محبرة وقلم

“سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا لا أبا لك يسأم” محبرة وقلم

مشعل عثمان السعيد

مشعل عثمان السعيد

يظن بعض من يتأمل هذا البيت ان شاعره مل من الحياة، ورأى في الموت راحة له، والحقيقة انه مل تكاليف الحياة لا الحياة، فنحن لا نمل الحياة بل كلما تقدم بنا العمر تمسكنا بها أكثر، اما تكاليفها وشدائدها ومصاعبها فهي ثقيلة على من بلغ الثمانين عاما، وهذا ما اراد ان يقوله لنا شيخ شعراء الجاهلية زهير بن ابي سلمى، وعموما فالانسان يمر في حياته بثلاثة مراحل ذكرها المولى عز وجل في قوله: “الله الذي خلقكم من ضعف، ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قو ة ضعفا وشيبة، يخلق ما يشاء وهو العليم القدير “الروم -54) وقد قال علماء الشعر ان بيت زهير هذا اصح معنى من قول لبيد بن ربيعة العامري:
“ولقد سئمت من الحياة وطولها
وسؤال هذا الناس كيف لبيد”؟
ولم يقل لبيد هذا البيت الا بعد ان بلغ مئة واربعين سنة “ابي زيد القرشي- الجمهرة” وقد صور ابوالطمحان القبني حاله عندما تقدمت به السن تصويرا بليغا حيث يقول:
“حنتني حانيات الدهر حتى
كأني خاتل أدنو لصيد
“قريب الخطو يحسب من رآني
ولست مقيدا أني بقيد”
وغير بعيد عنه قول الصحابي قردة بن نفاثة حيث يقول:
وكنت امشي على الساقين معتدلا
فصرت امشي على ما تنبت الشجر”
يقول زهير بن أبي سلمى في معلقته:
“أمن أم أوفى دمنه لم تكلم
بحومانة الدراج فالمتثلم
ودار لها بالرقمتين كأنها
مراجع وشم في نواشر معصم
وقفت بها من بعد عشرين حجة
فلأيا عرفت الدار بعد التوهم».
ومنها قوله:
سئمت تكاليف الحيـاة ومن يعش
ثمانين حولا لا أبـا لك يسأم
وأعلم ما في اليوم والأمس قبله
ولكنني عن علم ما في غد عم
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب
تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
ومن لم يصانع في أمور كثيرة
يضرس بأنياب ويوطا بمنسم
ومن يجعل المعروف من دون عرضه
يفره ومن لا يثق الشتم يشتم
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله
على قومه يستعن عنه ويدمم
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه
وإن يرق أسباب السماء بسلم
ومهما تكن عند امرئ من خليقة
وإن خالها تخفى على الناس تعلم
ومن لم يذود عن حوضه بسلاحه
يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
وإن سفاه الشيخ لا حلم بعده
وإن الفتى بعد السفاهة يحلم».
دعونا نتعرف على هذا الشاعر، فهو زهير بن أبي سلمى وأسمه ربيعة بن رياح بن قرط بن حارث بن مازن المازني، كانت منازل قومه بنواحي المدينة المنورة، ثم أقام بالحاجر من ديار نجد، تزوج أم أوفى التي ذكرها في مطلع معلقته حيث قال:
«أمن أم أوفى دمنه لم تكلم
بحومانة الدراج فالمتثلم».
ثم طلقها بسبب موت أولاده منها، واقترن بكبشة بنت عمار الغطفانية ورزق منها بولديه الشاعرين: كعب وبجير، سميت قصائد زهير بالحوليات لانه كان ينظم القصيدة في شهر، ويهذبها في سنة، وهو أحد الثلاثة المقدمين على سائر الشعراء، واختلف في تقديم أحد الثلاثة على صاحبيه، والآخران.
هما : امرؤ القيس والنابغة الذبياني، وقد ذكر عبدالله بن العباس أن عمرا بن الخطاب (رضي الله عنه) كان شديد الإعجاب بشعر زهير، واتفق علماء الشعر أن زهير صاحب أمدح بيت وأصدق بيت وأبين بيت في الجاهلية، فالأمدح قوله:
«تراه إذا ما جئته متهللا
كأنك تعطيه الذ يأنت سائله».
وأصدق بيت قوله:
« ومهما تكن عند امرئ من خليقة
وإن خالها تخفى على الناس تعلم».
وأما أبين بيت فقوله برسم الحدود:
«فإن الحق مقطعة ثلاث
يمين أو نفار أو جلاء».
وبيته الأخير يدل دلالة واضحة على توحيده بالله تعالى، وقد روى المحدث الزهري أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رأى زهيراً وقد أتت عليه مئة سنة فقال» اللهم أعذني من شيطانه» فما قال بيتا حتى مات، ومن دلالات توحيد زهير بن أبي سلمى قوله:
«ألم تر أن الله أهلك تبعا
وأهلك لقمان بن عاد وعاديا
وأهلك ذا القرنين من قبل ما ترى
وفرعون أردى جنده والنجاشيا».
وقوله أيضا:
«تزود إلى يوم الممات فإنه
ولو كرهته النفس، آخر موعد».
ذكر أبن قتيبة في «الشعر والشعراء»، أن زهيراً كان يتأله ويتعفف في شعره، ويدل على إيمانه بالبعث كقوله:

«يؤخر فيودع في كتاب فيدخر
ليوم الحساب او يعجل فينقم».
وقال ابن قتيبة ايضا: كان جيد شعره في هرم بن سنان المري, فقال عمر بن الخطاب لبعض ولد هرم: كان زهير يقول فيكم فيحسن, فقال احدهم: يا امير المؤمنين, كنا نعطيه فنجزل له العطاء, فقال عمر (رضي الله عنه):
«ذهب ما اعطيتموه وبقي ما اعطاكم» وكل اشعار زهير بن ابي سلمى تدل على رزانته وحسن معشره, وصدق طويته ودماثة خلقه وترفعه عن الصغائر وعفة نفسه, وهذه الامور طبعت شعره بطابع الحكمة والرصانة, ولد زهير سنة 520م وتوفي عام 607م.
أكتفي بهذا القدر
جف القلم ونشفت المحبرة, في آمان الله

كاتب كويتي
Mshal.Aisaed@gmail.com