوزه بجائزة البوكر العربية عام 2016 عن روايته “مصائر”. كما حضر المدهون في العام 2009 في القائمة القصيرة للجائزة بروايته “السيدة من تل أبيب”. يشتغل المدهون بالصحافة أيضًا، يرى أن للجوائز الأدبية ميزة كبيرة في خصوص الرواية، إذ دفعت بالرواية إلى الانتشار، صدر له كتاب جديد بعنوان “سوبر نميمة” يروي فيه الكثير من الوقائع حول فوزه بالبوكر، وحكايات المثقفين والكتاب والصحافيين في العالم العربي، وكأنها سيرة ذاتية، أو فصل في سيرته، التي يراها النوع الأدبي الأكثر حميمية بالنسبة للقارئ.عن “سوبر نميمة” والجوائز الأدبية، والكتابة، والرواية، والأدب الفلسطيني، كان معه هذا اللقاء
في كتابك الأخير “سوبر نميمة” تحكي قصة رواية “مصائر” وحكاياتها مع البوكر، والقارئ، والناقد، ولجان التحكيم. تسوق أيضًا، تفاصيل جانبية وحواديت خلف الكواليس، هل فكرت في كتابة سيرة روائية لك؟ هل تفكر في كتابة سيرتك الذاتية يومًا ما؟ ولماذا يندر هذا النوع من الكتابة في عالمنا العربي؟
ربما تكون السيرة الشكل الأدبي الأكثر قربا وحميمية للقارئ بين الأنواع الأخرى. فهي تنطوي على قدر كبير من نميمة بيضاء “بريئة”، وربما “تبريئية” للذات وما يدور حولها. بطلها مؤلف سارد قبِل طوعا أن ينمّ على نفسه، ويرفع الغطاء عما خفي من أسرار حياته وتجاربه الخاصة. يحررها ويتحرر منها ومعها، في عملية خلاص ذاتي مشتركة معلنة. وهذه مهمة صعبة في مجتمعات مغلقة أو شبه مغلقة كالمجتمعات العربية، حيث تعيق التابوات السياسية والاجتماعية والدينية والأخلاقية، البوح المفتوح، وتجعل من كتابة هذا النوع الأدبي، مغامرة لا يقدم عليها كثيرون، وإن فعلوا جاؤوا بسير “ناقصة”، أو “محافظة” بدرجة ما.
سيرتي الذاتية، أو الروائية، كتبتها أو الجزء الأول منها على الأقل في “طعم الفراق…ثلاثة أجيال فلسطينية في ذاكرة”، تناولت فيها الفترة منذ زواج والديّ في 1943 حتى نهاية سبعينات القرن الماضي، ما هو خاص في هذه التجربة وما هو فلسطيني عام.
أما تجربتي مع الكتابة، فيمكن العثور عليها في مؤلفاتي وحواراتي، وفي “سوبر نميمة” أيضا، كتابي الأخير الذي يبوح بما هو غير معهود في الأدب العربي. إذ يتجرأ على الذات (الأنا) والموضوع (الرواية، الآخر، الناقد، القارئ)، في تشابك العلاقات والخبرات والتجارب في مراحل زمنية محددة.

الأدب الفلسطيني
كيف تنظر للأدب الفلسطيني الآن؟ وما موقعه من المشهد العربي الثقافي؟
مر الأدب الفلسطيني بمراحل منذ بداية القرن الماضي، لكن الحديث عن رواية فلسطينية متميزة لم يبدأ إلا بعد ستينات القرن الماضي. وفي عقدي السبعينات والثمانينات شهدنا تداخل أجيال من الأدباء، وأنماط ومستويات من الكتابة الأدبية، التي تعايش فيها نتاج ثلاثة رواد جدد كبار، باتوا يمثلون أضلع الرواية الفلسطينية المعاصرة، وهم: جبرا إبراهيم جبرا، وغسان كنفاني، وإميل حبيبي، مع جيل من الروائيين، وكتاب القصة القصير، الذين برزوا في سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، وتركت ملامح تلك المرحلة تأثيراتها على انتاجهم. فغلب عليه الشعارات التي كانت تعبيرا مباشرا عن المسارات الكفاحية اليومية.
وهذا دور كان على كتاب تلك المرحلة (المقاومة) أداؤه في مسيرة التحرر الوطني ككل.
في السنوات العشر الأخيرة، بدأت الرواية الفلسطينية الخروج من ثيابها القديمة، والتخلص من تأثيرات تلك المرحلة، واتجهت بقوة نحو الجوهر الانساني في التعبير عن القضية الوطنية، وفي تناولها للمشكلات الاجتماعية والانسانية المختلفة، وارتقت بأشكال التعبير الفني الحداثي على مستوى القصة والرواية.
في كلمة الفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية، التي القيتها بعد إعلان النتيجة مساء 26 إبريل 2016، قلت إن الفلسطينيين بعد مرور ما يقرب من سبعين عاما على النكبة، وأكثر من خمسين عاما على ثورتهم المعاصرة، فشلوا في تحقيق أي من أهدافهم السياسية. لكن المثقفين الفلسطينيين، “بنوا دولة من الفن والابداع والثقافة.” والفوز الذي ذكرته في سؤالك، كان أبرز مظاهر هذا “الكيان” الثقافي، الذي احتل موقعه بجدارة في سياق الانتاج الأدبي العربي.
ما تأثيرظاهرة “الأكثر مبيعا “على الأدب العربي؟
لم تصل مبيعات الرواية العربية إلى مستوى تصنف فيه كـ”بست سيلر” بالمعنى الشائع في الغرب. إذ لا تتعدى مبيعات نسخ الرواية “الأكثر مبيعا”، بضعة آلاف. فأفضل الروايات التي ترشحها الجوائز العربية الكبرى (البوكر، وكتارا، وساويرس ومحفوظ) مثلا، لا تحقق سوى مبيعات متواضعة قياسا بمثيلاتها في الغرب. فهناك بيئة طبيعية للانتشار تقوم على علاقة مع الرواية تمتد عبر قرون، وعلى معدلات قراءة مرتفعة، ثمة استثناءات عربية بالطبع، لكنها محدودة جدا، يحقق بعضها مبيعات عالية نتيجة للترجمة للغات عدة. بمعطيات الراهن، لدينا روايات تبيع أكثر من غيرها لأسباب مختلفة.
ما الحسنة الأكبر للجوائز الأدبية ؟
أن دفعت بالرواية إلى الانتشار، وأوجدت جيلا جديدا من القراء. وساعدت على نشر نوادي القراءة التي باتت تلتهم الكتب الفائزة وتناقشها في لقاءات شهرية. كما صنعت تحديات جديدة أمام الكاتب، هي في مصلحة الرواية فعلا.
ما المرحلة الأصعب التي تواجهك في الكتابة؟ هل الجملة الأولى، أم مشهد الختام، أم ماذا؟
الطريق إلى الكتابة أصعب من الكتابة، خصوصا في المراحل الأولى لمعايشة الشخصيات التي تكون في طور التشكل، ورسم ملامح. لكل مرحلة من مراحل الكتابة “تضاريس” صعبة، ومنحنيات “خطرة”، ومناطق “سهلية” للتمشي السردي المريح. قد تبدأ بالجملة الأولى وتقودك إلى حيث تدري أو لا تدري. وقد يقتلك مفتتح لرواية يقود ما بعده في اتجاهات غير محسوبة. حين يتعبني المفتتح، أبحث في السرد عما يفتتحه ويستجيب لتفاصيله، ويصبح دالا عليه، وربما على مسار العمل كله. لا تشغلني النهاية، فهي مفتوحة على الاحتمالات، بل تشغلني الاحتمالات نفسها التي تمنح القارئ مساحة أوسع للمشاركة في اختيار النهاية التي تقنعه وتجعله سعيدا باختياره.
هل تحرص على الكتابة بانتظام؟
لا أبدا، ولا أستدعي الكتابة التي لم تستدعني أصلا. استجيب لها حين تفرض نفسها، وتقدم لي فرصة لأن أفتتح مجرى سرديا يتدفق بلا توقف. قد اكتب لساعات طويلة. أختار أحيانا، العزلة وأقيم علاقة سرية مع النص قد تستمر أسبوعا أو أثنين أو أكثر، أكتب خلالها يوميا ولساعات طويلة، إلى أن يطالبني السرد بالتوقف، ولا أعود إلا حين يستدعيني بقوة. أعاني من احتباسات، أحيانا، تتحول هي إلى شاغل. أعايشها ولا أعاندها، وأواصل البحث عن مفاتيح لمغاليقها. وحين تشرع أبوابها، أعود إلى الكتابة وقد استعدت رغبتي كاملة في المتابعة. أعود الى السباحة في النص. لا أكتب إن لم أحب ما كتبت.
هل ترى الكتابة حرفة؟
بمعنى الاحتراف كمهنة، نعم. فأنا، مثل كثيرين، أحترف الكتابة الصحافية مثلا. هي عمل، وظيفة تؤدى يوميا. هي مهنتي التي أعيش منها منذ اربعين عاما.
لها شروطها كشكل كتابي، وكسرد صحافي يخلق لغته الخاصة وله شروطه وتقنياته في التعامل مع كل من أشكاله: الخبر، التحقيق، الرأي والمقال…الخ.
لكن الكتابة في مجال الابداع الفني، حرفة أيضا وصنعة، تتيح لنا، في العمل الروائي، إمكانية خلق شخصيات متخيلة، وبناء سرد وأحداث متخيلة وكتابة حوار. فبها وعليها يقوم البناء الفني كله، وعلى مهاراتها المكتسبة وخبرات الروائي يتوقف مستوى ابداعه وتميزه عن حرف أخرى لا تفترض الشروط الابداعية نفسها، ولا تتطلب مهاراتها.
هل تمارس الكتابة على “اللاب توب “أم الورق أم تجمع بينهما؟
توقفت عن الكتابة اليدوية منذ نهاية التسعينات. استخدم “اللاب توب” للكتابة. لكني لا استغني عن الورق الذي يبقى ضروريا لتدوين الأفكار والعبارات والجمل الطارئة، التي تنقل في النهاية إلى نص على شاشة الكمبيوتر. والورق ليس بالضرورة دفاتر أو حتى صفحات بيضاء، فقد يكون ظهر مغلف رسالة، أو وصل شراء سلعة ما، أو اي شيء يمكن ائتمانه على فكرة او جملة أو نص قصير.
ماذا تكتب الآن؟ما فيها من عناصر تصلح لسرد جديد لم تتضح وجهته.
في نهاية روايتي “السيدة من تل أبيب” تركت أسئلة بلا إجابات، أجبت عن عدد منها في “مصائر”. وفي مصائر تركت سؤال جولي لزوجها وليد: هل يبيعان بيتهما في لندن ويعودان إلى فلسطين ويستقران هناك؟
ما زلت أقلب الاحتمالات بحثا عن إجابة، ربما تصبح نهاية للأسئلة جديدة.

غلاف”سوبر نميمة”
You might also like