رغيف خبز بمئة ألف ريال… لماذا انهارت العملة الإيرانية؟ مختصر مفيد

0

أحمد الدواس

في سنة 1988 شاهدت في البرازيل جهازاً للتلفزيون يُباع في أحد المحلات بــمبلغ 10 آلاف كروزادو، أي نحو 120 ديناراً، وعدت الى هذا المحل بعد أسبوع فرأيت الجهاز يُباع بسعر أعلى بلغ 13 ألف كروزادو، ثم ان المواد الغذائية في السوق المركزي البرازيلي تنفد سريعاً بحلول المساء، الكل يشتريها، لماذا؟ لأن الغد له سعر آخر، لذلك عليك أن تشتري الآن، أو كما نقول: الحق أو ما تلحق، انهض فوراً وتعجل واذهب للجمعية لكي تشتري بدل الدجاجة الواحدة 7 دجاجات بالسعر المعلن اليوم قبل رفعه غداً، وبدل ان تشتري قطعة خبز واحدة ستأخذ رزمة خبز، لذلك رأينا البرازيلي يقود عربتيّ تسوق في السوق المركزي بدلاً من عربة واحدة، وكأن لسان حاله يقول: يا ليتني اشتريت جهاز التلفزيون قبل أسبوع! وهكذا أخذت تكاليف المعيشة تزداد أمام المواطن البرازيلي وساءت أوضاعه، لأن حكومته لم تعرف كيف تضبط أسعار السلع المختلفة.
زيمبابوي تضررت بشدة من التضخم الهائل، وبالأمس انهار سعر صرف العملة الإيرانية مقابل الدولار الأميركي، وساءت أحوال الإيرانيين. ففي زيمبابوي دمر الرئيس روبرت موغابي اقتصاد بلاده وأساء الى معيشة الشعب، رغم ان زيمبابوي تمتلك ثروة غنية بالمعادن الثمينة، وصادرت حكومته مزارع طبقة الأقلية البيضاء التي كانت تحكم البلاد من قبل، فأُطيح به في انقلاب عسكري يوم 15 نوفمبر 2017.
اتصف حكم موغابي بالفساد الحكومي والتعذيب وتصفية الخصوم السياسيين والتخويف والتلاعب بأصوات الشعب أثناء الانتخابات، وبمرور الوقت تدهور الاقتصاد المحلي،ولتوضيح هذه الصورة بأسلوب اقتصادي مبسط نتخيل ان المواطن في زيمبابوي يتهيأ للخروج من منزله وفي ذهنه ان سعر السلعة 3 دنانير، وما ان يخرج من منزله حتى يكون سعرها قد وصل في السوق الى 3 دنانير ونصف، وبعد ان يركب سيارته يكون سعرها قد ارتفع الى 4 دنانير، وما إن يقف بسيارته في السوق حتى يكون سعرها قد بلغ 5 دنانير، هذا هو مايُسمى بـــ “التضخم المُفرط “، فالسعر كان 3 دنانير ولكنه يزداد في ساعات النهار، فالأسعار ترتفع كل ساعة لا بين فترة وأخرى، أي ترتفع ونحن نتحدث أنا وأنت الآن، فأصبح رغيف الخبز الواحد يكلف 100 ألف دولار زيمبابوي ( أي 230 فلسا ) ثم بلغ 100 تريليون دولار زيمبابوي، لأن هذه العملة لاقيمة لها. التضخم الهائل في زمبابوي جعل الشحاذ يرفض قبول بليون دولار زمبابوي، تدمير الاقتصاد بهذه الصورة جعل الخريجين باعة بالشوارع، هذا شيء مخيف ولاشك.
السبب في هذا ان الناس تطلب الدولار كطريقة للحفاظ على مدخراتهم، فهو مثل الذهب كمخزن للقيمة، ولما لايجد البائع الدولار يرفع سعر سلعته بالعملة المحلية،كأنه يريد التعويض لاالخسارة، فارتفعت نسبة التضخم بشكل هائل، وحدثت مضاربة على الدولار ماساعد على خروج مزيد من الدولارات من البلاد، وأخذ الناس يعانون من صعوبة المعيشة والفساد الحكومي، والصراع السياسي، وارتفاع معدل البطالة.
بالأمس انهار سعر صرف الريال الإيراني فأصبح الدولار يساوي 111 ألف ريــال، ونشطت تجارة السوق السوداء وسط قلق الإيرانيين الذين زاد طلبهم على الدولار يشترونه كطريقة للحفاظ على مدخراتهم في حال تراجع سعر الريال، وتكبد قطاع السياحة في ايران خسائر وصلت إلى ملياري دولار، نتيجة تراجع أعداد السائحين من الدول الخليجية، وذلك منذ اقتحام متظاهرين إيرانيين مبنى السفارة السعودية بطهران وقنصليتها في مدينة مشهد في بداية 2016. ومن بين أسباب تدهور سعر العملة الإيرانية إعلان اميركا في مايو انسحابها من الاتفاق النووي الموقع مع إيران العام 2015، مع فرض عقوبات اقتصادية عليها مقابل كبح البرنامج النووي الإيراني، وفي المستقبل القريب ستفرض اميركا عقوبات أخرى على دفعتين في 6 أغسطس و4 نوفمبر، ما أجبر الكثير من الشركات الأجنبية على وقف أنشطتها مع إيران.
نحن بنعمة وخير في بلدنا الكويت بفضل من الله، ومانكتبه هنا إنما نبذة عن معاناة الشعوب، ولنقارن وضعنا المعيشي بوضع المجتمعات الأخرى لنرى الفارق ونستخلص الدروس والعبـر.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

15 + 14 =