رياح السموم الفارسية تسمم العراق بالفتن

0

أن تجتمع النقمة في الجغرافيا والتاريخ على العراق فتلك من النوادر على هذه الكرة الارضية التي لا يمكن الفكاك منها إلا عبر تحويل نقمة الجغرافيا نعمة في التوجه نحو قطع دابر الفتن الآتية عبر الحدود.
منذ عرفت فارس الدولة كان لها مشروع توسع نحو العراق للنفاذ إلى الممر الستراتيجي للعالم القديم، والتحكم بحركة القوافل في طريق الشام بين آسيا وأوروبا وأفريقيا لما تمثله هذه المنطقة من أهمية ستراتيجية، ولهذا كانت بابل الوجهة الأولى لقوروش في مشروعه لإقامة الامبراطورية الفارسية في القرن السادس قبل الميلاد، ومنذ ذلك الوقت دخل العراق نفق الفتن والحروب وتوزع الولاءات، لدرجة ان كسرى الفرس تجرأ على الطلب من المنذر إرسال بناته إليه جواري في قصره.
لم يستتب الأمر للعرب في العراق إلا حين تغلبوا على الفرس في معركة ذي قار، غير ان المحاولات استمرت لإقلاق راحة العراقيين مع بدء الدولة الاموية والفتنة الكبرى التي لا تزال ذيولها توقد إلى يومنا هذا نيران الحروب الداخلية، فكانت الثورات على الحكام بدعم من الفرس مستمرة طوال الدولة الأموية وحتى الخلافة العباسية حين شكل الفرس فرقة من العرب العملاء لهم عرفت بالبرامكة الذين ثاروا على هارون الرشيد فكانت واقعة عام 803 التي عرفت بنكبة البرامكة، وانتهت بإبعادهم عن السلطة.
وكان العراق غرق بالفتن والقلاقل إلى ان جاء الحجاج بن يوسف الثقفي لإخماد الثورة على عبدالملك بن مروان، وفي عهده استتب الأمر للخليفة لأن وليه على العراق عمل على اجتثاث النفاق والشقاق الذي ورثه العراقيون عن الفرس طوال قرون من الاحتلال، وأطلق صيحته الشهيرة:” والله يا أهل العراق إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، والله لكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى”.
طوال تلك المرحلة لم يترك الفرس حيلة إلا واحتالوا بها من أجل استمالة العراقيين وتقليبهم على الحكم العربي، إلى ان جاءت الخلافة العثمانية وبدأت تتغير الأحوال، فرأى الفرس في ذلك فرصة لتعميق الخلاف بينهم وبين العراقيين، وكان لهم الفوز في تشكيل فرق عسكرية مناوئة لدولة آل عثمان.
اليوم يتكرر المشهد الفارسي خصوصا بعد استفحال التدخل بالشؤون الداخلية والاحتلال المقنع الذي تمارسه ميليشيات طائفية موالية لإيران، فتمنع تشكيل الحكومة إلا وفقا للضوابط التي يضعها قاسم سليماني الحاكم الفعلي لبغداد، ولهذا فان الوضع المعيشي البائس والاقتصاد المنهار والحرب الأهلية التي تتجدد فصولها بأشكال مختلفة كلها تجعل أي توقعات بمستقبل زاهر للعراق مجرد أمنيات لا مكان لها في الواقع.
يبدو المشهد العراقي مشابها للمشهد اللبناني في أدق التفاصيل، فإذا كان القادة اللبنانيون بسبب تحكم “حزب الله” بقرار الدولة لم يستطيعوا حكم بلادهم بقرار وطني داخلي، ففي العراق يبدو ان النهج الملالوي بات أكثر قوة في تطويع العراقيين وسوقهم إلى مسالخ مصالحه الاقليمية عبر حروب بالوكالة تارة وطورا مباشرة لكي يبقى العراق ساحة لتصفية حسابات ايرانية إلى ان يقضي الله أمراً كان مفعولاً، ولهذا فإن ما ابتلي به العراق من نقمة الجغرافيا والتاريخ مع الفرس لا حل له إلا بإقفال الأبواب التي تأتي منها رياح السموم الفارسية.

أحمد الجارالله

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

ستة + ثلاثة =