زواج الأرملة والمطلقة… وثيقة اتهام مجتمعنا الشرقي لا يتفهم حاجتهما إلى رجل يحميهما

0

القاهرة – مي مجدي:

بمجرد حدوث الطلاق، أو وفاة الزوج، تقع المرأة في حيرة شديدة ما بين الزواج مرة ثانية لتتمتع بحياتها وأنوثتها وتعيش عمرها كأي زوجة، وبين رفض خوض التجربة مرة أخرى رافعة شعار» لا للزواج» حتى تكرس حياتها من أجل تنشئة الأبناء وتربيتهم، خصوصا أن المجتمع دائما ينظر نظرة اتهام للمرأة التي تبحث عن نفسها مضحية بأبنائها، لذلك تظل حائرة ما بين استكمال حياتها بالزواج أو التفرغ لتربية الأبناء.
حول حق المرأة المطلقة في الزواج ثانية أو تنازلها عن من أجل أبنائها ومتي تفضل أحدهما على الآخر؟، أجرت «السياسة»، هذا التحقيق مع عدد من المتخصصين.
تؤكد الدكتورة هبة عيسوي، أستاذ الطب النفسي، كلية طب عين شمس، أن المرأة عندما تفقد زوجها بالطلاق أو الوفاة، تصاب بصدمة نفسية يصاحبها شعور كبير بالحيرة حيال ما تتخذه من قرارات صعبة في حياتها، أصعبها عندما تجد نفسها أمام اختيارين، ما، اما أن تهب نفسها لأبنائها الذين سيكونون كل حياتها بعد ذلك، أو أن توافق على الزواج مرة أخرى من أجل الانفاق على الأبناء وبدء حياة جديدة مع شخص جديد، حتى لا تضيع عمرها في تربية الأبناء. كاشفة أنه في المجتمعات الشرقية ترفض كثير من الأمهات الزواج من أجل تربية الأبناء، حتى ولو اضطرها ذلك أن تخرج للعمل للانفاق عليهم وتوفير حياة كريمة تليق بهم، لارتباط مفهوم الأمومة، في أغلب الثقافات الشرقية، بالتضحية وتغليب مصلحة الأبناء على باقي مكونات الحياة، خصوصا أن المطلقة أو الأرملة تحاول اثبات وجودها في المجتمع، بما لا يجعلها أقل في نظر المحيطين بها من المرأة المتزوجة، الفتاة غير المتزوجة، فهي تريد أن تظهر أمام الجميع بأنها أكثر عطاءا وتفاعلا، للمجتمع ولأبنائها.

امرأة طبيعية
ولا شك أن للطلاق تأثيرا سلبيا على نفسية المرأة، يحدث لها هزة قوية من داخلها، خصوصاً عندما تتعرض لموقف يصف حالتها الاجتماعية بالمطلقةـ لذلك فان كثيرا من السيدات يفضلن لقب غير مرتبطة، عن لفظ مطلقة، اذ يعتبر لفظ المطلقة وصمة عار في الكثير من المجتمعات الشرقية، بالطبع هذه التأثيرات الاجتماعية والنفسية تؤثر على المطلقة في حياتها وتعاملها مع أفراد المجتمع، حتى في خروجها من المنزل، لذلك تفضل الكثيرات منهن، البقاء في المنزل، تربية الأبناء، عدم الاحتكاك بالمجتمع. مشيرة إلى أن المرأة، خصوصاً المطلقة، تصاب بأزمات نفسية بعد انفصالها عن زوجها، أولها انعدام الثقة بالنفس لعدم تقدير الرجل لأنوثتها، لم تعد تجذب الجنس الآخر، لم يعد الرجل ينظر لها كونها امرأة طبيعية، تتعرض للكثير من التساؤلات المحرجة، أبرزها، لماذا تم الطلاق؟، ما الذي أدي بكما إلى هذا؟، لذلك تخجل من مواجهة العالم الخارجي، لأنها غالبا ما تضع نفسها في موضع الاتهام، تنظر لنفسها نظرة مشوهة، قليلا ما نجد امرأة مطلقة قوية تمدح نفسها وتفتخر بقرارها.

أيهما أفضل
تقول الدكتورة دعاء راجح، استشاري العلاقات الزوجية والأسرية: عندما تقرر المرأة الاستغناء عن الزواج من أجل تربية الأبناء، تكون أمام طريقين، اما أن تفشل في مهمتها أو تنجح في مواصلة الطريق، وأن كانت الاحصائيات تقول بأن نسبة لا يستهان بها من النساء يقفن في منتصف الطريق، لعدم استطاعتهن المواصلة، يستسلمن لمتطلبات الحياة ، بينما البعض الآخر يفشلن في مراقبة الأبناء، ملاحقتهم خارج المنزل، تقديم النصيحة لهم، فتشعر المرأة وقتها بالانهيار، عدم استطاعتها تقديم واجبها على أكمل وجه، خصوصاً عندما لا يستجيب الأبناء لنصائحها. ولكن لا يمكن تعميم هذه النماذج لأن هناك الكثير من السيدات استطعن مواصلة الطريق، من خلال التحلي بالصبر، الوقوف أمام جميع التحديات التي واجهتهن في مشوارهن وكفاحهن، فتكون الواحدة منهن ثابتة أمام المسؤولية التي أصبحت جزءا لا يتجزأ منها، لا تستطيع التخلص منها، تشعر بالسعادة عندما تشعر أنها أحسنت تربية أبنائها وأنها جنت حصاد تلك التضحية.
وعن نظرة المجتمع للمطلقة أو الأرملة تضيف: هذه النظرة تتمحور في أنها صارت مطمعا للرجال، تصاحبها سلوكيات أخرى، تبدو كأنها فريسة، دون تقدير لحجم المعاناة النفسية والجسدية التي تشعر بها بمجرد فقدان زوجها وتحملها للمسؤولية بمفردها. لذلك تفضل المجتمعات الشرقية أن تضحي المرأة من أجل أبنائها وأن لا تتزوج حتى لا تكون خائنة لزوجها الراحل اذا كانت أرملة ومهملة لأبنائها، وتتجاهل هذه المجتمعات دوافعها المطلقة أو الأرملة للزواج مرة أخرى، مثل عدم امتلاكها لمصاريف المعيشة أو احتياجاتها الشخصية، وفي الغالب تخضع المرأة لهذه النظرة المجتمعية حتى تتجنب النظرة السلبية لها حال اختيارها الزواج من شخص آخر.
ولا يتوقف الأمر على نظرة المجتمع بل هناك أيضا نظرة الرجل المطلقة أو الأرملة وخصوصا التي لديها أبناء، فهو اذا تزوجها يكون فقط لاشباع غريزته وليس لشخصها، لأنه لا يساويها بالتي لم تتزوج من قبل، ولا يمنحها نفس الحقوق التي تتمتع بها الزوجة العادية، أيضا قد تحمل نظرته لها قليلا من الدونية، لهذا تفضل المرأة أن تخلق بوتقة لنفسها وأولادها، بعيدا عن العالم الخارجي، وحتى لو اتخذت قرارا بالزواج، فان ذلك يضعها في صراع بينها وبين أبنائها، وبينها وبين زوجها الجديد، الذي يريد أن يستحوذ عليها، يبعدها عن أبنائها، الوضع الذي يرفضه الأبناء، لأنهم لا يمكن أن يتقبلوا وجوده على أنه أب بديل لهم، وقد ينتج عن ذلك مقاطعة الأبناء لأمهم عندما تقرر الزواج، يتصرفون معها بنوع من العدوانية غير المقبولة. لافتة إلى أن الأمر يختلف تماما للمرأة التي ليس لديها أبناء، فهي هنا تكون أوفر حظا ولها أن تقرر أن تعيش لشخصها واسعاد نفسها سواء بتحقيق ذاتها في العمل أو الدراسة، أو الزواج.

الأسرة الفردية
تقول الدكتورة سامية الساعاتي، أستاذ علم الاجتماع، جامعة عين شمس، : بقاء المرأة بدون زواج ينتج عنه وجود أسر تقودها النساء، الذي يعرف في علم الاجتماع باسم «الأسرة الفردية»، التي تتبع لفرد أسرة واحد، هذه الظاهرة لا تتواجد في المجتمعات الشرقية فقط، اذ أجريت الكثير من الدراسات في المجتمعات الغربية، فاكتشفت وجود ذلك أيضا، وفي هذه الأجواء كانت هذه الأسر تعاني من فقدان التوازن العاطفي، الخوف من الآخر، بعض الأطفال فيها يخافون من الحياة مع والدتهم بمفردها خوفا من معايره زملائهم لهم، بينما نسبة قليلة يؤيدون فكرة زواج الأرامل والمطلقات.

زوج الأم
يقول الدكتور طه أبو حسين، أستاذ علم الاجتماع، الجامعة الأميركية بالقاهرة إلى أن وجود رجل غريب في الأسرة يمكن أن تصاحبه بعض الجوانب الايجابية، خصوصا اذا نظر الزوج لهؤلاء الأطفال على أنهم أبناء زوجته التي أحبها، بدأ في توفير احتياجاتهم المادية والثقافية، عدم التفريق في المعاملة بينهم وبين أبنائه اذا كان لديه أبناء، لأن ذلك يخلق نوعا من السكينة والراحة النفسية في المنزل. بالطبع تعود هذه المعاملة على تنشئة الأطفال وتكوين شخصيتهم فيكونوا أسوياء، أما اذا كان الزوج أنانيا رافضا لهؤلاء الأطفال، هنا يعود الزواج بنتائج سلبية، حيث يشعر الأطفال بالغربة في منزلهم، أنهم أشخاص غير مرغوب فيهم، فيميلون إلى مصاحبة أشخاص أكبر منهم سنا، يقودهم ذلك إلى اتخاذ طريق مجهول من الانحراف، وهو ما يؤثر بدوره على الأم أيضا، التي ستشعر بالندم تجاه أبنائها، التقصير في حقهم، تفضيل مصلحتها الشخصية على مصلحتهم، تبدأ في الندم من اتخاذ قرار الزواج، يجعلها مشوشة، تفكر في الطلاق، ورغم كل ذلك لا يجب أن يكون الفشل في الزواج هو نهاية الطريق، فعلى الأرامل والمطلقات الدخول في علاقة زواج أخرى مع رجل جديد، مرة واثنين، حتى ولو فشلت، ربما تجد تجربة ناجحة مع زوج أحدهم.
يتابع: تختلف نظرة المجتمع للمرأة المطلقة أو الأرملة، حسب ثقافة المجتمع الذي تعيش فيه، فالمجتمع غير المثقف ينظر لها نظرة متدنية ويجردها من جميع الحقوق والواجبات الشخصية، ويجعل كل مسؤولياتها تتركز حول أبنائها، موضحا أن ليس شرطا أن المرأة الأرملة أو المطلقة، التي لم تتزوج، وتتفرغ لأبنائها تكون المحصلة تربية ذات أخلاق عالية، بينما التي تتزوج، تنشئ أطفالا غير أسوياء، فقد تفشل التي لم تتزوج في تربية أبنائها تربية والعكس، لذا على المجتمع أن يشجع المرأة المطلقة والأرملة، على الزواج مرة أخرى، ألا يحرمها من حقها في الحياة، أن يقف بجانبها في تربية أبنائها، لأنها امرأة قوية جمعت بين الرجل والمرأة في وقت واحد. مشيرا إلى أنه وجد في احصاء أجري مؤخرا، أن الأرامل اللاتي توفي عنهن أزواجهن بداية من عمر 25 إلى 32 عاما، حققن نسبة نجاح 58 في المئة في الزواج مرة أخرى، في المقابل حققت المطلقات نسبة أقل، كانت النسبة الأنجح من اللاتي ليس لديهن أطفال، لأن المرأة المطلقة لها ثقل في الميزان الاجتماعي، لان الانفصال كان بسبب أمور سلبية لديها او لدي الزوج، بينما الأرملة تكون أثقل، لأنها ترملت دون رغبة منها.
ودوافع المرأة للزواج مرأة أخرى بعد الطلاق أو وفاة زوجها، لا تقتصر على الرغبة في الحب والزواج مرة أخرى، أي ليس لاشباع غرائزها، لكن لرغبتها في وجود مصدر دخل لها، تنفق به على أبنائها اذا كانت غير قادرة على العمل، يكون الدافع، في هذه الحالة، من أجل أبنائها، خصوصاً مع المشكلات والصعوبات الكثيرة التي تتعرض لها، للحصول على النفقة مع زيادة متطلبات الحياة، لذلك يجب عدم القاء اللوم على المرأة التي تتزوج مرة أخرى، وضعها في بؤرة الاتهام، لأنها لم تفعل شيئا خارج القانون أو غير شرعي لكنه حق من حقوقها. خصوصا أن الرجل عندما يقرر الزواج من امرأة مطلقة، فانه يبحث عن زوجة ثانية أو ثالثة لكي يكتفي من الناحية الغرائزية، بينما ينظر بعض الرجال إلى هذه المرأة على أنها للاستمتاع فقط.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

2 × ثلاثة =