رماد القمع الإيراني لن يخمد جمر الغضب الشعبي

أحمد عبد العزيز الجارالله

طبيعي أن يزعم نظام الملالي أن ما جرى أخيرا مجرد أعمال شغب محدودة حرضت عليها ومولتها قوى خارجية، محملا مسؤولية ما حصل لمن يحلو له اتهامهم، مرة الولايات المتحدة الأميركية أو اسرائيل، وفي أخرى لدول عربية كالسعودية والامارات، وفي ثالثة للمعارضة الايرانية في الخارج، لكن ما لم يستطع هذا النظام نفيه هتافات آلاف المتظاهرين في نحو 60 مدينة وبلدة المطالبة بإسقاط الديكتاتور، والمقصود هنا مرشد الجمهورية علي خامنئي.
هذه الهتافات التي أطلقت وتطلق ضد اعلى سلطة في البلاد، لا يجوز ان يستهان بدلالاتها التي تعني أول ما تعني أن تغييرا ما طرأ على المزاج الشعبي العام من النظام الحالي، وان القبضة الامنية ضعفت عما كانت عليه من قبل، وهو الوضع المشابه لما حصل قبل 39 عاما، حين بدأت التظاهرات ضد الشاه محمد رضا بهلوي، في صيف العام 1978 واستمرت سبعة أشهر إلى أن اطيح النظام الامبراطوري.
يومها انطلقت شرارة الاحتجاج من الوضع المعيشي والغلاء، وفرض ضرائب على الطبقة الفقيرة البالغة نسبتها نحو 80 في المئة من الشعب، في ظل ترف علية القوم ونهب الثروات الممنهج الذي يمارسه المتحكمون بالاقتصاد الايراني، ووجدت تلك الاحتجاجات تأييدا دوليا بعد فترة من انطلاقها، خصوصا بعد اتساعها وعجز الـ”سافاك” رغم سمعته السيئة، ومعه الشرطة والجيش عن قمع الاحتجاجات وانحياز “البازار” الى المتظاهرين، اضافة الى الموقف الاميركي المسبق من ضرورة التخلص من الشاه، ما ادى الى تغيير النظام، وعودة الخميني برعاية فرنسية الى طهران.
المراقب لتوزع القوى حاليا في ايران يرى ان القبضة الامنية اكثر قسوة مما كانت عليه اثناء الحكم الشاهنشاهي، فاليوم هناك قوات”الباسيج” اضافة الى الاستخبارات، والحرس الثوري والجيش، الخاضعة كلها للعبة مصالح القوى المتحكمة بالنظام، ولهذا عندما تكون هناك تظاهرات بهذا الحجم في مختلف انحاء ايران، فذلك يعني ان حاجز الخوف الشعبي قد انكسر، وبالتالي لن يكون بمقدور النظام منع تكرار الانتفاضات، خصوصا بعد ارتفاع معدل الفقر الى مستويات كبيرة، ونشوء طبقة من الاثرياء الجدد المهددة لمصالح القوى الاقتصادية الفاعلة، وهي “البازار” الذي تكبد خسائر كبيرة نتيجة العقوبات المفروضة على ايران بسبب سياسيات نظام الملالي الارهابية مع العالم.
يضاف الى كل ذلك ان الشعب الايراني يرى يوميا بأم عينه عشرات التوابيت لابنائه التي ترد من سورية والعراق، والمليارات التي تصرف على التدخلات بالشؤون الداخلية للدول، والميليشيات الطائفية، التي وصلت في الميزانية الجديدة الى 11 مليار دولار، كما رفع المبلغ المخصص للمرشد الاعلى والمؤسسات الدينية نحو 20 في المئة، في المقابل اوقفت الدولة الاعانات التي تقدم للملايين من الفقراء، وجرى تخصيص المدارس الحكومية، ورفع اسعار البنزين، ما ادى الى زيادة حدة الازمة المعيشية واندلاع الاحتجاجات.
نعم، ما جرى في الأسبوعين الأخيرين لا يجوز الاستهانة به، خصوصا حين أقدم الايرانيون الغاضبون على إحراق صور خامنئي وحسن روحاني، أي انهم يوقدون النار في عباءة الشعارات الدينية التي بنى النظام قدسيته عليها، وفرضها كحكم إلهي ليتستر بها قادة النظام ويبنوا امبراطورياتهم المالية على حساب الفقراء.
قال الإمام علي بن أبي طالب “رضي الله عنه”: ” لو تمثل لي الفقر رجلا لقتلته”، فكيف اذا كان ملايين الايرانيين يرون يوميا أن من يفقرونهم تزداد ثرواتهم ويتعاظم بطشهم، فيما هم يتضورون جوعا؟ أليس أضعف الإيمان أن يخرجوا شاهرين سيوفهم بوجه من جوعهم وبدد ثرواتهم الوطنية وخيرات بلادهم؟
لذا فإن رماد القمع لن يستطيع إخماد جمر الغضب الشعبي المستعر.