ريمة راعي: “بائعة الكلمات” جزء من ألم الحرب في سورية "أفروديت" بطلة الرواية تعرضت للتنمر والظلم وهي تعيش بيننا لكنها ليست شخصاً واحداً

0 141

* لا توجد رواية متخيلة بالمطلق والحقيقة غير كافية لتصنعها
* رسالتي أن نتعلم كيف نتقبل الآخر ومهمتي إقناع القارئ بالحقيقة
* تغيير حياتنا يتطلب أعجوبة نملكها جميعاً هي أن نعرف من نحن
* أمارس هواية “تدوير الهزائم” لتجاوز أي خيبة أتعرض إليها

القاهرة إيمان مهران:

قدمت صورة مؤلمة لما تعيشه بلدها سورية من أهوال الحرب يوميا، رصدت بعضا منها في شخصية بطلتها “أفروديت” في رواية تضمنت أيضا حلولا عملية لمواجهة مآسي وصعوبات الحياة، ورغم تعرضها لموت والدتها وابنها غدرا برصاصات طائشة وتعرضها للمرض الخبيث، إلا أنها لم تستسلم، بل أقبلت على الحياة بعدما باعت كلماتها للآخرين.
حول رواية “بائعة الكلمات”، ورسالتها للمجتمع، ونصائحها للآخرين، اكدت الكاتبة السورية ريمة راعي في حديث لـ”السياسة أن روايتها جزء من ألم الحرب في التي عانت منها في سورية طيلة تسع سنوات، لافتة إلى أن البطلة تعرضت للتنمر والظلم وأنها تعيش بيننا لكنها ليست شخصا واحدا وأنها تحلم عبر كتاباتها بعالم أكثر رحمة تتجلى فيه معايير الجمال الحقيقية وتقبل الآخر، وفيما يلي التفاصيل:
كيف طرأت فكرة الرواية؟
العالم اليوم قائم على ثنائية الجمال والسلطة، دون وجود تعريف أخلاقي للجمال الذي بات مقياساً للكمال البشري، مما جعل الشخص عرضة للتنمر والشعور أنه خارج لعبة الحياة،والسعادة،وحسن الطالع، بسبب اختلاف المعايير البشرية المحددة للجمال، لأنني أحلم بعالم أكثر رحمة، أردت أن أروي حكاية عن كيف يمكننا تغيير مصائرنا حين نعرف أننا أكبر وأكثر اتساعاً من أجسادنا،أمكنتنا الجغرافية، ومحدوديتنا المادية.
هل يمكن للإنسان تغيير حياته؟
تغيير حياتنا يتطلب أعجوبة واحدة نملكها جميعاً، أن نعرف من نحن بغض النظر عن نبوءات الآخرين عنا، كي أقول كل هذا اخترت أن أحكي حكاية أفروديت، الفتاة القروية الفقيرة التي تحمل اسم ربة الجمال، لكنها لا تملك حظها من حسن المظهر، كان من الممكن أن تقبل بسوء طالعها لولا أنها استمعت إلى صوت قلبها الذي قادها إلى اكتشاف المهنة التي ستغير حياتها وتمنحها ظلّها الفريد على هذه الأرض.
ما الفكرة الأساسية التي تقوم عليها الرواية؟
يمكن تلخيص الفكرة كلها في اكتشاف” أفروديت” مصائر موجودة في الحكايات الخرافية التي تخبرنا أن اللواتي تتحقق أحلامهن هن حصراً الجميلات ذوات الشعر الأصفر،الأنوف الدقيقة، والبشرة البيضاء، في حين تكون الساحرة الشمطاء دائماً هي القبيحة ذات الأنف الكبيرة والشعر الخشن، كما أن الجميلة سينقذها دائماً أمير وسيم قد يكون ضفدعا ً قبّلته فتحول إلى أمير، أخرى ستقبل الزواج بوحش فتزول عنه التعويذة التي سحرته، في حين لا نرى أميراً يقبّل ضفدعة أو يتزوج من امرأة لها هيئة وحش.
لكن الفتيات يفكرن بالفعل بهذه الطريقة؟
هذه الأفكار ليست بالبراءة التي تبدو عليها، فهي ترسّخ فكرة أن معجزات الحياة وأعاجيبها مكرّسة لأجل خاطر الجميلات فقط، وأن الطيبات هن الجميلات، أما القبيحات فهن الشريرات وهنّ دائماً خارج اهتمام الأمراء الذين ينقذون الفتيات، لهذا حين تكتشف “أفروديت ” هذه الحكايات تنحيها جانباً، وتقرر أنها لا تحتاج أميراً ينقذها وأنها ستنقذ نفسها بنفسها، وهذه هي رسالة الرواية.
هل الرواية حقيقية أم من نسج الخيال؟
لا توجد رواية متخيلة بالمطلق، وفي الوقت ذاته الحقيقة كما هي غير كافية لتصنع رواية، هذا هو الفارق بين الحكواتي والروائي، فالحكواتي يحكي الحكاية كما حدثت؛ أما الروائي فلا يكتفي بالحكاية نفسها،بل يروي لنا أحلام أصحابها، وأسرارهم الغائبة عن الحكاية المعلنة، كيف يمكن أن تتغير الحكاية كلها بتغيير تفاصيل قدرية بسيطة، بالنسبة لي الرواية الجديرة بالقراءة تتمثل في”قليل من الواقع وقليل من الخيال ورشة أخيرة من سحر اللغة”.
لماذا اخترت عنوان “بائعة الكلمات” وليس “أفروديت” تيمناً بالبطلة؟
بدأت الحكاية بـ”أفروديت” وبالتناقض الحاصل بين هيئتها واسمها، وتدور أحداث الرواية كلها عن تعرضها للتنمر، وشعورها بالدونية والظلم، وافتقادها الرضا، إلى أن عثرت على الكلمات، التي قدمت لها الوعد بالخلاص، جعلتها تدرك أنه من الممكن أن يراها الآخرون أجمل بمجرد أن تتكلم؛ لذلك اخترت مهنتها كبائعة كلمات لتكون عنوانا؛ إنها في نظري جوهرة التاج في هذه الحكاية.
لماذا غلبت أحداث الحرب على أحداث الرواية؟
أنا من بلد يعيش يوميات الحرب منذ تسع سنوات، في كل بيت من بيوته حكاية حزن وجرح؛ لذلك أردت أن أطلع الآخرين على جزء من الألم الذي عشناه، والذي لا يمكن تخيل أنه ممكن الحدوث.
كيف يمكن للفرد تخطي محن الحرب كما فعلت البطلة؟
استطاعت “أفروديت” تخطي محن كثيرة بعد وفاة ابنها وسبقها موت أمها غدراً، فصنعت من الحزن بيع كلمات، الحياة لن تسير على هوانا، شعورنا بالخيبة لن يغير شيئاً من قوانينها، الحل الوحيد أن نكون أبناء بررة لها، نقبل ما تختاره لنا، نبدأ من جديد حين تغلق أحد أبوابها في وجوهنا.
تدوير الهزائم

هل تنتهجين نفس نهج البطلة؟
نعم، شخصياً أمارس هواية أسميها “تدوير الهزائم” وتحويلها إلى أشياء أكثر فائدة، الكتابة مثلا طريقتي الآمنة لتجاوز أي خيبة أتعرض لها وتحويلها إلى ضوء وحياة.
هل البطلة شخصية واقعية؟
“أفروديت” موجودة في الواقع، لكنها ليست شخصاً واحداً، لقد مزجت عدة شخصيات في شخصية واحدة، كانت النتيجة هذه الطفلة، المرأة، الأم، بائعة الكلمات.
لماذا لجأت” أفروديت” للكلمات لتغيير حياتها؟
اكتشفتها حتى تستطيع انقاذ نفسها بنفسها، بعدما آمنت أن لا أمير سيتولى إنقاذها، فتقرر أن الكلمات ستنقذها، هكذا بدأت مبكرا مهنتها بيع الكلمات.
كيف بلورت فكرة أن القبح ليس في المظهر ؟
بطلة الرواية كانت محظوظة بما فيه الكفاية حتى يقودها القدر إلى من تولى تعريفها على الكتب، لتكتشف أن أي شخص بمجرد أن يعرف كلمات أكثر مما يعرف الآخرون، يصبح بإمكانه أن يقول ما لا يستطيعون قوله، يدفعهم إلى الاستماع إليه عوضاً عن النظر إلى وجهه، بالتالي يعيش حياة مختلفة عن غيره.
كيف استطعت وصف مشاعرها بهذه الدقة؟
مهمتي ككاتبة إقناع القارئ أنني أخبره الحقيقة، حين اكتشفت أن الكثيرين ممن قرأوا الرواية اعتقدوا أن” أفروديت “هي أنا، أحزنهم انني مريضة بالسرطان وأعيش أيامي الأخيرة، فرحت جداً؛ لأنني استطعت أن أتشارك مع بطلتي جميع أحاسيسها، ومخاوفها، وأحزانها، وانتصرت لأجلها إلى حد أنه بات هناك من يؤمن بأنها موجودة فعلاً.
هل الحب الذي حصلت عليه كان حقيقيا؟
الحب الذي حصلت عليه “أفروديت” كان في جميع تفاصيله تعريفاً للحب حين يكون حقيقياً وليس من بللور قابل للكسر، الحب الذي يجعل من يحب ينظر بقلبه وليس بعينيه.
كيف تتغلب الفتيات على الصعوبات التي واجهت البطلة؟
هذا الوقت سيمضي أياً كان، هذا ما أردت قوله، مع التأكيد على أن جزءاً كبيراً من آلامنا سببه أننا لا نعرف قوانين الحياة، نعتقد أن المعاكسات القدرية التي نعيشها مشكلة شخصية بيننا وبين الحياة، في حين أن هذه طبيعتها، من يفهم هذا يتجاوز محنها بسلام وبأقل خسائر روحية ممكنة.
ما نصيحتك لمن يفقدن الثقة في أنفسهن؟
الجمال المنعكس في المرايا وهم، الجمال الحقيقي في كيفية التناغم مع الحياة وترك أثر فيها، إذا كنت تتساءلين إن كنت جميلة، لا تسألي مرآة ولا رجلاً، اسألي عجوزاً ساعدته كي يعبر الشارع، أو طفلاً تسببت في ضحكه، اسألي عريشة الياسمين التي تشمينها دون أن تقطفي أياً من أزهارها، اسألي العطر الذي تتركينه وراءك.
ما الرسالة الإنسانية التي أردت إيصالها للقارئ؟
العالم فيه ما يكفي من الأذى،العنصرية،والتنمر، لذا سيكون من الحكمة أن نقرر أن نكون رحيمين بأنفسنا، نقبل ذواتنا كما هي، ثم نتعلم كيف نقبل الآخر المختلف عنا، ونحبه كما هو.

لغة وأسلوب
هل استعنت بالمراجع التاريخية لكتابة الرواية؟
لا، الكتابة بالنسبة لي فعل بسيط وعفوي جداً، يتطلب فقط أن أمسك بالفكرة، أما الباقي فلعبة لغة وأسلوب ليس أكثر؛ أما توثيق تداعيات هجوم داعش على قرية في ريف اللاذقية فهو من مشاهداتي أثناء عملي كمراسلة لإحدى المحطات التلفزيونية ومما قاله لي شهود عيان على المجازر التي حدثت هناك، أما مداخل الفصول فاعتمدت فيها على اقتباسات من الأدب العربي والغربي، منذ سنوات مراهقتي كلما قرأت كتاباً أحتفظ بالعبارات التي تعجبني منه في دفتر خاص، بالتالي لدي دفاتر كثيرة مليئة بأجمل ما كتبه أدباء حول العالم.
كيف عالجت قضية الأطفال المتوحدين؟
لا أملك ما يمكن قوله لآبائهم، إنهم من يملكون الكلمات وليس أنا، تعاملت مع الكثيرين منهم ورأيت كم التعب،والخوف،والألم،والحب الذي يعيشونه، كل ما يمكن قوله: بوركت أيديكم التي ترعى هدايا الله المختلفة.
كيف ترجمت مجموعتك القصصية” القمر لا يكتمل” إلى اللغة الألمانية؟
اختيرت المجموعة ضمن خمسة أعمال أدبية مثلت الأدب الشاب في سورية في معرض فرانكفورت للكتاب، وترجمت في سياق مشروع “رواة المدن” لمعاهد جوته في شمال أفريقيا والشرق الأوسط.
أي رواية من رواياتك يمكن تحويلها إلى عمل درامي؟
أي رواية قابلة للتحويل إلى عمل درامي، في حال وجود مخرج متمكن.
لماذا تكتبين ولمن؟
أكتب لأنني أريد ترك أثر خاص بي في هذا العالم العجيب والرائع، وأوجه كلماتي إلى إنسان مثلي سيشيخ وهو ما زال طفلاً مليئاً بالأسئلة والدهشة، يبحث عن مفاتيح الحب والسعادة، يتوقع رؤيتها في أغرب الأمكنة ” كتاب مثلاً”.

83792202_2705643026191194_1936246977310228480_n
You might also like