مشكلة تهدد الأسرة بالضياع

زوجي… هارب مشكلة تهدد الأسرة بالضياع

التربية الخاطئة وعدم القدرة على تحمل المسؤولية والفشل الجنسي أهم أسباب الهروب

من حق الزوجة أن تقيم دعوى طلاق بعد تغيب زوجها أكثر من ثلاثة أشهر

القاهرة – مي مجدي:
انتشرت ظاهرة هروب الأزواج من زوجاتهم بشكل كبير، بينما تعددت الأسباب بين عدم القدرة على تحمل المسؤولية وأعباء الحياة، الضعف الجنسي الذي أشعر الزوج بضعفه أمام زوجته، الغيرة، النكد، غيرها كثير من الأسباب التي تقف الزوجة أمامها عاجزة عن التصرف.
وكشفت دراسة للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن عدد الأزواج الذين يهربون من زوجاتهم في تزايد مستمر، أصبحت من الظواهر التي تهدد المجتمع بصفة عامة والحياة الأسرية بشكل خاص، اذ وصل عدد الأزواج الهاربين من زوجاتهم إلى 18 ألف زوج، في حين تقدمت 11 ألف زوجة إلى محكمة الأحوال الشخصية لطلب الطلاق بسبب هروب أزواجهن، في حين لم تفقد حوالي 7 ألاف زوجة الأمل في الزوج وقد أرجعت الدراسة سبب هروب الأزواج من زوجاتهم إلى سببين، عدم القدرة على تحمل المسؤولية ، أما الثاني فهو عدم قدرة الزوج على التفاهم مع زوجته، عدم القدرة على النقاش والوصول إلى حل لمشكلاتهما، ما جعل الحياة الأسرية شبه مستحيلة.
حول أسباب هذه الظاهرة، نتائجها، آثارها على المجتمع والأسرة، كيفية مواجهتها، طرق الحل، أجرت «السياسة»، هذا التحقيق.
تقول أم محمد: هرب زوجي منذ أكثر من 3 سنوات، لا أعرف له مكان، لا أدري ماذا أكتب في بطاقتي الشخصية أرملة أم مطلقة أم زوجة هرب زوجها منها ولم يعد؟، أشعر بحيرة شديدة عندما يسأل أبنائي عن أبيهم فلا أستطيع الرد، كما أنهم يشعرون بالحرج والانكسار عندما يسأل المدرسون والزملاء عن أبيهم، عن عدم حضوره لمجلس الآباء، لا أستطيع أن أفعل لهم شيئا، كم تمنىت لو كنت أرملة أفضل من هذا الموقف المحرج الذي وضعني فيه زوجي، الذي لا يكلف نفسه زيارة أولاده ويطمئن عليهم.
تقول بسمة أحمد: زوجي هرب من المنزل بعد 5 أشهر من الزواج بسبب فشله في ليلة الدخلة، لم يستطع أداء مهامه الزوجية ما جعله يشعر بالنقص أمامي، بعدها اختفي، لم يعد إلى المنزل، مر أكثر من عام منذ زواجنا ولا أعرف عنه أي شيء، ينظر الجيران والاقارب إلى بعين الشفقة، يتساءلون عن سبب هرب زوجي، لم أتعد الثلاثين من العمر ولا أستطيع الزواج مرة أخرى لأنني لازلت في عصمة زوجي المختفي.
معنى الرجولة
محمد ابراهيم: الرجل الذي يهرب من منزله تاركا زوجته وأبناءه لا يسحق لقب رجل، لأنه فقد معنى الرجولة، فالرجل الذي لا يستطيع أن يتحمل مسؤولية بيته وأبنائه لا يجب أن يتزوج منذ البداية، لأن الزوجة أمانة في رقبة زوجها، سوف يحاسب عليها ومن غير الطبيعي أن يتركها بلا سبب لمجرد أنه لا يستطيع تحمل المسؤولية أو أنها تعكر صفوه حياته، فكل مشكلة ولها حل.

أسباب الهروب
الدكتورة زينب مهدي، استشاري الصحة النفسية، قبل الحديث عن أسباب هروب الأزواج، لابد أن نعرف جيدا ماهية الزواج، انه رباط مقدس بين الزوجين، لكل منهما حقوق وعليه واجبات، من أهم واجبات الزوج، تحمل مسؤولية الزوجة والأولاد، بالتالي عندما يجد الزوج نفسه أمام مسؤولية كبيرة غير قادر عليها يبدأ في الاتيان بتصرفات غريبة، تصدر عنه سلوكيات غير متوقعة وغير مدروسة، قد يترك منزل الزوجية ويختفي، لاشك أنها ظاهرة غريبة إلى حد كبير بالنسبة لمجتمعاتنا الشرقية. هذا الهروب يسبب أزمة كبيرة في حياة الزوجة، تصبح معلقة، ليست امرأة متزوجة وليست مطلقة، بالتالي تلجأ للقضاء، السؤال الذي يطرح نفسه، لماذا قام الزوج بمثل هذا الفعل المشين.
السبب الأقوى والأول هو عدم قدرته على تحمله المسؤولية، أي أنه غير قادر على احتواء زوجة وأطفال بسبب التربية الخاطئة منذ البداية، نظرا لكونه لم ينل تربية نفسية بشكل سليم وسوي، تؤهله لأن يتحمل مسؤولياته ومسؤوليات الأخرىن فيما بعد، خصوصا الزوجة والأطفال. مشيرة إلى أن التربية الخاطئة ليست في ذلك فقط ولكنها تكمن في الأنانية أيضا وحب الذات، فاذا كان الزوج ممن يترك كل المشكلات والمسؤوليات ويلقيها وراء ظهره يعلم أن ما يفعله يسبب صدمة لزوجته وكارثة للأسرة بأكملها، وأن ما يفعله يرجع لحبه لنفسه بشكل كبير وعدم دراسته لأي فعل يقوم به.
قد يكون الخوف أحد الأسباب التي تدفع الأزواج إلى الهرب لفشلهم في الاشباع الجنسي لزوجاتهم، عدم قدرتهم على مواجهة تلك المشكلة فيفضلون الهرب إلى الأبد، لأنهم يملكون نفسا بشرية هاشة جدا وضعيفة جدا، لا تستطيع مواجهة المشكلات، كما يهرب الكثير من الأزواج بسبب الأزمات الاقتصادية، التي تعتبر عاملا قويا في تدمير أي منزل، لعدم قدرتهم على تأمين معيشة كريمة لأسرهم.

دمار الزوجة
تقول الدكتورة هبة عيسوي، أستاذ الطب النفسي، كلية طب عين شمس، إلى أن الزوجة التي هرب زوجها منها، تشعر في بادئ الأمر بالضياع لعدم معرفتها مكانه، تحملها كل المسؤوليات، مواجهتها للحياة الأسرية بمفردها، يوجد كثير من الزوجات والنساء قادرات على مواجهة حروب هرب الزوج دون اللجوء لأحد، بل تعتبر الكثيرات منهن أن أزواجهن ماتوا بشكل مفاجئ، لأن المرأة قوية بطبيعتها التي خلقها الله عليها، تستطيع احتواء الأبناء ونفسها، بناء المنزل من جديد ليعيش فيه أولادها أسوياء نفسيا.
لاشك أن وضع الزوجة يكون صعب نفسيا في أول الأمر بسبب الصدمة عندما تجد نفسها بمفردها في مواجهة مسؤوليات الحياة، لكن بعد ذلك تتيقن أن الوضع بحاجة إلى حل وحل دقيق وسريع حتى تمارس حياتها طبيعية بدونه بعد التأكد أن زوجها هارب وليس متغيبا عن المنزل، لأنه قد يكون أصيب في حادث أو ما شابه، لذا عليها اللجوء للقضاء للحصول على الطلاق بدلا من أن تظل عالقة في عصمة رجل لا تعرف عنه أي شيء، عليها أيضا أن تبدأ حياتها من جديد، تعيد حساباتها، تتأقلم مع الحياة الجديدة لتنجو بأبنائها من هذا المأزق.

مواجهة الظاهرة
توضح الدكتورة سامية خضر صالح، أستاذ علم الاجتماع، جامعة عين شمس، أن هذه الظاهرة تنتشر من عمر 21 حتى 45 عاما، رغم أن أي شخص طبيعي يمكنه مواجهة مشكلاته المادية والجنسية بعيدا عن خيار الهرب من المنزل، بمواجهته لهذه المشكلات بقوه واصرار، فكلما كان الزوج أكثر وعيا ولديه النضج الفكري، كان أكثر قدرة على مواجهة الأمور، أما اذا كان ضعيف نفسيا يكون خيار الهرب هو الافضل له، لافتة إلى أن كثيرا من الأبناء يعتبرون في مثل هذه الحالة أن الأب توفي، تبدأ الأم التعامل معهم على هذا الأساس، لكنه يتوقف على قوة الزوجة في مواجهة هذه الكارثة دون احساس الأطفال بأنهم في كارثة حقيقية، لكنهم لا شك يتعرضون لكثير من المواقف المحرجة التي يحتاجون فيها لأبيهم ولم يجدوه سندا لهم. بالتالي تنجح الزوجة في مثل هذه الورطة اذا كانت مدربة جيدا من الناحية النفسية على مواجهة أية صدمات نفسية مفاجئة، وأن تكون لديها القدرة على تخطيها، وفي اعتقادي أن النجاح في الحياة يأتي من الايمان القوي بالله، وايمان الانسان بقدراته، فاذا كانت المرأة تتمتع بذلك فلا خوف عليها وسوف تستطيع تخطي أية أزمة مهما كانت صعبة.
الهروب والقانون
يؤكد نشأت عثمان المحامي بالنقض، أن القانون المصري أتاح للزوجة أن تقيم دعوى طلاق بعد تغيب زوجها عن المنزل أكثر من ثلاثة أشهر، فيكون من حقها طلب الطلاق للضرر الواقع عليها وعدم تحديد مصيرها، مطلقة أم متزوجة، لأن الشرع والقانون لا يعطيان الحق للزوج في هجر زوجته وتركها دون تحديد مصيرها ومعرفة مكانه، كما أن الزوجة من حقها أن تطلب الطلاق في حالة سفر زوجها لمدة طويلة وعدم قدرتها على التحمل، فالقانون ايضا أعطاها الحق في طلب الطلاق. لكن المشكلة التي تواجه بعض الزوجات تتمثل في صعوبة اثبات الضرر الواقع عليهن من هجر للفراش أو فشله في العلاقة الزوجية، رغم قدرة الزوجة على أخذ حقها بالقانون الا أن هناك حالات لا تستطيع الحصول على حقها كاملا.
هجر الزوجة
يؤكد الدكتور أحمد كريمة أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، أن القرآن والسنة أباحا هجر الزوجة بعدم الحديث معها أو هجر الفراش لمدة ثلاثة أيام، لتعرف خطأها وتعود لصوابها، تنفيذا لقول الله تعالى في كتابه العزيز، «واهجروهن في المضاجع»، لكن بعد أن يشرح الزوج لها أسباب الهجر والخصام. الا أن الله سبحانه وتعالى نهى عن الهجر الدائم لأن به ضررا لأحد الطرفين، وبالتالي فالهجر أو الهروب أمر منهيّ عنه بنص القرآن الكريم في قوله تعالى «ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة»، لأن الزّواج علاقة مقدّسة في الإسلام والرّسالات السماويّة ورباط قوي بين شخصين، وعنوان هذه العلاقة وضابطها يكون المودّة والرّحمة التي تؤسّس البنيان المتين لهذا الزّواج.