مازال البدو يستخدمون هذه العبارة حين يريدون فراق أحد

«زعلة سنام على طميه»… حكاية جبلين في جزيرة العرب مازال البدو يستخدمون هذه العبارة حين يريدون فراق أحد

22

بقلم: أحمد بن محارب الظفيري*

وادي الرُّمَه: نصفه الشرقي يسمى قديماً (وادي فَلْج) وحالياً يسمى هذا النصف بـ (وادي الباطِن) أو (شعيب الباطِن).
من منا من هواة الأدب والتاريخ العربي لا يعرف (وادي الرُّمَه) الشهير؟ إنه أشهر من نار على علم في جميع كتب التراث العربي من شعر وأدب وجغرافيا وتاريخ.
وكذلك (وادي فَلْج) الامتداد الطبيعي لوادي الرُّمَه طغت شهرته على كل الحدود وتعطرت بذكره ألسنة شعراء العرب منذ العصر الجاهلي ومروراً بكل العهود الإسلامية المتعاقبة، إنه وادي المياه والخير والنماء.
يقول عالم الآثار البريطاني برترام توماس صاحب كتاب «العربية السعيدة» Arabia Felix إنه لاحظ أن وادي الرُّمه لايزال مملوءاً بالصخور الرسوبية والحصى ما يدل على أنه كان في القديم مجرى نهر غزير المياه.
ونحن نقول: إن ما يقوله برترام توماس صحيح مئة في المئة، فأرض الوادي والبر الوسيع المحيط به يعج بالقواقع والاصداف والودع، وكنا أيام الصَّبا والشباب نلتقطها ونلعب بها، وكانت تذكرنا بمياه الأنهار الحلوة، ولا تنس أن نصف الوادي المتجه للعراق اسمه فلْج أي ثَلْج وقلب الفاء ثاءً لغة عند العرب معروفة ذكرتها كتب اللغة فهم يقولون (فوم) بدلاً من (ثوم) و (جدف) بدلاً من (جدث).
وإذا رجعنا إلى معاجم وقواميس اللغة العربية الفصيحة حول اسم الوادي نجد:
الرُّمة والرُّمَّة: قاع عظيم بنجد تصب فيه جماعة أودية.
الرُّمة والرَّمَّه: قطعة من الحبل بالية.
الرِّمَّة، بالكسر: العظام البالية، أو الجثة البالية
الفَلج والفَلّج: النهر أو الماء الجاري.
فَلْج: هو واد بطريق البصرة إلى مكة، ببطنه منازل للحاج. ويسمي الحجاج والمسافرون من العرب الأوائل هذا الطريق بـ»طريق بَن فلج».
ينطلق وادي الرُّمَه وروافده من جبال الحجاز من حرار خيبر الواقعة شرقي المدينة المنورة، ثم يتجه هذا الوادي الى الشرق، وعندما يصل وادي الرُّمه إلى رمال الدهناء العظيمة، فان الرمال تغطيه وتكاد معالمه تضيع بسبب تراكم جبال رمال الدهناء فوقه، ويظهر (وادي الرُّمَه) من الرمال متجهاً إلى الشرق لكنه بعد ظهوره من الرمال غيّر أجدادنا عرب الجاهلية اسمه من (وادي الرُّمَه) الى اسم (وادي فَلْج) واستمر هذا الاسم عالقاً به في العهود الإسلامية، حتى جاء العرب الأواخر وغيروا اسمه إلى (وادي الباطِن).
وخلال انحدار وادي فَلْج – الآن وادي الباطِن – إلى جهة الشرق قامت في بطنه وعلى جانبي هذا البطن وفي مسيل تلاعه موارد آبار كثيرة تطور بعض هذه الموارد فيما بعد وأصبح مدناً مشهورة مثل مدينة حَفَر الباطِن.
هذا الوادي عندما يقترب من شمال الخليج العربي ينفرش بطنه ويشكل شمال الكويت بالقرب من جبل سنام، دلتا واضحة المعالم تتجه تفرعاتها المنفتحة إلى الخليج العربي.

«وادي الرمه» في الموروث الشعبي:

لقد احتل هذا الوادي الطويل (وادي الرمه) ـ الذي يقطع الجزيرة من جبال الحجاز غرباً الى مياه الخليج العربي شرقا ـ جانباً مهماً في الموروث الشعبي لعرب الجزيرة قديما وحديثا، ومازال الحديث عنه شيقا ومحببا عند عرب اليوم كما هو عند عرب الامس.
وسنتكلم عن بعض الروايات والاساطير الشفاهية التراثية الفولكلورية التي تحكي عن هذا الوادي العملاق وعن بعض الموجودات التضاريسية التي لها علاقة به. واللافت للنظر ان اغلب هذه الحكايات الاسطورية والسوالف «القصص» التراثية الخيالية مدونة في كتب التراث العربي القديم ما يدلل على انها موغلة في القدم، وان العرب الحاليين توارثوها من اجدداهم الاقدمين عبر تقادم العصور وتتابع الاجيال. وتحوي هذه الموروثات الشعبية بين مفرداتها الكلامية رموزا واشارات ذات معان غائصة في رحم التاريخ الأقدم. ومع تقدم وتطور علم التراث الشعبي الفولكلور Folklore)) تمكن علماؤه بطرائقهم العلمية الخاصة من تحليل هذه الاساطير والحكايات الخرافية التي كنا قديما لا نعرف معانيها، واستخلصوا منها المعاني الحقيقية المنطقية التي غلفتها الاساطير في مغمياتها ومبهماتها عبر تراكم حكي الاجيال ومنطوقها خلال العصور. ومادة الاساطير الخيالية والحكايات الشعبية الخرافية يدرجها علماء الغرب تحت فرع من التراث الشعبي الفولكلور اسمه الميثولوجيا (mythology).

أسطورة سنام وحبيبته طميّة:

وعندنا اسطورة متوارثة ومتواترة تتردد على افواه عربان البوادي في جزيرة العرب تثبت ان وادي الرمه كان نهراً جاريا في سالف العصر والآوان. تقول الاسطورة الشعبية المتوارثة جيلاً بعد جيل: جبل سنام ـ الواقع شمال الكويت ـ وعشيقته جبل طميه ـ الواقع جنوب عقله الصقور بالمملكة العربية السعوديةـ الاثنان اغتاظا وزعلا على جماعتهما «جبال الحجاز» فانقطعا عنهم، وتحرك الاثنان سنام وطميه من الغرب الى الشرق، ولما وصلا الى نجد توقفت طمية عن المسير ورفضت مواصلة السير الى الشرق على الرغم من إلحاح عشيقها سنام، واخيراً زعل سنام على طميه وواصل المسير وحده الى الشرق، ولما وصل الى موقعه الحالي ـ شمال الكويت وغرب مدينة الزبير ـ تذكر حبيبة قلبه طميه فالتفت الى الوراء لعله يراها فانكسرت رقبته وثبت في مكانه الحالي. وبسبب حركة جبل سنام وجبل طميه انجرفت الارض وانحفر وادي الرمة.
ومن اسطورة جبل سنام الزعلان على جبلة طمية، استوحى البدوي في جزيرة العرب هذه الكلمة او هذا المثل الشائع: زعلة سنام على طميه يقوله البدوي للشخص الذي يزعل عليه وهو يود فراقه ولا يرغب بمراهناته، أي كأنه يقول له: روحة بلا رجعة، وكما قلنا استمد ابن الصحراء هذا المثل المتوارث عبر العصور من الزعل والغيظ الذي حصل بين سنام وعشيقته طميه فهما فعلاً تفارقا بلا عودة!
ومن المؤكد إن البدوي ابن الصحراء العربية المعاصر والقديم، عرف أن جبل سنام منقول من جبال الحجاز، فهو عندما نظر إلى نوعية وطبيعة صخور جبل سنام وجبل طميه وجد أن طبيعة ونوعية صخورهما متشابهة وتشبه طبيعة جبال الحجاز، وبناء على هذه المشابهة تشكلت في ذاكرة الأجيال المتعاقبة هذه الأسطورة الشعبية المتوارثة عبر العصور.

قصة سنام وطميّه تؤكد مقولة العلماء:

لقد توصل العلماء الجيولوجيون إلى أن سطح الأرض قد تعرض في الماضي البعيد لعدة تغيرات مناخية في مختالف العصور، فقد مر بأربع دورات جليدية تفصل بينهما دورات أو فترات دفيئة ذات مناخ جاف لا يختلف عما هو سائد اليوم.
وآخر دورة جليدية مرت على الكرة الأرضية وانتهت هي الدورة الجليدية الرابعة ويسميها العلماء «دورة جليد فرم Wurm» بدأت من سنة 40000 قبل الميلاد وانتهت في سنة 18000 قبل الميلاد. ويؤكد علماء التاريخ القديم والحديث وعلماء طبقات الأرض والحفريات، أن الحضارة الإنسانية عاشت ونمت خلال تلك الفترة الجليدية الرابعة، ضمن حدود شبه الجزيرة العربية، بينما كانت أوروبا وكل الأجزاء الشمالية من الكرة الأرضية مغطاة بالثلوج الهائلة، في حين كانت الحياة والحضارة مزدهرة وزاهية ضمن حدود جزيرة العرب، التي كانت تتعرض خلال تلك الفترة لأمطار غزيرة وأجواء رطيبة معتدلة في كل المواسم شتاءً وصيفاً، وكانت الأنهار الجارية مثل نهر وادي الرمه وغيره يتدفق ماؤها وتخترق هذا الأنهار أراضي الجزيرة من كل صوب لتصب في البحار المحيطة بها. كل هذه العوامل ساعدت على نمو الغابات الكثيفة.
فعاش البشر في بحبوبة من العيش الرغيد يقتطفون ثمار الحياة بكل يسر وسهولة. فسبحان رب العزة والجلال القائل في محكم كتابه العزيز: «وجعلنا من الماء كل شيء حي». وأشار الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل في كتابه «المسند» ورواه كذلك أبوعبدالله الحاكم النيسابوري في كتابه «المستدرك على الصحيحين» فقد ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الاسعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً» ومعنى حتى تعود، إنها كانت فيما مضى «مروجاً وأنهاراً» وستعود في المستقبل مروجاً وأنهاراً مثلما كانت في السابق.
ويؤكد علماء طبقات الأرض والفضاء (الاستشعار عن بعد) والحفريات التاريخية وعلماء التاريخ القديم والحديث وعلماء التراث الشعبي (الفولكلور) بأن جبل سنام وكل الجبال المبثوثة على ضفتي وادي الرمه، أو على ضفتي شعيب الباطن أو الموجود في بطن الشعيب أو في بطن وادي الرمه، كل هذه الكتل الصخرية هي مشابهة وبنفس طبيعة صخور جبال الحجاز وهذه الصخور منقولة بواسطة تدفق المياه في مجرى الوادي في زمن الفترة المطيرة ذات الأنهار الواسعة العظيمة، وهي منقولة من جبال الحجاز حيث الأرض مرتفعة وفيها انحدار إلى جهة الشرق يسمح بنقل الصخور مثل جبل سنام وغيره من سلسلة جبال الحجاز العالية إلى المناطق المستوية القريبة من ساحل الخليج العربي.
يتضح مما تقدم أن العالم اليوم يعيش في الدورة الدفيئة الثالثة التي بدأت في أعقاب دورة جليد فرم المنتهية في سنة 18000 قبل الميلاد، وخلال هذه الدورة الدفيئة التي نعيشها أصبحت أوروبا ممطرة خصيبة، وتحولت أرض الجزيرة العربية تدريجياً إلى صحارى، نتيجة لتغير المناخ من بارد متعدل ممطر إلى حار جاف قليل المطر، فتدفقت موجات البشر «الكنعانيين والعموريين والأكديين والبابليين والأشوريين والاراميين «الكلدانيين» من جزيرة العرب إلى الأقطار المجاورة التي أطلق عليها الغربيون مصطلح «الهلال الخصيب» وهو ترجمة للكلمة الإنكليزية (The Fretile) فصنعوا حضارات فجر التاريخ القديمة التي وصلنا الكثير من أخبارها ومعلوماتها.
ويصف علماء الجيولوجيا علم طبقات الارض وادي الرمه ـ الباطن بانه عبارة عن فالق او كسر في القشرة الارضية حصل في العصور السحيقة نتيجة لحركة زلزال عنيف، وبسبب هذه الزلازل العنيفة التي حصلت في فترة سحيقة، تكونت الوديان الكبيرة التي اصبحت فيما بعد انهاراً جارية، وتكون البحر الاحمر واغوار الاردن وسهل البقاع؟ هكذا يقول علماء الجيولوجيا، والله أعلم.
وصف احد شعراء البادية الشعبيين وادي الرمه بالجمل الواقف الذي رجلاه بالبصرة وزوره في وسط نجد بـ «أبانات» ومكرع يشرب من خباري مياه الحره قرب المدينة المنورة، يقول الشاعر:
رجليه بالبصرة وزوره بابانات
ومكرع يشرب بحوض المدينه
أبانات: اسم بصيغة الجمع اطلقه العرب الحاليون على ما يسمى قديما بصيغة التثنية أبانان وهما جبلان أبان الاسود «حالياً يسمى ابان الأسمر» وأبان الابيض حالياً يسمى ابان الأحمر ويقعان قرب مدينة الرس بالمملكة العربية السعودية وكانا قديما لقبيلة بني خزارة، وهذان الجبلان ابانان اللذان يقعان على وادي الرمه، ذكرهما امرؤ القيس:
كأن «ابانا» في أفانين وبله
كبير أناس في بجاد مزمل
والآن لنرى ماذا تقول كتب المراجع العربية القديمة عن هذه المسميات التي لها علاقة بوادي الرمه:
ذكر امرؤ القيس جبلة طمية عشيقة جبل سنام حيث يقول:
كأن طميّة المجيمر غدوة
من السيل والاغثاء فلكة مغزل
ويذكر ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان ان مالك بن الريب لما نزل قباب الترك تذكر سناماً الموضع الذي في بلاده فقال:
تذكرني قباب الترك أهلي
وقبداهم اذا نزلوا سناما
وصوت حمامة بجال كشّ
دعت مع مطلع الشمس الحماما
فبت لصوتها أرقا وباتت
بمنطقها تراجعني الكلاما
وعن رمال الدهناء العظيمة التي تقطع وادي الرمة حتى تضيع معالمه، لكن اهل المنطقة من بدو الجاهلية وبدو اليوم يعرفون هذه المعالم عندما يتحولون فوق الرمال قالت العرب بخصوص رمال الدهناء هذه الكلمة المأثورة قديما وحديثا :اذا ربعت الدهناء ربعت العرب جمعاء»، وقال احد شعراء العرب:
ألا حبذا الدهناء وطيب ترابها
وأرض خلاء يصدح الليل هامها
وقال الأعشى:
يمرون بالدهنا خفافاً عيابهم
ويرجعن من دارين بجر الحقائب
ودارين جزيرة ساحلية قديمة وهي فرضة شهيرة وميناء تجاري قديم له صيت ذائع في المراجع العربية القديمة.

Print Friendly