من وحي الناس

زمن الوحل من وحي الناس

خالد عبدالعزيز السعد

سمعت صوته، وهو يتثاءب “ابن تراب” ويتمطى كأنما يريد الخروج من جلده ثم قال: كنت افكر اني سأبقى رجلا محافظا على نظافتي في هذا الزمن العكر، زمن يقتلع من كثير من الناس المبادئ، والقيم، والاخلاق، والشرف، والمحبة، وهو يمشي بحذاء من نفط، ودولار، ونقود تدير الرؤوس وتدوس النفوس، وتمحو يده الفرح والحلم، والمحبة، والهناءات، والابداع، ويطفئ القناديل، والمحبة، والحب، والفن، ويحفر اسمه على المدن الاسمنية الهامدة.
زمن من وحل وأصباغ تسكنه قوى الارهاب المتوحشة التي تجز الرؤوس وتسبي النساء، وتفخخ السيارات لتتطاير اشلاء الابرياء في الاسواق، والمقاهي والشوارع وازمات النظام الرأسمالي وديونه التي تنصب وبالا على الفقراء، والشعوب وما تخلفه عليها من اضطرابات، ونزاعات، واحداث كارثية ليتغول حس التملك ووحشة الضمير، وملوثات الاحتيال والخديعة، والانتهازية للعقول، والنفوس، وينتشر في فضاء العالم، يستضيفك كي يفترسك بمخالبه المشحوذة، ويشتري ويبيع الضمائر والعفة والاخلاق، وتنمو الرشوة واضافرها والفساد بكل ابعاده المدمرة، حتى البطون انتفخت بالافك والسمسرة، وتجارة الرقيق الابيض، والاسمر تمريده فتمحو الاشجار والاطفال والاحلام والاسماء والهويات زمن من وحل، يأتي من كل طريق في هذا الزمن الاغبر بعته واشتريت نبيذا، ولجاما لرأسي، ولعيني نظارتين مموهتين، ولوجهي قناعا والجسد العربي يموت ممددا على حفر النمل، يقول ابن تراب سمعت عناقيد النجوم تقول في هذه الايام المغلفة على القذارة، والوحل: ان النظافة ليست سوى اغنية يرددها اولئك الذين يرقصون في الوحل، فتجدد عزمي على التطهير والاغتسال بالوحل كل الوقت ومازلت اتضاءل وانكمش من شدة الاغتسال حتى غدوت لا مرئيا، ثم سمعت ان الاخلاق ماتت لنقص في مناعتها امام الذهب، والدولار، وباقي المعادن النفيسة فلا وجه للاحلام، ولا صوت للقضايا العادلة كقضية فلسطين، ومقاومة شعبها بادوات المطبخ والحروف انغلقت في كتاب الدم والدمع، والتراب تزمل بالموت، وكنت المبشر بالحب… كنت المبشر بالفرح والخصب والاصلاح، وتغيير هذه الحال من التفكك والشرذمة والموت في قوارب الهجرة والاعتداء على الطفولة واستئصال اعضائهم وبيعها ثم قال لي حكيم الليل: التاريخ امطار موحلة، وعندما تجف رياح المستقبل تغدو غبارا فاستنشق ما شئت من اريجه، وانا قد انسلخت عن جلدي كيما اصير اكثر واقعية، وشعبية ورحت اظن ان ركلات الحمير، والبغال مداعبات واقعية فرحت ارقص ودون رشاقة، وتحلق حولي اصحاب الذمم الخربة والانتهازيين والاصوليين الذين اذا قيل لهم : ميلو مالوا – انحنوا انحنوا – ناموا ناموا.
ولكي لا احبط رحت أفلسف الموت في كل شيء دولا ام فردا فقلت هو حالة سكون وثبات دائم ثم رأيت انه حالة رقود ويكون كالسبات الشتوي عند بعض الحشرات والحيوانات والكل لا يحس بالزمن ومروره ثم رأيت ان الموت بدء اليقظة ثم رأيت الحمير، والصراصير اكثر سعادة عندما تغتسل بالوحل، صرخت فيهم ما سر سعادتكم؟ فاجابوني بينما نحن نرقص في الوحل نردد اغاني النظافة ثم نغتسل من الوحل بالوحل قلت انها حياة واقعية حقا، حتى ان الامطار الساقطة من سماء مشرقنا العربي بارعة في صنع الوحول، وقد ظننت ان ركلات الحمير، والبغال مداعبات واقعية، ورحت ارقص دون رشاقة، ومن كثرة استحمامي بالوحل، والاهم قبل ان اقفز الى الوحل ثانية احسست ان مقاومتي قد ضعفت وسد رئتي غبار التاريخ فخارت ركبتاي، وجحظت عيناني، وقام العويل، والنحيب من قبل هيئة الوحول الاجتماعية وغادرت عالم الحمير، والبغال، والحشرات، وجعلوا مني بطلا تراجيديا وكتبوا على قبري هذا الذي لم يستطع الارتقاء الى السماء، ولا السباحة في مستنقع الوحل.

كاتب كويتي