زيادة الرواتب وخفض الأسعار في صدارة تمنّيات المصريين

خلف أحمد الحبتور

خلف الحبتور

لقد تسبّب الرئيس “الإخواني” المخلوع محمد مرسي بانهيار الاقتصاد المصري. ففي عهده، استُنفِدت الاحتياطات الأجنبية، وانكفأت الاستثمارات الخارجية. عرفت مصر، خلال رئاسته، أحلك أيامها بالمعنى الحرفي للكلمة مع الانقطاع المتكرر في التيار الكهربائي. غير أن الحكومة حققت بلا شك تقدّماً ملحوظاً منذ العام 2013.
تبلغ الاحتياطات الأجنبية حاليا أعلى مستوياتها في تاريخ مصر. وقد حققت البورصة مكاسب جيدة. في الربع الثالث من العام 2017، سجّل النشاط السياحي زيادة بنسبة سبعين في المئة بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي. ومع انطلاق العمل في حقل الغاز الأكبر في المتوسط (حقل ظهر) على أن تتبعه حقول أصغر حجماً، سوف تحقق البلاد الاكتفاء الذاتي في قطاع الطاقة في العام 2018.
تستثمر القاهرة مبالغ طائلة في البنى التحتية. يجري العمل على تشييد مطار في الجيزة، ومن المرتقب أن يفتح أبوابه أمام المسافرين خلال الصيف المقبل، فضلاً عن مطار آخر شمال القاهرة. والعمل جارٍ على بناء مدينتَين جديدتين في العلمين وأسوان، إلى جانب العاصمة الإدارية الجديدة. هذا فضلاً عن تشييد أكبر مصنع لتحلية مياه البحر عند البحر الأحمر. لقد أنشئ نحو 2085 مصنعاً جديداً في 25 محافظة.
يتوقّع صندوق النقد الدولي أن يبلغ إجمالي الناتج المحلي 4.5 في المئة في السنة المالية 2017/2018. إنما لم يسفر ذلك عن مفاعيل إيجابية تعود بالفائدة على الحياة اليومية للمواطنين العاديين.
يفوق عدد سكان مصر في الواقت الحالي مئة مليون نسمة، ويُتوقَّع أن يصل إلى 150 مليون نسمة في غضون ثلاثين عاماً إذا استمرت معدلات الولادات على ما هي عليه حاليا، ولذلك تسعى الحكومة إلى التخطيط في المدى الطويل.
المشكلة هي أن الناس – ما عدا أولئك الذين يملكون ودائع مصرفية تصل إلى ملايين الدولارات مع فائدة سنوية بنسبة عشرين في المئة – لا يلمحون نور الشمس؛ على العكس، يقول عدد كبير من أصدقائي المصريين إنهم يواجهون صعوبة شديدة في تأمين معيشتهم. ويخبرني ذوو الدخل المتدنّي أن لحم الخرفان والبقر والدجاج وبعض أنواع الأجبان أصبحت حاليا من الكماليات.
أنا لست من المؤمنين بمبدأ «عش حياتك الآن، وادفع لاحقاً»، لكنني أعتبر أنه يجب إيلاء مزيد من الاهتمام لاحتياجات الشرائح الأكثر فقراً في المجتمع والطبقات الوسطى، التي تفرغ جيوبها بسبب ارتفاع التضخم (25.4 في المئة في نوفمبر) الناجم عن تعويم الجنيه المصري في نوفمبر العام 2016، في خطوةٍ اندرجت في إطار الشروط المطلوبة للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي قدره عشرة مليارات دولار أميركي.
ارتفعت أسعار معظم السلع بين ليلة وضحاها، بما في ذلك السلع الأساسية مثل المواد الغذائية والنقليات والكهرباء، في حين جرى في الوقت نفسه خفض الدعم الحكومي للمحروقات. وفي بعض المناطق، تضاعفت أسعار العقارات، فبات من المستحيل على عدد كبير من المصريين تملُّك منزل. علاوةً على ذلك، ليس سهلاً الاستحصال على موافقة للحصول على قرض شخصي من المصرف، ومَن ينجحون في ذلك يسدّدون معدلات فوائد مرتفعة جداً.
لسوء الحظ، فإن الرواتب لم تواكب التضخّم، ولا مبالغة في القول انها متدنّية جداً. يتقاضى موظفو الخدمة المدنية، وعناصر الشرطة، والمعلّمون، والأطباء العاملون في المستشفيات الحكومية رواتب زهيدة، وهذا ما ينطبق أيضاً على موظفي القطاع الخاص. لا يمكن مكافحة الفساد ما دام العمّال جائعين. أواظب من حين لآخر على تمضية بضعة أيام في القاهرة للقاء بعض الأصدقاء، وأسمع منهم كلاماً مفاده أن الاستثمارات في البنى التحتية تنطلق على قدم وساق، لكن الأولويات بالنسبة إليهم هي تحسين المدارس ومستويات التعليم والرعاية الصحية، وتوفير فرص وظيفية؛ وتنعكس أفكارهم هذه من خلال منشورات لا تُعدّ ولا تحصى عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
صحيح أن مشاريع البنى التحتية ساهمت في استحداث وظائف، غير أن الجزء الأكبر من أعمال البناء تتولاّه وحدة الهندسة في القوات المسلحة. كلمة حق تُقال، لا بد من الإقرار بفضل الجيش في بناء وحدات سكنية للعمال ذوي الدخل المحدود وسكّان الأحياء العشوائية الفقيرة، والتي يتم تسليمها مع أثاث كامل إلى الأشخاص الذين سيشغلونها.
باختصار، يبدو لي أن هناك حاجة ماسّة إلى تحسين المزاج العام. يقول المصريون إنهم لا يُفيدون كثيراً، في المرحلة الحالية، من الخطط الكبرى التي وضعتها الحكومة للمستقبل، بل أسوأ من ذلك، يشعرون انهم يُرغَمون على تسديد ثمن باهظ جداً.
أرجو أن يكون النجاح حليف مصر، قلب العالم العربي النابض، لكن يجب زرع الحماسة لدى المصريين, يجب أن يشعروا انهم شركاء في هذا المجهود العظيم من أجل المعافاة، تماماً كما كانت حال الإماراتيين عندما بدأ المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم العمل على إحداث تحوّل جذري في دبي بدأ من الصفر.
لا شك في أن اكتشاف كمية محدودة من النفط منح دبي انطلاقة قوية، غير أن سر نجاح الإمارة يكمن في روح الوحدة السائدة بين حكّامها وشعبها. كان الشيخ راشد يتجوّل في سيارته للإصغاء إلى هموم الناس، مهما كانت صغيرة، وكان يُبادر عادةً إلى التصرف من أجل التخفيف من العبء عن كاهلهم.
لقد طُلِب من المصريين التحلّي بالصبر، وفي حين أُدرِكُ تماماً أن روما لم تُبنَ في يوم واحد، وأن مصر الجديدة لن تُبنى بين ليلة وضحاها، الملايين هم بأمس الحاجة إلى إنقاذهم فوراً من الفقر المدقع. يجب إنشاء شبكة أمان لانتشال ربع السكان على أقل تقدير من تحت خط الفقر. ومن الأفكار التي يمكن طرحها في هذا المجال تقديم قروض معفاة من الفوائد للأعمال الصغيرة والشركات المبتدئة بما يتيح لأرباب الأسر شراء كشك أو فتح متجر أو شراء سيارة أجرة.
ومن شأن التكنولوجيات المتطورة أن تتيح لمصر أيضاً قطع أشواط كبيرة نحو الأمام. لقد ساهمت الآلات الحديثة والتخطيط الاقتصادي الثوري في نهوض ألمانيا الغربية من أنقاض الحرب العالمية الثانية وتَحوُّلها إلى واحد من مراكز الثقل الاقتصادي الكبرى في العالم، تماماً كما أصبحت اليابان ثاني أكبر اقتصاد في العالم بحلول الستينات من القرن الماضي.
لقد زرعت طوكيو لدى السكان أخلاقيات راسخة في العمل معتبرةً أن ذلك هو واجب وطني، كما أنها منحت القروض مجاناً للمواطنين. وساهمت مبادئ السوق الحرة غير المكبّلة بالبيروقراطية الخانقة، في تسريع مسارها المدهش.
إن كان من نصيحة أسديها إلى السلطات في مصر، فهي دعوتها إلى التخلص من البيروقراطية والأعداد الضخمة من موظفي الخدمة المدنية ذوي المستوى المتدنّي، والذين يأخذ بعضهم على عاتقه وضع العراقيل أمام المستثمرين الأجانب المحتملين.
خفّفوا من وطأة القواعد والتنظيمات. واضربوا الفساد بيدٍ من حديد. ورجاءً احرصوا على جعل الشوارع نظيفة وخالية من النفايات عبر تنظيم حملات توعية متلفزة، وفرض غرامات على المخالفين الذين يرمون النفايات في الشارع.
يكنّ المصريون حباً عميقاً لبلادهم، لكنهم سئموا من تقديم التضحيات منذ يناير 2011، وجاء ارتفاع الأسعار ليزيد الطين بلة. لدى الحكومة ما يكفي من المشاغل التي تقضّ مضجعها، وعلى رأسها احتواء التهديدات الإرهابية من العناصر التابعة لتنظيم «داعش» في شمال سيناء. غير أن تقديم تنازلات للتخفيف من الأعباء عن كاهل شعبها لن يكون خطوة حكيمة وحسب، بل إنه عين الصواب.
* رجل اعمال إماراتي