رحم الله أعز الرجال أوراق الخريف

0 95

د. احمد بن سالم باتميرا

بعد مسيرة حافلة بالعطاء امتدت لخمسة عقود، ودع العالم، المغفور له باذن الله تعالى، السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور ـ رحمه الله ـ بعد حياة مليئة بالإنجازات.
ترجل القائد والسلطان العظيم والاب الكريم، ولكن ستبقى مدرسته السلطانية ليتعلم منها الجميع في كل قضايا الحياة، ورغم جلل المصاب وفداحة الخطب، لا نقول إلا ما يرضي ربنا جل وعلا، فلله تعالى ما أخذ، ولله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى.
قامة سياسية وتاريخية تترجل، وتتألم برحيله قلوب الجميع في الداخل والخارج، فمواقفه التاريخية في خدمة شعبه ووطنه، وأمته حتى آخر يوم من حياته، رحل عنا ولكنه سيبقى في قلوب أبناء عمان الاوفياء الصغار والكبار، سيبقى خالدا وسراجا منيرا نقتدي به ونمشي على خطاه.
ونعاهد السلطان الراحل العظيم باننا سنصون الأمانة، ونحافظ على مكتسبات الوطن، وما بناه خلال 50 عاما من عمر النهضة المباركة على مختلف الأصعدة، إرث أصيل وتاريخ تليد، وسيرة ساطعة وناصعة البياض، لم يبطش ولم يغدر ولم يتلوث بالدماء، بل أسس دولة عصرية ودولة مؤسسات، واخرها تدشين متحف عمان لكل الازمان، ليبقى جامعا وشامخا ونبراسا للأجيال القادمة حتى قيام الساعة.
ما اعظمك من اب وقائد، رحلت والسماء تتلبد بالغيوم وتهطل الامطار في جوء شتائي، ليمر ذلك اليوم الحزين على الوطن، والعالم اجمع بسلاسة وهدوء في التشييع ونقل السلطة، فيا سيدي نم قرير العين في قبرك عند مليك مقتدر، فكل الوطن على قلب ونبض واحد، من مسندم الى ظفار يلهجون بالدعاء والصلاة لكم، وبالامس هبت جموع الوطن من شيوخ واعيان ورشداء ومواطنين في تقديم العزاء في فقيد الوطن الكبير، احسن الله اليك كما احسنت الينا، وعلى الدرب وعلى خطاكم وبوصيتكم سائرون، فالاساس قوي وسيظل قويا ومتحدا وصلبا كما هي عمان وأهلها الاوفياء.
يا أهل عمان ، تذكروا ما اوصاكم به الراحل السلطان قابوس، ان عمان امانة في اعناقكم فكونوا يدا واحدة في السراء والضراء، متلاحمين متحدين خلف قيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق بن تيمور المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ الذي تسلم الأمانة، فنعم الاختيار والتنصيب، وعلى نهج الراحل السلطان قابوس سيسير كما أكده جلالته في خطابه :”ان عزاءنا الوحيد وخير ما نخلد به إنجازاته هو السير على نهجه القويم، والتأسي بخطاه النيرة التي خطاها بثبات، وعزم إلى المستقبل والحفاظ على ما أنجزه والبناء عليه، هذا ما نحن عازمون، بإذن الله، وعونه وتوفيقه السير فيه والبناء عليه لترقى عُمان إلى المكانة المرموقة التي أرادها لها وسهر على تحقيقها، فكتب الله له النجاح والتوفيق”.
حقا يا سيدي السلطان هيثم إن الأمانة الملقاة على عاتقكم عظيمة، والمسؤوليات جسيمة، ولكننا نثق بانكم قادرون على حمل هذه الأمانة، وكل أبناء عمان الاوفياء معكم من أجل رفعة هذا البلد وإعلاء شأنه، فسِر بنا للامام في امن وامان ورخاء ونماء، فكلنا سائرون خلفكم على النهج القويم، وخلف قيادتكم، وإكمال ما أراد الراحل تحقيقه لهذا الشعب العظيم.
سيظل السلطان قابوس معنا في قلوبنا وعقولنا، فانتم جعلتمونا سعداء بفضل من الله ونعمائه ثم منكم، وأصبحت عمان دولة مؤسسات وانجازات عظيمة، لذا سيتذكر الجميع في الداخل والخارج ما صنعته من اجل هذا الوطن الغالي من إنجازات، وما صنعه لهذا العالم من اعمال ومواقف خالدة في التسامح والسلام، فقابوس قصة حب تتجاوز كل النياشين والمقالات والكتب.
لا خوف على عمان اليوم، فهي في ايد امينة وسلطان بعيد النظر عرف عنه الهدوء والسكينة، ومن مدرسة السلطان قابوس تعلم وتأسس وتخرج منها، ولديه ما يهيئ له مسؤولية الحكم بعد هذا التأسيس القوي، وكان اهتمامه الأول الاقتراب من الشباب وجيل النهضة، فقد تولى مناصب رياضية، ثم جاءت المرحلة الثانية في ممارسة الديبلوماسية، والتعامل مع أهل السياسة، فتخرج منها شابا مطلعا وسياسيا واعيا لينتقل للمرحلة الثالثة ليشرف على وزارة سيادية مهمة في تاريخ الوطن، ولينهل من كتب وتراث الآباء والاجداد رحيق الماضي والحاضر ، ثم يتسلم ويتولى اهم ملف في هذه المرحلة، وهو ملف النهضة والبناء والتغيير”رؤية عمان 2040″ ليكمل المسيرة بكل ثقة واقتدار، انها مدرسة السلطان قابوس، رحمه الله ، فنعم الاختيار ونعم السلطان الجديد.
جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور، رحمه الله، قائد لا يمكن لمقال او كتاب ان يوفيه حقه، وأن يعدد ما أنجزه وما بناه، إن الكلمات لتعجز والعبارات لتقصر، فهو الوطن بأكمله والأب الحنون لشعبه وامته ، ولمَ لا فقد استنَّ سنة حميدة في حكمه، وهي التحاور مع أبناء شعبه، فكانت جولاته السامية والاستماع الى أصوات شعبه من دون وسيط، وفي الهواء الطلق، لذا سيبقى في تاريخ عمان الحديثة صورة مخطوطة بحبر من ذهب.
في هذا المصاب الجلل لا أجد الكلمات بل أفقدها في رثاء زعيم بقدر السلطان قابوس ووصفه، حتى لا اظلم نفسي واظلم هذا الوطن، وأيضا لا استطيع إعطاءه حقه، وما قدمه لهذا الشعب والوطن الغالي والأمتين العربية والإسلامية والعالم اجمع من إنجازات وتضحيات ودروس وعبر عظيمة ومؤثرة، ومواقف إنسانية وتسامح وسلام وحل مشاكل وازمات وقضايا، وساهم في وقف حروب وتفكيك أزمات وحلها، واطلاق سراح اسرى وعلاج مرضى وكفالة ايتام، وبناء مساجد في عمان وخارجها يفوق عددها عمره وشبابه، كما استطاع بحكمته وسياسته وحنكته أن يضع عمان في مكانة مرموقة بين الدول في جميع المجالات.
لا يمكن لكتاب التاريخ والباحثين وأصحاب الأقلام ان ينسوا او يتجاهلوا قائدا بهذه الصفات القيادية الفريدة، فرحيله تألمت له الملايين، لانهم فقدوا حاكما من طراز نادر وفريد في هذا العصر، قائداً حكيما، تجمع على ارض وطنه في حياته، وفي العزاء برحيله الفرقاء والخصماء والاحبة والأصدقاء ،عرب وعجم وأجانب، وحقّق لبلده نهضة شاملة، إذ استطاع توطيد جسور المحبة والسلام عربيا واسلاميا واقليميا وعالميا، وكان أبا واخا وصديقا للجميع في تعامله، فالكل عنده سواسيه، لم يتغير او يتزعزع عن مبادئه في أي قضية داخلية او خارجية، فكان يتسم بالمبادئ الثابتة التي لا تتضعضع.
ان رسوخ النظام السياسي الذي كرّسه جلالة السلطان قابوس، وأرسى دعائمه على مدى خمسين عاما، تجسد في انه جعل من انتقال السلطة أمراً سلساً وسهلاً، فانتقل السلطان الراحل الى مثواه الأخير، وترك كل شيء للدولة، ونفذت وصيته في هدوء وسكينة، فنم قريرا يا حبيب الشعب في قبرك، وستبقى سيرتك في اعظم صفحات التاريخ الإنساني خالدة ملهمة للابد. وعلى نهجكم الحكيم ستسير السلطنة وابناؤها في امن ونماء، وستكون عمان أكثر إشراقا وتقدما ونهضة في ظل القيادة الجديدة لجلالة السلطان هيثم بن طارق بن تيمور المعظم.
الكبار والقادة العظام في كل مجال لا يرحلون عن الدنيا، مآثرهم وأعمالهم باقية ليوم الساعة، لذا سيبقى العاشر من يناير 2020 ، يوما حزينا لاهل عمان ومحبيها، لقد ذهب اعز الرجال ، كما وصفه سيدي السلطان هيثم بن طارق بن تيمور، اللهم ارحمه، واغفر له بقدر ما أوجعنا غيابه، بعدما توسد جسده الطاهر الثرى، ومهما حاولت رثاءك ياسيدي ووالدي قابوس لن أستطيع، ولكنني، وكل أبناء عمان الاوفياء سيدعون لك في كل لحظة، ومع ذلك لن نوفيك بعض حقك، فيارب املأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور وارضَ عنه يارب، واجعل قبره روضة من رياض الجنة ، وأنزله منازل الصالحين واجعل مثواه في جنات النعيم في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
ونستذكر هنا ما قال امير الإنسانية والديبلوسية الحكيم الصادق الصدوق امير الكويت، حفظه الله،: “قابوس ما مات .. وانتم موجودون” حقا فانتم ياجلالة السلطان هيثم نعم الخلف لخير سلف، فأيدينا بأيديكم ونحن معكم… والله من وراء القصد.

كاتب عُماني

You might also like