“ستوب ذه وورد” شفافيات

0

د. حمود الحطاب

“الشهادة الدراسية تثبت أنك متعلم ولا تثبت أنك تفهم” هكذا قالها أحد المفكرين، لكن لي وجهة نظر أخرى مغايرة تماما، فمن وجهة نظري أن الشهادة تثبت أنك اجتزت مرحلة تعليمية ولكنها لاتستطيع أن تثبت أنك تعلمت أو أنك فهمت، وعندي أدلة عظيمة جدا من الواقع ومن مشاهداتي ومن معايشتي لواقع الحال تثبت ما أقول مبدئيا. وفي مجال الدراسات العلمية لا تصلح وجهة نظر الفرد الواحد لإثبات شيء، ولكن وجهة النظر هذه وتجربتي قد يضم لها عشرة آلاف تجربة مع كل معطيات نجاح تجارب أخرى فتصبح هذه المعلومة مقننة وليست شخصية. وهذا اضعه بين شرطتين لإيضاح معلومة علمية ضرورية، وشهادتي وتجربتي التي تثبت أن الشهادة العلمية فقط تثبت أنك اجتزت مرحلة دراسية ولاتدل على أنك تعلمت ولاتدل على أنك تفهم من تطبيقات عدة، ومن أهمها ميدانيا والميدان حقل التجارب العلمية.
ففي أثناء قيادتي لعملي التربوي العلمي الميداني اجريت مقابلات لآلاف من الحاصلين على شهادات تخصص، وكانوا على دفعات، وكنت اقابل هؤلاء وحدي أحيانا كثيرة بطلب من وزارة التربية، وأحياناً أخرى أقابل هؤلاء وأنا أترأس لجان المقابلات، وأحياناً أخرى أقابل وأنا نائب للرئيس ومع مجموعة متنوعة من المتخصصين القياديين الآخرين ولست رئيسا، وهذا الأخير يحدث عادة في مقابلات الترقي لوظيفة أعلى في نفس مجال التخصص، وقد تستمر بعض هذه المقابلات أكثر من شهر في عمل يومي متواصل. وقد تمت بعض المقابلات في دول عدة وهذه متغيرات مهمة جدا تثبت وبشكل علمي ما أذهب إليه؛ فالمتغيرات في التجارب العلمية ضرورية لإثبات الحالة. وفي كل تلك المقابلات كانت الشهادات تتحدث عن صاحبها، فعدد كبير من الحاصلين على الشهادات لا يتقن المعلومات ولا الخبرات ولا المفاهيم والحقائق التي تعلمها ونال بها شهادة تخصص، وبما أن مقابلاتي كانت في مادة التربية الإسلامية التعليمية المدرسية لمعلميها، فلابد من اختبار المتعلمين أولا في مسألة قراءة القرآن،وهو كفاية تعليمية مهمة وركن في تعلم المادة الدراسية، وهناك أعداد كبيرة جدا لاتعرف قراءة القرآن، وأركز في القول لاتعرف حتى قراءة القرآن الكريم،وهي خريجة جامعات اسلامية عريقة، ولا أتحدث عن خريجي معاهد المعلمين، فتخصص الاسلامية فيه فرع وليس كفايات متكاملة في تعلم المادة كما هو في الجامعات الإسلامية. وكان السبب الرئيس في رسوب هؤلاء المعلمين الذين رسبوا في المقابلات تلك عدم قدرتهم على قراءة القرآن الكريم. وكان في تنوع جهلهم في هذه القراءة مهازل مؤلمة سبق أن كتبت عنها تفصيليا الشيء الكثير. وفي إحدى دفعات المقابلات للمدرسين خارج الكويت قابلت اربعمئة حاصل على شهادة التخصص، فلم ينجح في المقابلات هذه سوى بضعة وعشرين فردا منهم. ونجاح من نجح ليس لتكامل الكفاءة التامة فيه، بل لحصوله على القدر الذي يسمح بقبوله في حد ادنى الدرجات مع قابلية التدريب للقدرات، وادخلناهم بعد ذلك في دورات تدريبية عدة على مدى سنوات، وقد طلب مني رئيس البعثة وقتها، وكان الاستاذ المرحوم عبدالله الرجيب، أن أجيبه عن ماذا سيفعل في سد النقص الذي تعاني منه هذه المادة الدراسية، وقد فشلت تلك المقابلات في الحصول على العدد المطلوب للوزارة، ووزارة التربية كانت تريد استقدام مئة مدرس لهذه المادة الدراسية، فاقترح الاستاذ المرحوم أن يعلن بالصحف عن الحاجة تلك، وبعدها تقدم مئات الحاصلين على شهادة التخصص للمقابلة، ومع الأسف لم أجد فيهم الكفاءة في ادنى الكفايات التي تؤهلهم للتدريس، وكان حاصل كل المقابلات من الناجحين هو نحو أربعين حاصلا على شهادة التخصص، وهكذا تستمر مثل هذه المقابلات في إثبات أن الشهادة الدراسية لاتدل على تعلم أيضا، بخلاف رأي المفكر الذي قال” إنها تدل على التعلم ولاتدل على الفهم” فهذه التجارب عندي وعند الكثير من الموجهين العامين في وزارة التربية الكويتية في كل المواد الدراسية تدل على ذلك، وهي متغيرات عدة تصلح لقوة الاستدلال على أن الشهادات العلمية أيضا لا تدل لا على العلم ولا على الفهم معاً. وهكذا اثبت وجهة نظري علميا مبدئيا كما ترون.
ومن طريف القول ماقاله الشيخ محمد الشنقيطي، وهو من كبار علماء الدين المتخصصين في علوم الدين الاسلامي البحتة،حين سأله طالب جامعي كان يدرس في إحدى المجموعات الطلابية التي كان يدرسها الشيخ وهو طالب في السنة الجامعية الرابعة: يا شيخ، ما شهادة الزور؟ فقال الشنقيطي على الفور: هي الشهادة التي ستأخذها عند التخرج يا بني.
طالب في آخر سنوات الدراسة ولم يتحصل على بديهة مثل هذه لم يتعلم حتما، وهذا كثير جدا ولا وقت الآن للتحدث عن حالات الغش الطلابي الذي واجهته وأنا أدرس للطلاب في الجامعة، فالغشاشون لم يتعلموا، وليس فقط لم يفهموا، وتحياتي للمفكرين.
كاتب كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

19 − ستة =