سأحمل نفسي على آلة فإما عليها وإما لها محبرة وقلم

0 345

مشعل عثمان السعيد

هذا البيت يظهر عزيمة من قاله، وثبات رأيه، إنها شاعرة العرب الخنساء التي آلت على نفسها بعد مقتل شقيقها صخر أن ترثيه حتى تموت، والخنساء ذات بصيرة نافذة حتى قبل إسلامها ، لذا نجدها في بيت شعرها هذا تريد الأمور على وجهها، إما الأسود أو الأبيض، والخنساء لقب لقصر أنفاها وارتفاع ارنبته، وهي: تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الرشيد السلمية، شاعرة مخضرمة عاصرت الجاهلية والإسلام، وعاشت إلى خلافة عثمان بن عفان، رضي الله عنه، وكانت منازل قومها بادية الحجاز شمال شرق مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم”يثرب” وبني سليم قبيلة حليمة السعدية أم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان سيدنا محمد يقول: “انا ابن الفواطم من قريش والعواتك من سليم”.
وفي سليم شرف كثير، وأسرة الخنساء سادة بين سليم، عرفت بعزة نفسها وابانها، لذلك رفضت الزواج من فارس العرب وسيد هوازن دريد بن الصمة، واختارت عليه ابن عمها وهي أم الشهداء الاربعة في معركة “القادسية”، واشهر ابنائها الصحابي البطل “العباس بن مرداس” الذي يقول:
أشد على الكتيبة لا أبالي
أفيها كان حتفي أم سواها
والخنساء بشهادة أرباب الادب افضل شاعرة عربية على الاطلاق، ونقطة التحول في حياتها فجيعتها بأخويها معاوية وصخر وقد شهد لها النابغة الذبياني انها افضل النساء شعراء.
وعندما اشتد القتال بين المسلمين والفرس في واقعة القادسية الشهيرة، دعت الخنساء ابناءها الاربعة وأوصتهم بوصية تكتب بماء الذهب، حيث قالت لهم: يا بني لقد أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، ووالله الذي لاإله إلا هو انكم لبنو رجل واحد كما انكم بنو امرأة و احدة، ما خنت آباكم ولا فضحت خالكم ولا هجنت حسبكم ولا غبرت حسبكم، وتعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، يقول الله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون”، “آل عمران 200” فاذا أصبحتم غدا انشاء الله سالمين، فاعدوا الى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على اعدائه مستنصرين، فاذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها واضطرمت لظى على سياقها، وجللت نارا على ارواقها، فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها، تظفروا بالغنم والكرامة في دار
الخلد والمقامة، فاستشهد ابناؤها الأربعة فقالت:
“الحمدلله الذي شرفني باستشهادهم، وأرجو من ربي ان يجمعني بهم في مستقر رحمته”، وإليكم مرثيتها بكمالها:
أَلا ما لِعَينِكِ أَم ما لَها
لَقَد أَخضَلَ الدَمعُ سِربالَها
أَبَعدَ اِبنِ عَمروٍ مِن آلِ الشَريدِ
حَلَّت بِهِ الأَرضُ أَثقالَها
فَآلَيتُ آسى عَلى هالِكٍ
وَأَسأَلُ باكِيَةً ما لَها
لَعَمرُ أَبيكَ لَنِعمَ الفَتى
تَحُشُّ بِهِ الحَربُ أَجذالَها
حَديدُ السِنانِ ذَليقُ اللِسانِ
يُجازي المَقارِضَ أَمثالَها
هَمَمتُ بِنَفسِيَ كُلَّ الهُمومِ
فَأَولى لِنَفسِيَ أَولى لَها
سَأَحمِلُ نَفسي عَلى آلَةٍ
فَإِمّا عَلَيها وَإِمّا لَها
فَإِن تَصبِرِ النَفسُ تُلقَ السُرورَ
وَإِن تَجزَعِ النَفسُ أَشقى لَها
نُهينُ النُفوسَ وَهَونُ النُفوسِ
يَومَ الكَريهَةِ أَبقى لَها
وَنَعلَمُ أَنَّ مَنايا الرِجالِ
بالِغَةٌ حَيثُ يُحلى لَها
لِتَجرِ المَنِيَّةُ بَعدَ الفَتى
المُغادَرِ بِالمَحوِ أَذلالَها
وَرَجراجَةٍ فَوقَها بيضُها
عَلَيها المُضاعَفُ أَمثالَها
كَكِرفِئَةِ الغَيثِ ذاتِ الصَبيرِ
تَرمي السَحابَ وَيُرمى لَها
وَخَيلٍ تَكَدَّسُ بِالدارِعينَ
نازَلتَ بِالسَيفِ أَبطالَها
وَقافِيَةٍ مِثلِ حَدِّ السِنانِ
تَبقى وَيَذهَبُ مَن قالَها
تَقُدُّ الذُؤابَةَ مِن يَذبُلٍ
أَبَت أَن تُفارِقَ أَوعالَها
نَطَقتَ اِبنَ عَمروٍ فَسَهَّلتَها
وَلَم يَنطِقِ الناسُ أَمثالَها
فَإِن تَكُ مُرَّةُ أَودَت بِهِ
فَقَد كانَ يُكثِرُ تَقتالَها
فَخَرَّ الشَوامِخُ مِن قَتلِهِ
وَزُلزِلَتِ الأَرضُ زِلزالَها
وَزالَ الكَواكِبُ مِن فَقدِهِ
وَجُلِّلَتِ الشَمسُ أَجلالَها
وَداهِيَةٍ جَرَّها جارِمٌ
تُبينُ الحَواضِنُ أَحمالَها
كَفاها اِبنُ عَمروٍ وَلَم يَستَعِن
وَلَو كانَ غَيرُكَ أَدنى لَها
وَلَيسَ بِأَولى وَلَكِنَّهُ
سَيَكفي العَشيرَةَ ما غالَها
بِمُعتَرَكٍ ضَيِّقٍ بَينَهُ
تَجُرُّ المَنِيَّةُ أَذيالَها
وأبيات القصيدة أكثر مما ذكرت، توفيت الخنساء رضي الله عنها سنة 24 هـ، وكانت قد تجاوزت السبعين عاماً.
جف القلم ونشفت المحبرة.

كاتب كويتي

You might also like