رسالة إلى وزير التربية…خذوا هذا الحل!

أحمد الدواس

لم نكن نتصور ان نقرأ الخبر التالي الذي نشرته “السياسة” قبل أيام ,الخبر هو “كشفت الباحثة غنيمة الحبيب, استشارية علاج الإدمان, ان هناك آباء يوفرون المواد المخدرة لبناتهم المدمنات خشية تعرضهن للفضيحة الاجتماعية في حال أُلقي القبض عليهن متلبسات, وان سلوك الآباء هو تخبط في مواجهة المشكلة وفقدان للحل, وأن العدد الحقيقي للمدمنين عشرة أضعاف العدد المعلن, أي عندما أعلنت وزارة الصحة ان عدد المدمنين هو 6008 في عام 2014 فإن العدد الحقيقي أكثر من 60 ألفاً, ان كلفة العلاج في مستشفى الطب النفسي باهظة جداً وتصل الى اكثر من 2000 دينار شهرياً, ثم اقترحت استصدار تراخيص لمصحات علاجية جديدة لتخفيف العبء المالي عن الأهالي”.
نعتقد ان الأمر لا يحتاج الى إنشاء مصحات علاجية, ولا قسوة ضد المتعاطي من البنت أو الولد, بل ” بتغيير فكرنا تتغير حياتنا الى الأفضل”, وما نقوله ليس فلسفة فكرية وإنما دروس وعبر, فالإخفاق والألم مطلوب أحيانا حتى يتقدم المرء, و”المشكلة قد تُعيد صياغة حياتك مرة ثانية بطريقة أفضل”, لنضرب بعض الأمثلة على ذلك : مايكل تايسون, بطل الملاكمة, معروف لدى الشباب, كتب مقالة بصحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية في بداية عام 2014 يقول فيها انه كان يتعاطى المخدرات وغيرها بعد عام 1986 يُحيط به أصدقاؤه, وكثير منهم منافقون, يشجعونه بكلماتٍ مثل “أنت رائع” “انت عظيم”, يستغلونه لتوسيع مكانتهم لدى الناس, ولم ينصحه أحد بالإقلاع عن الإدمان, ولما ماتت ابنته الصغيرة ذات السنوات الأربع في عام 2009, كان حادث الوفاة مؤلماً له فأقلع عن تعاطي المخدرات, وأخذ على نفسه عهداً بأن يعيش حياة أفضل من أجل أسرته, وان يفعل الخير للآخرين, وقال إنه يشعر بأنه أصبح إنساناً طيباً, وان السلوك السيئ أو النكسات هو جزء من العلاج.
قلنا انه عندما نواجه المشكلات “نحتاج لتغيير فكرنا حتى تتغير حياتنا بشكل أفضل” وهذه فكرة مهمة جداً في الحياة, وهناك المزيد من الأمثلة على ذلك, فقد كان أحد الإغريقيين يعاني من إعاقة خطيرة في النطق, وحتى يتخطى هذه العقبة, أخذ يتدرب على الحديث بوضع حفنة من الحصى في فمه, على أمل أنه حين يتقن الكلام تمام الإتقان فسوف يمكنه التحدث أمام الجميع, بل ويخطب في الناس, فأصبح هذا الإغريقي, واسمه ديمو سنرين¯ز واحداً من أعظم الخطباء في التاريخ, وهناك قصة النسر, وهي من قصص الطبيعة, تفيدنا أيضاً في مسألة التحول من حالٍ إلى حال أفضل, في مجال تطوير الفرد أو المجتمع, فعمر النسر قد يبلغ 70 عاماً, ولما بلغ أحد النسور الأربعين سنة شعر أن مخالبه لم تعد باستطاعتها القبض على الفريسة, وأصبح منقاره ضعيفاً وجناحه ثقيلين بحيث كان من الصعب عليه الطيران من دون مشقة, لذلك كان أمام النسر خياران, إما أن يموت وإما أن يمر بعملية من التغيير تدوم 150 يوماً, ففضل الخيار الثاني, وتقضي هذه العملية بأن يطير الى أعلى قمة الجبل ويمكث في عشه, وهناك يقوم بضرب منقاره بصخره فيحطم منقاره وينتظر حتى ينمو المنقار الجديد, وبهذا المنقار يقلع المخالب القديمة, ولما تنمو المخالب الجديدة يقوم النسر بنتف ريشه القديم, وبعد خمسة أشهر يستطيع النسر أن يطير بكل سهولة ويعيش ال¯ 30 سنة الباقية.
من هذا المثل يتبين أن النسر تخلص من طبعه القديم وبدأ حياةً جديدة, والمثل هو درس للمرء فالإنسان العاقل هو من يقيم نفسه مراراً, ويصوغ أولوياته وخططه كلما تقلبت الظروف والأحوال, ولا ينازع حقائق الحياة, بل يقبلها كما هي, وعندما لا يستطيع أن يغير الواقع أمامه, عليه في هذه الحالة أن يغير طبع¯ه.
وقبل أيام توفي الرئيس الهندي السابق أبوبكر جنة العابدين عبد الكلام, وكان قد نشأ في عائلة فقيرة لم تستطع تحمل نفقات تعليمه بالمدارس, لكنه اجتهد كثيراً واستمر بالدراسة فنال شهادة عالية كعالم فضاء مشهور على المستوى العالمي, ومن أقواله انه “إذا أرادت دولة ما ان تكون خالية من الفساد وان تمتلك عقولاً راجحة فهناك ثلاثة أطراف يحققون لها ذلك وهم : الأب والأم والمعلم, وان هؤلاء الثلاثة إذا اهتموا بالطفل ودفعه الى المسار الصحيح فان الوضع في تلك البلاد سوف يتحسن كثيراً خلال الجيل القادم, ان نصيحتي للشباب” ان تفكروا بطريقة مختلفة, ان تبدعوا, حاولوا التغلب على المشكلات والوصول الى النجاح”, انتهى حديثه.
لا يزال هناك الكثير من مثل هذه الشخصيات الناجحة, فالإعاقات أو المشكلات الجسدية أو تعاطي المخدرات يمكن إذن التغلب عليها, فالدرس المُستفاد هنا بالطبع هو : “لا يهم من أين بدأت رحلتك, ولكن ما يهم هو أين اخترت أن تنتهي”.
إن من واجب الحكومة ان تبني المواطن فكرياً وصحياً, فهي كما تبني الشوارع والمباني الحكومية والطرق عليها من باب أولى ان تبني المواطن الصالح, أي تنمية العنصر البشري, فليت الحكومة ممثلة بوزارة التربية تقوم بتدريس مناهج لتطوير الذات لدى الطالب الكويتي فهناك مشاكل عنف ومخدرات بين الشباب, لذلك فإن الاهتمام بالعقول وطريقة التفكير أمر لاغنى عنه, وفي الأمثلة أعلاه “عبرة وعظة”, وهناك ” أمل” أيضاً بالانتقال الى وضعٍ أفضل, كما أن القاسم المشترك بين هؤلاء الأفراد وما جعلهم يبدعون في مجال الحياة هو “الحرمان أو النقص” لا القدرة المادية, لذلك بذل الجميع جهداً ضخماً للانتقال إلى وضعٍ أفضل, فيا أيها الشباب الكويتي إذا أردتم النجاح فلا تغيروا المجتمع بل غيروا ما بأنفسكم, فهل يعي الآباء والأمهات والشباب الكويتي حقائق الحياة هذه?
* سفير سابق
aldawas.ahkwt@yahoo.com