زنادقة الفرس أيام هارون الرشيد عادوا إلى الحياة اليوم

أحمد عبد العزيز الجارالله

في عهد هارون الرشيد، وحين كانت الدولة العباسية امبراطورية مترامية الأطراف لم يكن أمام البيزنطيين والفرس لإضعاف تلك الدولة إلا شن حملات إعلامية، بوسائل ذلك العصر مبنية على المزاعم والحكايات الملفقة، مستهدفة الحاكم ذاته الذي صور على أنه رجل متهتك عربيد، كل همه في الحياة جمع الجواري والسُّكر وإقامة حفلات المجون، فيما كان الرجل يحج سنة ويغزو أخرى، وفي عهده أصبحت الدولة العباسية امبراطورية لا تغيب عنها الشمس حقيقة.
وحين كان الرشيد يبني بيت الحكمة في بغداد، كان زنادقة إعلام ذلك العصر ينسجون حكايات عن خلافاته مع أمه، أو عن غرقه في حل الخلافات بين زوجته زبيدة وحريم القصر، وكأن هؤلاء يعيشون كل الوقت مع الرجل الذي يحكم تلك الامبراطورية، يتابعون كل شاردة وواردة في يومها.
هؤلاء الزنادقة عادوا اليوم عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي يطلقون العنان لخيالهم في نسج حكايات عن بيوت الحكم في عدد من دول “مجلس التعاون” فيؤلفون المزاعم الواهية، مثلا، عن خلافات بين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، أو عن انتحار أمراء في السعودية، كالوليد بن طلال وغيره، أو عن خلافات بين ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد وأشقائه، أو يزعمون أن خلافات نشبت بينه وبين حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد، إلى ذلك فإن خيالهم المريض جعلهم، مثلا، يؤلفون الحكايات عن دور لولي العهد السعودي في استقالة رئيس الحكومة اللبنانية، وأن الرجل محتجز في الرياض، وغرقوا في ترهات التفاصيل علهم يجدون ما يشفي غليل حقدهم على المملكة.
لا يسعني في هذه الحال إلا القول ما أشبه اليوم بالبارحة، فقبل نحو 1240 سنة كانت ماكينة من نوع آخر تعمل حثيثا على تشويه صورة حكم هارون الرشيد، غير أن زنادقة العمالة البيزنطية والفارسية في ذلك العصر كانوا يبثون شائعاتهم عبر تأليف الكتب التي تحتاج وقتا الى الانتشار، والقارئ لها يجد أكاذيب أعظم مما قيل في”الف ليلة وليلة”، فكان الرجل في نظرهم جامع جواري لا يشبع من النساء والخمر والعربدة، حتى ذهبت أقاويلهم أمثلة في التاريخ فإذا أراد أحدهم نعت آخر بالتهتك قال له:”انت مثل هارون الرشيد بالمجون”.
وسائل التواصل الاجتماعي اليوم، الأسرع انتشارا، بات بعضها أشبه بالماكينة الإعلامية التي كانت سائدة في ذلك العصر لجهة اختلاق المزاعم عن المملكة العربية السعودية والإمارات وغيرها من دول “مجلس التعاون” الخليجي، كأن تزعم أن آل سعود في السعودية وآل نهيان في الإمارات وآل خليفة في البحرين وآل الصباح في الكويت باتوا في آخر أيام حكمهم، واقترب سقوطهم، وهي مزاعم من نسج الخيال تكذبها يوميا الوقائع والأحداث، بل إن الأرض التي تهتز تحت أقدام نظام الملالي وأدواته تجعلهم يحسبون قرب انهيارهم انه حالة عامة في الإقليم.
لا تكاد دولنا تخرج من حملة تشويه حتى يدخلوها ثانية في حملة أخرى أشد مرارة، وكل هذا لأن الدول الراعية للجماعات الإرهابية لم تستطع النيل من دول “مجلس التعاون” فدعمت عملياتها التخريبية بحملة أكاذيب إعلامية، تماما مثلما فعلت “الجزيرة” وبعض القنوات اللبنانية في قضية سعد الحريري حين حولت دعوة الرئيس الفرنسي للرجل لزيارة فرنسا نجاحا لوساطة فرنسية مزعومة في الإفراج عنه.
هذه المزاعم روجت لها ماكينة إعلامية متكاملة تابعة لـ”حزب الله” في لبنان ومتناغمة معها منظومة إعلامية حليفة من بعض دول الخليج لم ولن تنال من قافلة التنمية والمشاريع الكبرى في دولنا الماضية في طريقها، غير عابئة بكل هذا الغبار المثار في وسائل التواصل الاجتماعي، وبعض وسائل الإعلام معروفة الهوية، ويديرها زنادقة إعلام العصر الحالي.
في الأيام الماضية قيل الكثير عن الوضع في عدد من دول “مجلس التعاون”، وإنها على شفير الإفلاس أو الانفجار، وكذلك في قضية سعد الحريري، وفيما لم يناقش، أي كان، مضمون استقالة الرجل توقف زنادقة العمالة الفارسية عند شكلها لأن ليس لديهم ما يدعم أكاذيبهم، كذلك لم يقدموا دليلا على مزاعمهم عن سوء الوضع الداخلي في السعودية والإمارات الذي يزعمونه.
مرد هذا كله إلى أمر بسيط جدا، هو التغلغل الفارسي في عدد من البلدان العربية، لاسيما لبنان المثال الأبرز على ذلك، حيث يعتبر “حزب الشيطان” درة تاج مشروع نظام الملالي التوسعي، غير أن المؤسف أن تتجاهل مؤسسات رسمية، مثل رئاسة الجمهورية اللبنانية، حقيقة واحدة وهي أن لبنان حصل في العقود الماضية على استثمارات وودائع سعودية بلغت نحو 75 مليار دولار أميركي، وفي المملكة 300 ألف لبناني يعملون، بينما الاستثمارات الإيرانية في لبنان لا تتعدى 40 مليون دولار، وعدد اللبنانيين المقيمين في إيران لا يتعدى 1200 لبناني، ناهيك عن أن المملكة ودول “مجلس التعاون” الخليجي اضطلعت طوال العقود الأربعة الماضية بدور الإطفائي للتقريب بين الفرقاء المتقاتلين، ورعت “اتفاق الطائف”، بينما الكويت -التي صدر إليها “حزب الشيطان”ما يعرف بـ”خلية العبدلي” الإرهابية- كان لأميرها الشيخ صباح الاحمد، حين كان وزيرا للخارجية، الدور الأساسي، عبر رئاسته للجنة السداسية العربية في وقف الحرب الأهلية والعمل على بلورة “اتفاق الطائف”.
كل هذا ألقت به ماكينة الزندقة الإعلامية العميلة في عالم النسيان وراحت تنسج القصص والروايات عن دول”مجلس التعاون”، لأنها بكل بساطة لا تتمتع بحرية البصر فهي لا ترى إلا ما يراه مشغلها الفارسي، بل تتحدث بصوته، فتعود إلى البحث في قبور التاريخ لتنبش جثث الحكايات وتتعيَّش عليها، فإذا كان التاريخ يعيد نفسه بالنسبة إلى هؤلاء، يفوتهم أن سعد الحريري، مثلا، الموجود في باريس حاليا لن يغير ما قاله في بيان استقالته، لأن التاريخ هنا يكتبه أصحابه، فيما زنادقة الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي المتحدثون باللكنة الفارسية يُملى عليهم التزوير.