بقايا خيال

رسالة إلى من يستعطفون الفاسد بقايا خيال

يوسف عبدالكريم الزنكوي

يوسف عبدالكريم الزنكوي

يذكر معجم اللغة العربية المعاصر كلمة فاسد فيقول فسُدَ الطَّعامُ فسَد، أي تلِف، وفاسَدَه أي أساء إليه ففسد عليه. وعندما نقول «فسَدَ الرجلُ» أي جانب الصواب، وعكسه صلَح، وحين نقول فسَد الفتى، أي من سوء التربية، والقول إن المرأة فسدت، أي فسدت أخلاقها وحياتُها. ويذكر هذا المعجم أيضا أنه عندما نقول «فسَدَ الطَّعامُ» أي عطب وتلِف وأنْتَن، وهو ضد صلح كأن نقول فسَدت الفاكهةُ أو فسَد العصيرُ. وعندما نقول فسَدَ العقدُ أو فسَدَ الاتفاق أو فسَدَ الوضوء، فهذا يعني بطَل أو انتقض، وعندما نقول «فسَدَ الحالُ أو فسَدَ الأمرُ أو فسَدَ الشَّيءُ، فيعني هذا أنه اضطرب أو خرِب أو أصابه الخلل، كما في الآية الكريمة: “لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ إلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا”.
وكل المعاني التي تحملها كلمة فسد هي معاني سلبية ولا علاقة لها بالإيجابية أبدا، إذ Bk الكلمة تشير إلى التلف والعطب والنتانة والإساءة ومجانبة الصواب، والبطلان والتناقض وضد الصلاح والانحراف، وسوء التربية وسوء الأخلاق، وتشير أيضا إلى اضطراب الحال وخراب الأوضاع والخلل “كما هي حال بعض مؤسسات الدولة). كما أن الشيء الفاسد وفي غالب الأحوال يتم التخلص منه بالإتلاف حرقا أو رميا في صناديق المهملات، أو أن يتم تجديده وإعادة صياغته كالعقود الفاسدة الباطلة، والوضوء الباطل كذلك يحتاج إلى تجديد وإعادة وضوء. وهذه المعاني تشير إلى أن المجتمع لا يقدر على التعايش مع الفاسد إلا بالخلاص منه وأن الفاسد لا يمكن إصلاحه إلا في الحالات النادرة والنادرة جدا.
ولهذا تعلمنا أن هناك خطأ واضحاً ما بين القويم والفاسد، وأن هناك حداً فاصلاً بين الصالح والطالح. كما تعلمنا أن تقويم الفرد يبدأ في البيت أو البيئة الأسرية ثم في البيئة المدرسية. وبعدها في بيئة العمل، وينتهي به المطاف في المجتمع الأكبر عندما يؤكد لنا المعلمون والمديرون والقادة ان حين تعجز كل هذه المؤسسات المدنية عن إصلاح الفرد، حينها تتدخل المؤسسات الإصلاحية لتطبيق القانون على كل من تسول له نفسه إفساد المجتمع.
هذا هو بالضبط ما تعلمناه في الكويت. وإذا كنا قد تعلمنا صياغة كتب استعطاف الكرماء والخيرين لتحقيق حلم من أحلامنا الوردية الصغيرة كأفراد، فإنه لم يعلمنا أحد من قبل أن نستعطف من استسهل تضييع حقوق شعب، ولا أن نتوسل لمن نهب أموالا عامة، ولا أن نطلب منه بعد أن خرب الوطن قائلين: «أيها الفاسد: متى تشبع وتتوب وتغادرنا إلى غير رجعة بعد أن عجزت قوانيننا وحيلنا عن اصطيادك؟ فقد سئمنا وجودك، وأصبح مستقبل أبنائنا بسببك في مهب الريح. قاتلك الله وعجّل بفرجنا من أوزارك».
نحن لا نوجه رسائل إلى الفاسدين إلا في الأحوال التالية: إما أننا لم نشرع قانونا يعاقب الفاسدين والمفسدين، أو أن القانون موجود، لكنه مغيب ولا يطبق على الفاسد، أو أن الفاسدين أغلبية ساحقة تسيطر على أقلية مستضعفة لم تجد وسيلة أخرى لإيقاف الفاسد أو لصد مجموعة الفاسدين إلا من خلال رسالة.
الغريب في الموضوع أن وسيلة مخاطبة الفاسد أو المفسدين ليست أسلوبا كويتيا مستحدثا، فالوطن العربي يزخر برسائل إلى مختلف أشكال الفاسدين. فهذا في الأردن يكتب رسالة إلى كل كذاب ومنافق وفاسد، وذاك مصري يسطر بقلمه رسالة إلى كل مرشح فاسد، وثالث يصيغ رسالة الى مسؤول عراقي فاسد ، ورابع مغربي يوجه رسالة إلى رئيس البلدية وإلى كل مسؤول فاسد، وخامس يمني يكتب رسالة عاجلة إلى كل مدير فاسد من عامل في ميناء عدن. وهناك من كتب رسالة إلى كل فاسد حاول أن يشوه سمعة جريدة، وهناك من وجه رسالة من فاسد إلى «الحراك» الأردني، وهناك من صاغ رسالة واضحة وصريحة إلى إعلام «بلده» الفاسد، وهناك من كتب رسالة الى مسؤول منتخب فاسد، وكلهم مواطنون عاديون مثلي ومثل أي قارئ طفح بهم الكيل من عجز أجهزة بلدانهم في تطبيق القانون على المجرمين الذين يعتاش بعضهم على العاجزين عن تطبيق القانون، ويعتاش البعض الآخر من المجرمين لقدرته على تجميد القانون، وفئة من هذا البعض الفاسد يعتاش بسبب مرونتها في القفز على أسوار القانون. ولأنه لا تخلص من الفاسد ولا تخليص من المفسدين إلا بتطبيق القانون، ولا شيء غير تطبيق القانون، ولأنه بدا لنا أن القانون مجمد إلى أجل غير مسمى، فما كان من هؤلاء المواطنين العاديين إلا التوسل بالفاسد لكي يكف عنا الضرر بعد أن أكل الفساد الأخضر منا وفينا واليابس.
****
“شصاير فينا؟:
من رئيس القسم لي حَد الوزير
نادر اللي له نوايا صالحه
ناقة الديره اتركوها في الهجير
وعقْب حَلْب الديد… قالوا «مالحه»!
أصغر مْوظف… إلى أكبر مدير
منهو ما خلّاها «عِزْبه» لصالحه؟
«كالحه» هذي الليالي يا عشير
واقرا في القاموس معنى «الكالحه»!
في أوضح من الشاعر «وضاح»؟

* إعلامي كويتي