وثائق بوت اباد تروي حقيقة 20 عاماً أمضاها زعيم "القاعدة" مع أبنائه وأحفاده يتجرعون الخوف

زوجات بن لادن… من ترف القصور إلى بؤس الكهوف وثائق بوت اباد تروي حقيقة 20 عاماً أمضاها زعيم "القاعدة" مع أبنائه وأحفاده يتجرعون الخوف

* زوّج بن لادن ابنته فاطمة وعمرها 12 عاماً لبوغيث الكويتي
* الزوجة الرابعة لأسامة بن لادن أنجبت له مزيداً من الأطفال

تكشف المقاطع المصورة، والصور المختلفة التي تضمنتها وثائق أبوت آباد، بوضوح، أن زعيم القاعدة أسامة بن لادن، فرض حياة البؤس والخوف، على زوجاته وأبنائه، وذلك على مدى أكثر من عقدين.
ويلمس المُشاهد، لهذه الصور والمقاطع، كيف حكم ابن وسليل أسرة من أحد بيوتات المال والأعمال الشهيرة بالسعودية، على أبنائه وأحفاده، بالتحول إلى مطاريد في الصحارى وبين الجبال والكهوف، بملابس رثة، من دون لغة، أو هوية.
فلم يكن الجيل الثاني من أسرة بن لادن، محظوظاً بالقدر الكافي ليجيد الحديث باللغة العربية، كما يجيدون اللغات الباكستانية، والأفغانية المتنوعة، كالبيشتو، والأردو، لتنسجم هذه اللغات، أيضا مع الملابس الأفغانية التقليدية، التي يرتديها الأطفال ذكورا، واناثا، وبالمقابل استبدلت زوجات “بن لادن”، التشادري والبرقع الأفغاني بالعباءة الخليجية التقليدية.
كان اللافت أيضا فيما برز من المقاطع والصور، حيرة أشباه أحفاده، التي كما بدي أنها لم تنتم لموقع جغرافي محدد، ما بين الشعور الشقراء والعيون الزرقاء، وآخرين استطاعوا أن يحملوا شيئا من الملامح الخليجية.
ولا غرابة في ذلك، فلم يكن ليجد أسامة بن لادن، سبيلا في الحفاظ على أواصر تنظيمه “العالمي”، سوي بمصاهرة رفاقه من قيادات الجماعات المصرية المتطرفة، ومن بينهم ابنة أبي حفص المصري أو “محمد عاطف”، التي زوجها أسامة من ابنه “محمد”، أما سعد، فاختار الزواج من السودان، بابنة أحد رفاق والده، فيما تزوج حمزة، من ابنة أبو محمد المصري “محمد الزيات”، واتخذ عثمان “صفية”، ابنة سيف العدل، زوجا ثانية له.
أما بنات ابن لادن، فيبدو أن زعيم القاعدة، لم يكن ليبتعد كثيرا عن نسق العادات والأعراف المتبعة في منطقة الخليج، بعدم تزويج الفتاة لمن هم من غير الجنسية السعودية، أو الخليجية، فزوج خلال اقامته بقندهار، ابنته فاطمة العام 1999م، من سليمان بوغيث الكويتي، وعمرها حينها لا يتجاوز 12 عاما، وزوج ابنته الأخرى “خديجة”، من عبد الله الحلبي من المدينة المنورة، وعمرها 11 عاما، ولم يتبين من الوثائق زواج كل من مريم، وسمية، وايمان التي كانت ممن أقاموا من أفراد أسرة بن لادن، في ايران قبل فرارها إلى السفارة السعودية.ويبدو من الوثائق، أن الحظ لم يسعف ابنه “خالد”، في الزواج الذي كان ساعيا اليه، ومتشوقا له وذلك بعد أحداث 11 سبتمبر، وبحسب تكليف أسامة بن لادن، لابنته الكبرى خديجة المقيمة في وزيرستان (توفيت العام 2009)، بالبحث عن عروس مناسبة له، فما كان منها الا أن ترسل له صورا لعدد من الفتيات، لاختيار واحدة منهن، ووفقا للمواصفات التي شرحها خالد، في رسالة له، فهو يرغب في أن تكون “جميلة وذات خلق وبكراً”، حتى استقر الاختيار العام 2009، على ابنة قيادي مقرب من “ابن لادن”، ويُعرف بـ”أبي عبد الرحمن”، أو كما يشار اليها عائلة “البي أم”، الا أنه وبسبب الظروف الأمنية عجز خالد، الذي كان يقيم مع والده في أبوت آباد، عن اتمام زواجه، قبل أن يلقي حتفه في 2011. وهذا ما يفسر وجود صور عدد من الفتيات، ضمن وثائق بن لادن، اضافة إلى مقاطع أخرى تظهر فيها نساء كبيرات بالسن يرجح أن يكن زوجات لمرافقي بن لادن.
في المقاطع تتجلى حقيقة البؤس الذي تكابده نسوة مقاتلي القاعدة، بمعاناة شظف العيش والحرمان من أبسط متطلبات الحياة، لاعبةً مع ذلك دورا مهما في توفير احتياجات أمراء القاعدة، فالي جانب الانجاب لمزيد من الورثة، كان عليهن توفير المأكل والمشرب دون وجود كهرباء، أو ثلاجات أو حتى ماء، في منزل متهالك تكتظ غرفه بالأطفال.
وتتنوع مشاهد الأطفال من أبناء وأحفاد ابن لادن، سواء أكان لمن حالفهم الحظ، وبقوا معه في مخبئه، ومن تشتتوا ما بين وزيرستان، وايران، ومنهم من تيتم في سن مبكرة، وغيرهم لم تكن لديه القدرة أو الرغبة الكافية للبقاء على قيد الحياة، في ظل الظروف المعيشية السيئة والاصابة بالملاريا والتيفوئيد.
ومع ذلك كانت هناك لمحات لشيء من براءة الأطفال الذين لم يدركوا أن من حولهم هم من أبرز المطلوبين على قوائم الارهاب الدولية، بالرقص تارة على مقاطع موسيقية، والاتخاذ من الأعواد والحجر لعبة مسلية تارة أخرى، أما في الأعياد فتكون الجائزة باصطحابهم للعب بالمراجيح في احدى الحدائق المتهاكلة.
الى جانب ما احتوته الوثائق من مقاطع لأفلام كرتون مختلفة ككابتن ماجد ومشاهد أخرى كوميدية، وأناشيد غنائية، حاول الأطفال من خلالها قطع الوقت الطويل، والذي حتما يمر ببطء في المخبأ الذي فرض عليهم، وحرمهم حتى من ارتياد المدرسة، التي كانت محرمة بالأصل على بنات بن لادن.
تفاصيل كثيرة سبق أن تحدث عنها كل من “نجوى غانم”، الزوجة الأولى لأسامة بن لادن، وابنها “عمر”، في كتاب جمعهما معا بعنوان “انه بن لادن”، الصادر في العام 2011، وكان نص المذكرات أشبه بتجسيد وتفسير لبعض المقاطع المصادرة من مخبأ زعيم القاعدة، ما جعل المشاهد على مقربة من تصور الحياة التي فرضها أسامة بن لادن على زوجاته وأبنائه وصولا إلى الجيل الثاني من أحفاده.
ولمن يقرأ الكتاب سيجد فيه مكاشفة ومصارحة أكثر من كونه مذكرات، سعى فيها عمر إلى ايصال ما لم يتمكن من قوله بوجه والده زعيم وأمير القاعدة طوال سنوات اقامته معه، والذي كان واثقا أنه سيطلع عليه ويقرأه.
ومنذ العام 1990م، أبلغ أسامة بن لادن أسرته الكبيرة والمكونة من أربع زوجات و14 ابنا، بأن عليهم ترك كل ما يتعلق بهم في السعودية إلى الأبد، والانتقال إلى العاصمة السودانية “الخرطوم”، والتي لم تكن سوي المحطة الأولى لهم قبل الوصول إلى جبال تورا بورا، وأخيرا إلى مضافات طهران.
18 فرداً صعدوا الطائرة المركونة في مطار جدة شملت “نجوى غانم”، ومعها أبناؤها الثمانية، وهم عبد الله (15 سنة)، وعبد الرحمن (13 سنة)، وسعد (11 سنة)، الملقب بـ”الجوكر”، وعمر (10 سنوات)، وعثمان (8 سنوات)، ومحمد (6 سنوات)، وفاطمة (4 سنوات)، وايمان (سنة واحدة)، اضافة إلى الزوجة الثانية خديجة الشريف، برفقة أبنائها الثلاثة، وهم، على (7 سنوات)، وعامر( سنتين)، وعائشة، وكذلك زوجة ابن لادن الثالثة، “خيرية صابر”، برفقة ابنها الوحيد حمزة (3 سنوات)، وريث تنظيم القاعدة، كما شاء لرعاته أن يقرروا.
والى جانبهم كانت زوجة بن لادن الرابعة “سهام صابر”، مع أبنائها الثلاثة خديجة (4 سنوات)، وخالد (3 سنوات)، ومريم سنة واحدة.
وبعد الاقامة لمدة خمس سنوات بالسودان في حي الرياض، بمنزل مكون من ثلاثة طوابق، ويحوي 22 غرفة، أنجب خلالها “ابن لادن”، المزيد من الأطفال كان منهم ثلاثة أطفال، فأنجبت سهام صابر، ابنها الرابع عامر، وابنتها سمية، وأنجبت خديجة، ابنتها الأولى عائشة، أما نجوى فأنجبت ابنها لادن، الذي غير أسمه إلى “بكر”.
تلقى بن لادن من الحكومة السودانية طلب ترحيله إلى أي وجهة يحددها، فجاء اختياره، بالانتقال إلى جلال آباد، ومنها إلى جبال تورا بورا، حيث أهداه الملا نور الله أحد جبالها للاقامة فيه مع أسرته ومقاتليه.
الا أن محطة السودان، كانت فارقة في حياة أسرة بن لادن حيث بدأ الانشقاق يدب وسط أفراد أسرته، بعد قرار زوجته “خديجة الشريف”، بالعودة إلى السعودية مصطحبة أبناءها الثلاثة علي، وعامر، وعائشة، وما أن مضت فترة قصيرة حتى لحقها كل من عبد الله (15 سنة)، الابن البكر لأسامة بن لادن.
ووفقا لما ذكره “عمر” في مذكراته، والذي قرر الرحيل عن والده العام 2000، فانهم تلقوا صدمة كبيرة، شكلها قرار سحب الجنسية السعودية منهم، والاستعاضة عن ذلك بالجنسية السودانية، اضافة إلى ازالة شهرة بن لادن، لتنسب أسماؤهم إلى “محمد عوض عبود”.
وفي جبال تورا بورا، الذي خصص فيها، ابن لادن لزوجاته الثلاث وأبنائه، ثلاثة كهوف متجاورة، أنجب فيها المزيد من الأبناء، فأكملت نجوى أطفالها، بابنتها “نور”، الرقم 11، قبل أن تلتحق بهن من اليمن الزوجة الرابعة “أمل السادة”، لانجاب المزيد من الأطفال، الذي تضاعف عددهم بعد اقامته في مخبئه بأبوت آباد.
فكما جاء في رسالة لخالد 2010م، وجهها لأحد أشقائه سرد فيها أحدث أبناء بن لادن، وهم: آسيا (7 سنوات ونصف)، وعائشة أكبر منها بأشهر قليلة، وابراهيم (6 سنوات)، وأسامة أصغر منه بشهر، أختي زينب عمرها 4 سنوات، وشهرين، وسهام أصغر منها ببضعة أشهر، والحسين (سنتانو نصف السنة)، أصغر الأبناء، وصفية، وعبد الله، وبذلك يرجح أن يكون عدد أبناء “ابن لادن” قد قارب الـ 30 ابناً.
في 2011 سمحَ أخيرا بن لادن لزوجته نجوي، بالرحيل إلى سورية مصطحبة فقط ابنها الأكبر عبد الرحمن، الذي يعاني مرض التوحد، وابنتيها رقية، ونور، ومنعها ابن لادن من اصطحاب ابنتها ايمان وابنها لادن، رغم معرفته بما سيقع على أسرته، بعد ضربات برجي التجارة العالمي.
وكان نصيب ايمان (10 سنوات)، ولادن (6 سنوات)، الاقامة في ايران لمدة تسع سنوات، قبل أن يسمح لهما النظام الايراني، بالذهاب إلى سورية، والانضمام إلى والدتهما التي فارقتهما أطفالا.
بالمقابل كان نصيب الزوجات الثلاث الأخريات، و11 طفلا، برفقتهن في أبوت آباد، العودة من جديد إلى أسرهن بعد أن تسلمتهن السلطات الباكستانية، وانهاء محكومية السجن لمدة العام لدخول الأراضي الباكستانية بطريقة غير قانونية.
وفيما يتعلق ببنات بن لادن، توفيت خديجة زوجة عبد الله الحلبي في 2009، بعد وضعها لابنتها الخامسة “فاطمة”، في وزيرستان، الا أن شقيقتها فاطمة زوجة سليمان بوغيث كانت أوفر حظاً حيث خرجت من ايران، وعادت إلى أسرتها برفقة أبنائها في 2013، إلى جانب شقيقتيها سمية، ومريم.
أما نصيب الأشقاء سعد، وعثمان، وحمزة، ومحمد، فكان الالتحام بالقاعدة بمصاهرة قيادات جماعتي التكفير والهجرة، والجهاد، قبل أن يُقتل سعد بغارة جوية لطائرة دون طيار بعد خروجه من ايران، ويبقي مصير الآخرين مجهولاً باستثناء حمزة الذي بات أداة طيعة بيد رفاق الأب القدامي، مستكملا بذلك ما كان يطمح اليه الأب زعيم القاعدة، قائلا وفقا لشهادة ابنه عمر: “على أولادي أن يكونوا أصابع يدي اليمني، وعلى أفكاري أن تسيطر على أعمالكم تماما كما يسيطر عقلي على حركة أطرافي”.
في النهاية، قُتل الأب زعيم أخطر تنظيم ارهابي، وارتهن الأبناء بيد القيادات المصرية، بعد أن كان حلمهم في يوم ما الهروب من سفوح جبال تورا بورا على ظهور الخيول، قبل أن يطبق التنظيم بنفوذه على عدد منهم.
$ نقلاً عن ” العربية نت”