“سايكس – بيكو” سوري في إدلب

0

أحمد عبد العزيز الجارالله

فيما تُقرع طبول الحرب في إدلب بقوة، تتفرغ الدول المعنية بهذا الملف المعقد لوضع قائمة بحسابات الربح والخسارة تمهيداً للتهيئة لعملية شد الحبال في تلك المنطقة، التي تبدو أنها المعركة ما قبل الأخيرة في الحرب السورية المشرفة على النهاية مع تغيرات دراماتيكية هائلة في سورية والإقليم، لا سيما بعدما دخلت تركيا بقوة على خط الأزمة ساعية إلى حجز مكان لها في التسوية النهائية تقوم على إقفال الملف الكردي السوري- التركي نهائياً.
منذ بدء الأزمة أعلنت الدول كافة التزامها وحدة الأراضي السورية، والحكم المركزي، أيا كان شكل النظام، ونادت كل الأطراف بانسحاب القوات غير السورية، لا سيما الحرس الثوري والميليشيات العميلة لإيران، فيما القوات التركية التي تدخلت لشأن داخلي -خاصة- معنية هي الأخرى بالانسحاب، ولذلك حين تكثر التصريحات المهولة للمعركة المقبلة، خصوصا الأميركية حول الرد القاسي في حال استخدم نظام دمشق السلاح الكيماوي، واستناداً إلى كل المواقف المعلنة من سورية لن يكون هناك استخدام لهذا السلاح، لكن التصريحات الأميركية هدفها محاولة لتأجيل المعركة قدر الإمكان بانتظار بلورة حل نهائي تحسم فيه حصص كل طرف.
الضغط الأميركي الحالي يشبه بالضبط ضغوط إدارة باراك أوباما حول الخطوط الحمر التي انتهت إلى ضربات محدودة لم تقدم أو تؤخر، إنما أدت لإطالة الحرب وتأجيل البحث في التسوية.
الموقف التركي لا يختلف عن الأميركي في شيء، إنما تتغير اللغة والمصالح والأهداف، فبدلاً من تأمين الحماية لإسرائيل أميركياً من الخاصرة الجنوبية الغربية، هناك القوة الكردية المناوئة لتركيا التي تسعى منذ عقود إلى تحجيمها وتصفيتها ومنع انفصال كردستان التركية وتشكيل دولة كردية.
هنا تختلف الصورة ببعض التفاصيل، إذ إن الحركة الشعبية المؤيدة لتركيا، وذاك التهويل حول حماية السُّنة في إدلب إنما مصدره جماعة “الإخوان المسلمين” الداعمة لكل خطوات أنقرة في سورية حتى لو وصلت إلى حد اقتطاع جزء من أراضيها لتصبح شريطاً حدودياً على غرار ما فعلته إسرائيل في لبنان العام 1982، هؤلاء “الإخوان” يبررون الدعم العسكري والمالي التركي لجماعات إرهابية، مثل “فيلق الشام” و”حركة نور الدين زنكي” وحتى”النصرة” المدرجة على القوائم العالمية للإرهاب، ليقينهم أن أي تقدم تحققه هذه العصابات يشكل قوة معنوية لهم في ساحات أخرى، لاسيما مصر وغيرها من الدول العربية المهددة إرهابياً والتي هي محل مطامع من الجماعة الأم.
على هذا الأساس تجري الاستعدادات للقمة الثلاثية التي ستعقد في السابع من الشهر الجاري في طهران، بين الرؤساء، التركي والروسي والإيراني، لوضع ما يمكن تسميته الخطوط العريضة لـ”سايكس – بيكو” سوري، لا يقوم على تقسيم الدولة إنما تحديد نطاق نفوذ كل قوة من الثلاث، وتوزيع الحصص من كعكة إعادة الإعمار، غير أن الأحداث كافة تشير إلى أن الطرف الإيراني غير مرحب به في تلك التسوية، من الدول الكبرى كافة، إضافة إلى اللاعبين الإقليميين مباشرة، تركيا وإسرائيل، اللتين ترفضان أي وجود إيراني في سورية، عدا عن أن نحو 90 في المئة من السوريين لا يرغبون ببقاء القوات الإيرانية.
أي خروج على وحدة الأراضي السورية، أو السعي إلى التقسيم, يعني بوضوح إطلاق مرض سرطان التقسيم في المنطقة ككل، ولن يكون هناك أحد بمنأى عنه، حتى تركيا التي تفاخر حالياً، عبر منظومة “الإخوان” الإعلامية بحمايتها للمسلمين، ستكون الضحية التالية في حال بدأت سكين تقطيع الأوصال تعمل في جسد المنطقة.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

3 × ثلاثة =