مستاءة من ظاهرة التخبط النقدي التي أثرت سلباً على الإبداع

رشا غانم: في الأندلس وحدها عاشت ستون ألف شاعرة مستاءة من ظاهرة التخبط النقدي التي أثرت سلباً على الإبداع

رشا غانم

الشاعرات العربيات يكتبن الشعر بقلق وينشرنه بحذر أشد من الرجل

أدب المرأة مرتبط بتركيبها الذهني والنفسي أما أدب الرجل ففيه خشونة واضحة

القاهرة – محمود خليل:
ترى أن الشعر، ميراث انساني عام، لا يمكن للرجل أن يستأثر به وحده، رغم أنه كان له السبق والنضج بتجربته الشعرية، ثم لحقت به المرأة بعد ذلك، بل تفوقت بعض الشاعرات على الشعراء، فكتبن في مختلف الأنواع ومن ثم اشتهرن بقصائدهن، كما ساهمت المرأة الشاعرة منذ العصر الجاهلي، مرورا بالعصر الاسلامي إلى عصرنا الحاضر، بشكل مباشر في الرقي بالشعر.
هذا الابداع المتدفق لفت نظر الباحثين والنقاد فكتبوا عن ابداعها الكثير من الدراسات النقدية. ومنهم الدكتورة «رشا غانم»، أستاذ مساعد النقد الأدبي، الجامعة الأميركية بمصر، التي كان لها دور في التأريخ لشعر المرأة على مر العصور في العديد من دراساتها الأكاديمية، وفي حوارها مع «السياسة»، تكشف العديد من خصائص هذا الشعر النسوي، دوره في المجتمع.

– ما أهمية الشعر في حياتنا؟
* الشعر بوصفه فنًا أدبيًا جعل الذات الشاعرة بمشاعرها، رغباتها، أحاسيسها، علاقاتها مع الآخر، نبعا ثريًا، يغذي التجربة الشعرية التي تتلاقح مع ثقافة الشاعر وقناعاته، فالشاعر يحاول أن يعيش في قلب الأحداث الجارية في وطنه التي ينبضُ بها الواقع، لذلك فهو محور أي حراك شعري جديد يستفيد من كل ما يحيط به ويحوَّله إلى شعر، حتى يستطيع قبوله والتعايش معه.
– ما المقصود بالشعر النسوي أو النسائي أو الأنثوي وأي مصطلح أفضل؟
* عندما نربط المفهوم السابق بابداع المرأة، مرهفة المشاعر والأحاسيس، نجد وقعا آخر في التعبير بالكلمة، فلا نتوقف كثيرا أمام المسمى، هل هو شعر نسائي، نسوي أم أنثوي، فكلها مصطلحات تؤول لشيء واحد هو الابداع الخاص بالمرأة الذي تصوغه شعرا من نبع وجدانها. أنا لسـت مع تجنيس الابداع إلى رجالي، ونسائي «أنثوي – نسوي»، فالابداع موهبة واقتدار اذا ما مُنحت لانسان ما فانه مؤهل لممارستها بما تستحقه من استجابة وتميز، رجلاً كان أم امرأة.
– لكن هذه المصطلحات حازت على حيز كبير من المناقشات الأدبية؟
* المرأة شغلت حيزًا مهمًا على مستوى الكتابة الابداعية، بخاصة في الربع الأخير من القرن العشرين، حيث نجد بعض الكتابات النسوية تحدثت عن اشكالية المصطلح نسوي وأنثوي. ضرورة هذا التقسيم لاظهار خصوصية الكتابة الّنسوية، والدعوة المأمولة في تأسيس كتابة نسوية واعية تصحح الّنظرة السائدة غير المنصفة للأنثي، باعتبار أن الخطاب النقدي – في مرحلته الأخيرة – قد اتجه إلى ربط الابداع بمكوناته الثقافية، كان اتجاهه إلى العناية بالأطراف المهمشة، وبخاصة ما يتصل بالابداع النسوي، شعرا ونثرا.
– هل ترين انه مصطلح غير مناسب؟
* الأدب النسوي مصطلح مشوّش، اذ يعطي انطباعًا خطأ بأنه صيغ كوصف لحالة مستجدة تشير إلى بدايَّة مساهمة النساء في الكتابة، فقدوم أولئك الكاتبات واقتحامهن عالم الطباعة والنشر الذكوري بعد تغييب طويل كان لابُدَّ له من مسمى فكان المصطلح. الحقيقة أن الكتابة النسائيَّة استمرَّت ما يزيد على ثلاثة قرون قبل أن يصك هذا المصطلح، فهو بذلك ليس مصطلحًا يعيّن نوعًا أدبيًّا، انما جاء نتيجة لحراك اجتماعي سياسي نسوي طالب بحقوق المرأة ومساواتها بالرَّجل قانونيًّا في عهود لاحقة. اذن فالمصطلح لا يرتبط بكتابة النساء الابداعيَّة حصريًّا، انما يرتبط بالحراك التحرري في القرن العشرين، وعليه فانَّ الأدب المرتبط بقضايا المرأة هو الأدب النسوي سواء كتبته امرأة أو رجل.

نهضة شعرية نسائية
– متى بدأ ما يمكن تسميته النهضة الشعرية النسائية في العصر الحديث؟
* ظهرت في القرن العشرين، دعوات تنادي بالنسوية، أطلق عليها مصطلح الأدب النسائي، في سياق الحركات الداعية لتحرر المرأة، أطلت على الأدب العربي في السبعينات والثمانينات، حتى ظهر تيار عربي سمي بالنقد النسوي. مازال هذا المصطلح، موضع شك وارتياب بالنسبة لكثيرات من المبدعات، ومازال بالنسبة لبعضهن تهمة تلتصق بما يكتبنه، من هنا بقي المصطلح يتأرجح بين مؤيد ومعارض وسط مناقشات في الأوساط النسائية الأدبية بشكل خاص. يمكن القول ان استعمال مصطلح الأدب النسائي يعود في العالم العربي إلى مرحلة النهضة التي أدرك فيها المتنورون أهمية دور المرأة في نهوض المجتمع، ما استدعى تعليمها، من ثم، امكان مشاركتها في النشاطات الاجتماعية والثقافية والانتاج الأدبي في هذه المرحلة «مرحلة النهضة».
– هل هناك فرق بين الشعر الذي تكتبه المرأة والشعر الذي يكتبه الرجل؟
* أدب المرأة مرتبط بتركيبها الذهني والنفسي وأشياء أخرى أهمها عاطفتها، حساسيتها، أنوثتها، أما أدب الرجل ففيه الخشونة الواضحة التي تظهر في الشعر الحماسي وشعر الفخر، حتى في شعر الغزل. كما يبدو الموقف مختلفاً تمامًا في ميدان الشعر، فهو في نظر المتلقي ذاتي خالص ينقل واقع صاحبه بحرفية دقيقة، لذا نجد الشاعرات العربيات، يكتبن الشعر بقلق وحذر، ينشرنه بحذر أشد من الرجل.
– ما الجماليات التي ترصدينها في الشعر النسوي وتختلف عن مثيلتها في الشعر الرجالي؟
* شعر المرأة يتصف بالسهولة والبساطة العفوية لأنها تكره المجردات والعقليات، فاذا فكرت فهي تفكر من خلال أحاسيسها وعواطفها، فالمرأة الآن ليست شاعرة تقليدية مهتمة بقضايا عامة أو رومانسية، مشغولة بمحور ذاتها فقط، وليست واقعية تكرس كتاباتها نموذجا نقديا لسلبيات مجتمعها، انها شاعرة حداثية تجاوزت هذه المراحل، عايشت مرحلة الاغتراب المعاصرة، معاينة الأسئلة والهواجس الكبرى التي تؤرقها وتشعرها بالاغتراب عن الذات والآخر، الاغتراب عن المكان، لذا نجد لديها القدرة على التعبير عن خصوصية هذه التجارب الابداعية وعلاقتها الواعية بالوطن.
– هل تنشغل المرأة الشاعرة بقضايا جنسها فقط والمتعلقة بالحرية والحب والزواج والأسرة، أم تكتب أيضا في قضايا الوطن والانسانية والمجتمع؟
* كشاهد عيان، عندما زرت العراق 2013م، أي بعد مضي عشر سنوات على الاحتلال الأميركي، وجدت الشعر النسوي يتحدث بغزارة عن طفل الحرب، الشاعرة العراقية المقيمة في لندن وفاء عبد الرزَّاق في ديوانها، «من مذكرات طفل الحرب»، انها تكتب خطابا احتجاجيا في زمن تنتهك فيه الطفولة لأن هدف المحتل الأول قتل الطفولة، حيث يزخم خطابها بتكثيف الوعي الأنثوي الذي يتأثر بكل ما يحيطه ويعبر عنه بالكتابة، لأنه في وسط هذه الأجواء القاتمة، تسكن الأنثى وتراقب بحذر كل ما يدور حولها، جاء لفظ «أولاد الحارة» ليؤكد ما عاناه الأطفال من فقر مدقع في ظل جحيم الاحتلال وكانت أكثر تضررا المرأة التي اختزلت كل مشاعر القلق على مجتمعها الذي ينهار، أسرتها التي قتلت أو شردت، فقد أفسد العدو كل شيء في الحياة فلم يبق الا التشتت والضياع. هذا الشعر نقرأ مثيلا له لدى الشاعرات الفلسطينيات أيضا.
– لماذا ارتبط القاء الشعر في الجاهلية وحتى العصور الوسطى بالاماء؟
* الشعر لم يبدأ بالاماء فقط، حيث كانت ملكة الشعر سليقة تساوى فيها الطرفان، الحرة والجارية، كانت الجارية «اعتماد» المشهورة بالرُّمَيْكِيَّة والتي أصبحت زوجة المعتمد بن عباد، صاحب اشبيلية، شاعرة ترتجل الشعر ارتجالاً، كانت تشارك زوجها هوى الشعر ونظمه، كانت تعيش في ذلك الأفق الأدبي الرفيع الذي كان يسيطر على بلاد اشبيلية، تشترك في كثير من الأحيان في مجالس الشعر والأدب، التي كان يعقدها المعتمد.
– لماذا تميز العرب في الأندلس بكثرة الشاعرات؟
* عدد الشاعرات في الأندلس بلغ على امتداد ثمانية قرون ستين ألفاً. من يرجع إلى ما روي في «نفح الطيب عن حرائر الأندلس»، يشعر أنّ المرأة الأندلسية لعبت في الأدب الأندلسي دوراً يشبه من بعض الوجوه دور المرأة في الأدب الفرنسي في القرنين السابع عشر والثامن عشر.
– لماذا لم تكتب الشاعرات الشعر الشعبي والديني والزجل؟
* الشواعر يكتبن الشعر الشعبي والديني وكل صنوف الشعر بل وأبدعن فيها.
– لماذا لا يهتم النقاد حاليا بالشعر عامة والشعر النسوي بصفة خاصة؟
* هناك تخبط نقدي ليس على مستوى الشعر فقط، بل على مستوى الابداع بشكل عام، العملية النقدية تسير في الغالب بطريقة فردية، لغياب روح الفريق.
– كيف نعيد الروح لعملية النقد؟
* رغم وجود ومضات نقدية في عالمنا المصري والعربي فانها غير كافية، لأنها تعمل بالأساس بصورة فردية، وباجتهاد فردي، ولا تعمل ضمن فريق، ومع ذلك هناك جهود فردية جبارة تحاول أن تواكب المنتج الابداعي يجب أن نكلل جهودها، نوسع لها الطريق لأنها تحمل على عاتقها مهمة كبرى. أود أن تتكون فرق عمل نقدية، تكون ذات مهمة واضحة تعمل من أجل انجازها، أول هذه المهمة من وجهة نظري مساءلة الكتابات النقدية التي أنجزت خلال قرن سواء للابداع النسوي أو الرجالي، التحاور معها، اعطاء كل ذي حق حقه، رسم خريطة نقدية مختلفة عما هو سائد.

قضايا
– هل تختلف القضايا التي تتناولها الشاعرات العربيات في المشرق العربي عنها في المغرب العربي؟
* لا تختلف كثيرا، فنحن وطن عربي واحد، همومه واحدة، قضاياه واحدة.
– هل عبرت الشاعرات العربيات عما يمر به الوطن العربي حاليا من تغيرات سياسية ومجتمعية وأخلاقية؟
* تريد الشاعرة العربية أن تطلق لنفسها العنان، تتحرر من قيودها وأغلالها التي تمنعها أن تحلق كطائر أسكرته نشوة الحب؛ لأنها ليلي الحالمة، كأنها تستدعي كل حكايات العشق التي بطلتها ليلي، هذا الوطن ما زال يئن من جراء أحداث كثيرة وما أقسى أن يكتوي المغترب بأنات وطنه وهو يعيش داخله أو وهو بعيد عنه.
– هل اهتمت الشاعرات العربيات بالسياسة في أشعارهن؟
* الكتابة الّنسوية العربية، بداية من الخنساء، ليلى الأخيلية، سكينة بنت الحسين، ولادة بنت المستكفي، مرورا ببداية عصر النهضة، كان لها اهتمامات سياسية ووطنية، لاسيما في أوائل الستينات. تحدثت الكتابات النسوية عن أدب الحرب الذي يقال عنه أنه ميدان ذكوري. لقد قدمن تعبيرًا مختلفًا عن تجربتهن في حرب 67، وان كانت عنايتهن موجهة لرصد مضاعفات هذه الحرب على المستويين الانساني والاجتماعي بعيدًا عن المناقشات الّنظرية والأيديولوجية التي تبدو ذات أهمية كبرى في أدب الرجال.
– ما رأيك في تجارب الكتابات «الشعرية» لشاعرات الانترنت وهل ترقى أن يطلق عليها شعرا؟
* بصفتي ناقدة، يأتيني على الماسنجر الخاص بي، بعض نماذج من هذا الشعر، بعضها جيد ولكن أغلبها لم ينضج بعد، يحتاج لمرحلة تثقيف كثيرة بجانب الموهبة، بعضها تنعدم فيه الموهبة أصلا فلا أجد الا مجرد هلوسات.
– لماذا تعرضت الشاعرات اللاتي كتبن شعر الاعتراف أو الشعر الجنسي لهجوم كبير من النقاد بل من القراء في حين أن الشعراء الرجال لا يتعرضون لمثل هذا النقد؟
* الخروج عن الصورة اللائقة إلى صورة شهوانية بذيئة، أمر يتعرض له الرجل والمرأة معا، سواء من لدن القراء أو النقاد، قد تكون المرأة أكثر، لأنها تلام أكثر من الرجل في كل شيء، حتى في ملبسها وليس في شعرها فقط.
– هل ترين أن الشعر سوف يختفي بسبب قلة الاقبال عليه؟
* الشعر ديوان العرب منذ القدم، اذا كانت حركة الرواية الآن هي المسيطرة على مستوى القراءة والطباعة، فان الأمل معقود على شباب المبدعين الذين يجتهدون في اظهار منتجهم الشعري بأفضل صورة ترقى بالذوق والابداع.