رب اشرح لي صدري ويسرلي أمري أمثال إسلامية وعربية... أحداث ومواقف 19

0

إعداد – صبري زمزم:
الأمثال العربية كلمات خالدة عبر الزمان ، قيلت مرة في موقف داخل قصة أو حكاية لها أبطال وبطلات مشهورون أو مغمورون ، جرت على ألسنتهم فاستملحتها الأذواق، وربطت بينها وبين القصة الأصلية، وهي مورد المثل، ثم كرروها وأعادوها كلما استجد حدث يتشابه معها، وهو مضرب المثل، وبين المورد والمضرب عصور وأجيال تجتر الأمثال، فتعيد إلى الأذهان القصص الأصلية التي سُك فيها المثل كالعملة المتداولة من يد إلى يد ،ونحن هنا نحاول أن نشير إلى القصة الأصلية وراء كل مثل نذكره،بعضها من كتب الأدب وبعضها ورد في القرآن الكريم وبعضها في الحديث الشريف.

هناك من الآيات ما شاع استخدامها على الألسنة وجرت مجرى الأمثال في كل زمان ومكان وردت في القرآن في سياق معين ارتبط بها وعندما يحدث ما يشبه هذا السياق إذا بالناس ينطقون بها للتعبير عن لسان الحال الذي هو مضرب المثل الذي يتطابق مع لسان المقال الذي يسمى مورد المثل ،ومن ذلك قوله تعالى “قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري”ضمن قوله في سورة طه:” اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36)”
لقد كلف الله موسى بالذهاب إلى فرعون لدعوته إلى الله، وإنه ليعرف من هو فرعون:فقد ربي في قصره . وشهد طغيانه وجبروته . وشاهد ما يصبه على قومه من عذاب ونكال ، وهو في هذه اللحظة في حضرة ربه ، يحس الرضا والتكريم والحفاوة ، فليسأله كل ما يطمئنه على مواجهة هذه المهمة العسيرة ; ويكفل له الاستقامة على طريق الرسالة.
(قال:رب اشرح لي صدري . ويسر لي أمري . واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي . واجعل لي وزيرا من أهلي ، هارون أخي . اشدد به أزري ، وأشركه في أمري . كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا . إنك كنت بنا بصيرا). .
لقد طلب إلى ربه أن يشرح له صدره ، وانشراح الصدر يحول مشقة التكليف إلى متعة، ويحيل عناءه لذة ; ويجعله دافعا للحياة لا عبئا يثقل خطا الحياة ،وطلب إلى ربه أن ييسر له أمره ، وتيسير الله لعباده هو ضمان النجاح ، وإلا فماذا يملك الإنسان بدون هذا التيسير ؟ ماذا يملك وقواه محدودة وعلمه قاصر والطريق طويل وشائك ومجهول ؟!
وطلب إلى ربه أن يحل عقدة لسانه فيفقهوا قوله ، وقد روي أنه كانت بلسانه حبسة والأرجح أن هذا هو الذي عناه . ويؤيده ما ورد في سورة القصص من قوله: (وأخي هارون هو أفصح مني لسانا)، وقد دعا ربه في أول الأمر دعاء شاملا بشرح الصدر وتيسير الأمر . ثم أخذ يحدد ويفصل بعض ما يعينه على أمره وييسر له تمامه . وطلب أن يعينه الله بمعين من أهله . هارون أخيه . فهو يعلم عنه فصاحة اللسان وثبات الجنان وهدوء الأعصاب ، وكان موسى – عليه السلام – انفعاليا حاد الطبع سريع الانفعال، فطلب إلى ربه أن يعينه بأخيه يشد أزره ويقويه ويتروى معه في الأمر الجليل الذي هو مقدم عليه .
والأمر الجليل الذي هو مقدم عليه يحتاج إلى التسبيح الكثير والذكر الكثير والاتصال الكثير ، فموسى – عليه السلام – يطلب أن يشرح الله صدره وييسر له أمره ويحل عقدة من لسانه ويعينه بوزير من أهله ، كل أولئك لا ليواجه المهمة مباشرة ; ولكن ليتخذ ذلك كله مساعدا له ولأخيه على التسبيح الكثير والذكر الكثير والتلقي الكثير من السميع البصير ، (إنك كنت بنا بصيرا)، تعرف حالنا وتطلع على ضعفنا وقصورنا وتعلم حاجتنا إلى العون والتدبير .
لقد أطال موسى سؤله ، وبسط حاجته ، وكشف عن ضعفه ، وطلب العون والتيسير والاتصال الكثير . وربه يسمع له ، وهو ضعيف في حضرته ، ناداه وناجاه . فها هو ذا الكريم المنان لا يخجل ضيفه ، ولا يرد سائله ، ولا يبطئ عليه بالإجابة الكاملة:(قال:قد أوتيت سؤلك يا موسى)،
هكذا مرة واحدة ، في كلمة واحدة ، فيها إجمال يغني عن التفصيل ، وفيها إنجاز لا وعد ولا تأجيل ، كل ما سألته أعطيته ، أعطيته فعلا ، لم يقل تعطاه ولاستعطاه ؟ وفيها مع الإنجاز عطف وتكريم وإيناس بندائه باسمه: (يا موسى)وأي تكريم أكبر من أن يذكر الكبير المتعال اسم عبد من العباد ؟
وإلى هنا كفاية وفضل من التكريم والعطف والإيناس ، وقد طال التجلي ; وطال النجاء ; وأجيب السؤل وقضيت الحاجة ، ولكن فضل الله لا خازن له ، ورحمة الله لا ممسك لها . فهو يغمر عبده بمزيد من فضله وفيض من رضاه ، فيستبقيه في حضرته ، ويمد في نجائه ، ليزيده اطمئنانا وأنسا بموصول رحمته وقديم رعايته .
هذا وقد أصبحت العبارات القرآنية الخالدة “َ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي” دعاء مأثورا بلفظه ومعناه وكأنه مثل سائر يقوله الناس في المواضع المناسبة له ، عندما يشعرون بحاجتهم إلى عون الله في أمر يتطلب فصاحة اللسان وقوة الجنان ‘للتعبير عما يناسب المقام الذى هم مقبلون عليه ،كامتحان أو مناظرة أو خطبة أو مرافعة،أو فصل في نزاع أو ما شابه ذلك.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

5 × اثنان =