سد تركي يقضي على بلدة يعيش فيها الإنسان منذ 12 ألف عام سيؤدي إلى مزيد من العطش في العراق وسورية ويقضي على 300 موقع أثري وعشرات القرى

0 50

لنهري دجلة والفرات مكانة خاصة في التراث والموروث الشعبي الكردي، وهما موضوع كثير من الأغاني والأمثال الشعبية والقصص، لكنهما تحولا خلال العقود القليلة الماضية مصدر شقاء لأبناء المنطقة بعد أن بنت الحكومات التركية المتعاقبة 22 سدا على هذين النهرين، ما أدى الى تهجير أبناء مئات القرى التي باتت أثراً بعد عين، وأُجبر مئات الآلاف منهم على الهجرة إلى المدن الكبرى غربي البلاد.
خلال أيام قليلة قد تتحول بلدة “حسنكيف” وعشرات القرى الواقعة على ضفاف نهر دجلة مجرد ذكريات بعد أن تغمرها مياه بحيرة سد “إيليسو” الذي اكتمل بناؤه.
وقد بدأت الحكومة التركية ملء بحيرة السد، وهو الأمر الذي قد يستغرق عامين ويتوقف على كميات الأمطار التي تهطل، وتشير صور الأقمار الاصطناعية التي التقطت حديثا إلى ارتفاع منسوب المياه في حوض النهر.
وسيتم فرض طوق أمني على البلدة وستقطع الطرق المؤدية إليها مع خروج آخر أبنائها منها.
وكانت الحكومة قد شرعت العام الماضي بملء البحيرة، وأوقفت تدفق المياه إلى العراق، لكنها تراجعت عن ذلك وأجلت الخطوة إلى العام الحالي بعد احتجاج الجانب العراقي.
ورغم الاحتجاجات المحلية والدولية حول الآثار المدمرة لهذا السد منذ إعلان الحكومة نيتها بناءه أواسط القرن الماضي مضت حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان، في هذه الخطط بعد أن تجاوزت كل العقبات عام 2006 وباشرت البناء، وفي عام 2008 انسحبت الشركات الغربية من المشروع فلجأت الحكومة إلى التمويل المحلي ورفعت وتيرة الأعمال.
وقبل التوجه إلى محكمة حقوق الانسان الأوروبية، رفع أنصار البيئة والمدافعون عن “حسنكيف” دعوى أمام القضاء التركي لوقف البناء لأن السلطات لم تدرس الأثر البيئي للسد كما يشترط القانون التركي، فما كان من الحكومة سوى إلغاء القانون ببساطة.
فلجأ المعارضون إلى محكمة حقوق الإنسان الأوروبية العام الماضي في مسعى أخير لوقف عمليات تخزين المياه في السد، لكن آمالهم خابت بعد أن قالت المحكمة إن حماية الإرث الثقافي للأفراد ليس من بين حقوق الإنسان الأساسية المعتمدة عالميا.
ويرى علماء الآثار أن الانسان بدأ الاستيطان في مدينة “حسنكيف” التي تقع في الجزء الأعلى من وادي الرافدين، قبل 12 ألف عام، وهي الفترة التي تعرف بالعصر النيوليتي، وقد عُثر على آثار تعود لتلك المرحلة في مئات الكهوف المحفورة في المنحدرات الصخرية الواقعة على ضفاف النهر، بل وصل الأمر بالعلماء للتأكيد أن المدينة هي أقدم مستوطنة بشرية منذ أن تحول الإنسان من مرحلة البداوة إلى السكن والزراعة، ولم تنقطع الحياة فيها منذ ذلك الحين.
تناوبت على حكم المنطقة العديد من الحضارات التي تركت آثارا واضحة فيها، وكان الآشوريون يطلقون على المدينة اسم “كاستروم كيفا” ويعني القلعة الصخرية.
وفي عام 300 بعد الميلاد بنى الرومان في المدينة حصنا بهدف حماية حدود الإمبراطورية والوقوف بوجه الإمبراطورية الفارسية الواقعة على حدودها الشرقية، وكذلك حماية قوافل الماشية وتجارة الحبوب.
وفي القرن الخامس الميلادي سيطرت الإمبراطورية البيزنطية على المدينة ثم أقامت فيها مقرا كنسيا. لكن العرب دخلوها عام 640 ميلادي، وأطلقوا عليها “حصن كيفا” وبعدها تولى حكم المدينة الأرتقيون التركمان والأيوبيون الأكراد وفي عام 1260 سيطر عليها المغول مع غيرها من مدن المنطقة.
وخلال العصور الوسطي حافظت “حسنكيف” على دورها كمحطة مهمة على طريق التجارة “طريق الحرير”.
وفي عام 1515 سيطر عليها العثمانيون وباتت جزءا من الإمبراطورية العثمانية.
ومن أبرز آثار المدينة قصر الملك الأرتيقي الذي بُني في القرن الثاني عشر، ومسجد رزق الذي بناه السلطان الأيوبي سليمان عام 1409 وقبر زينل المخروطي الذي تغطيه قطع الموزاييك الأزرق والفيروزي اللامع.
وكانت آلاف الكهوف المجاورة للنهر مسكونة من أبناء المنطقة حتى عام1972، وكانت أبعد ما تكون عن الكهوف إذ كانت أشبه بشقق محفورة داخل الصخور.
وستغمر مياه البحيرة أكثر من 300 موقع أثري وتاريخي على ضفاف النهر إذ ستمتلئ بنحو 11 مليار متر مكعب من المياه، وتمتد على مسافة تزيد على 176 كيلو مترا، فحسنكيف التي تقع على بعد 93 كيلومترا من موقع السد ستصبح على عمق 60 مترا تحت الماء، وستبلغ مساحة البحيرة 313 كيلو متراً مربعاً. ويبعد السد الذي تقدر تكاليفه بنحو مليار ونصف المليار دولار 65 كيلومترا عن الحدود السورية والعراقية، كما ستغمر مياه البحيرة العديد من الروافد والأنهار الصغيرة التي تصب في النهر الكبير، والتي يبلغ إجمالي طولها 400 كيلومتر، وستصبح جزءاً من البحيرة الاصطناعية.
ووفق دراسات جامعة “دجلة” التركية هناك 40 نوعا من الأسماك التي تعيش في النهر سيتراجع عددها بنسبة 40 في المئة في ولايات باطمان وديار بكر ونهر دجلة، كما ستكون جودة المياه في البحيرة الاصطناعية أدنى بكثير من نوعية مياه النهر قبل بناء السد.
ومن بين الآثار المتوقعة للسد تسببه في توتر العلاقة مع العراق وسورية. ففي سنوات الجفاف توقف تركيا تدفق مياه دجلة إلى البلدين، وسيكون لذلك آثار مدمرة على البلدين خاصة العراق إذ يعتبر نهرا الفرات ودجلة المصدرين الأساسيين للمياه المستخدمة لأغراض الزراعة والشرب فيه، وهما مصدرا الحياة لأهوار العراق وسكانه، وتبلغ الطاقة التي ينتظر أن يولدها السد 1200 ميغاواط من الكهرباء وهو ما يعادل واحد في المئة من حاجة تركيا.
وعند امتلاء البحيرة ستتأثر نحو مئتي قرية بشكل أو آخر في أربع ولايات، ووفق إحصاءات الحكومة ستغمر مياه البحيرة 85 قرية بالكامل، وسيفقد 55 ألف شخص منازلهم وأراضيهم ويواجه 15 ألف شخص الترحيل القسري.
ولم يبق من أبناء بلدة “حسنكيف” سوى العشرات، وهم في طريقهم إلى ترك مساكنهم التي عاشوا فيها جيلا بعد آخر قبل أن تغمرها المياه.
والغالبية العظمى من أبناء القرى التي ستتأثر هم من الأكراد، وهناك قريتان من أتباع الديانة الأيزيدية، بينما أبناء “حسنكيف” موزعون بالتساوي بين عرب وأكراد.
وقد اجتمع حاكم ولاية باطمان التي يقع فيها السد مع من بقي من سكان “حسنكيف”، ليخبرهم أن قوات الأمن ستمنع الدخول إلى البلدة في الثامن من أكتوبر الجاري، وستغلق الطرق المؤدية لها.
العمر الافتراضي للسد هو ما بين 50 و60 عاما، وبعدها يجب التخلص منه، لكن بعد أن يكون قد دمر النظام البيئي الدقيق الذي تطور عبر ملايين السنين والأرث التاريخي والإنساني الذي يمتد لأكثر من 12 ألف عام.
ويقول علماء الآثار إنه لم يتم التنقيب سوى عن 15 في المئة من آثار المنطقة.
جدير بالذكر أن منطقة ميزوبوتاميا التي تشمل المنطقة الواقعة بين نهري الفرات ودجلة تعتبر مهد الحضارة الانسانية، وفيها تعلم الانسان الزراعة وتدجين الحيوان وأقام أولى المستوطنات البشرية.
وهذا السد عبارة عن حلقة من مشروع الغاب التركي الطموح الذي يشمل بناء 22 سدا عملاقا لتخزين المياه و19 محطة لتوليد الكهرباء على نهري الفرات ودجلة بطاقة إجمالية تبلع 7476 ميغاواط، ومن المتوقع أن يتم ري 1.89 مليون هكتار في تسع ولايات، وهو ما يعادل نحو 10 في المئة من مساحة تركيا.
وسيؤدي المشروع في نهاية المطاف إلى تراجع حصة سورية من مياه نهري الفرات ودجلة بنسبة 40 في المئة وحصة العراق بنسبة 80 في المئة.
عن “بي بي سي عربية”

امرأة تجري مكالمة هاتفية وهي تنظر الى القرية التي ستهجرها للأبد
You might also like