سعد عبدالفتاح: الأدباء الحقيقيون لا يجيدون تقديم فروض الطاعة روائي مصري يدين للكتاب الكبار بتشكيل ذائقته

0

القاهرة – رحاب حامد:
بدايته الأدبية كانت مع القراءة منذ حداثه سنه لاحدى روايات توفيق الحكيم التي سحرته وسحبته لمزيد من القراءات لجيل الأدباء العظماء، طه حسين، العقاد، نجيب محفوظ، وغيرهم من أعلام الأدب العالمي والعربي الذين شكلوا ذائقته الادبية. بعدها كتب « سفر الولي»، ثم «العشب»، التي أهلته للفوز بالمركز الأول لأفضل عمل روائي في فئة كبار الأدباء، أكدت لجنة التحكيم أنها «تمثل مغامرة فنية في اختيار سياق زماني ومكاني غريب على الرؤية المصرية المعاصرة».
عن الرواية التقت «السياسة»، الروائي» سعد عبد الفتاح»، في هذا الحوار.
ما شعورك عقب فوز روايتك «العشب» بجائزة ساويرس لأفضل عمل روائي في فئة كبار الأدباء؟
لم أكن أتوقع الفوز بأية جائزة، خصوصاً أنها عن عملي الثاني بعد «سفر الولي»، لأنني أكتب لأبدع، لا أنتظر الجوائز، علاقاتي محدودة في الوسط الأدبي، لم ألتق بأي من أعضاء لجنة التحكيم من قبل لهذا كانت سعادتي لا توصف ولم أصدق نفسي، تأكدت من حيادية لجنة التحكيم في الاختيار، أحسست أن مجهودي وابداعي نال ما يستحقه من تقدير.
من رشحك للجائزة؟
ناشر الرواية وتكونت لجنة التحكيم «فرع كبار الأدباء»، من القاص سعيد الكفراوي، الدكتور أحمد عبد الحميد، الكاتب محمد شمروخ، الدكتور محمود الضبع، الكاتب ياسر عبد الحافظ.
لماذا اختيرت الرواية للفوز بالجائزة؟
ذكرت لجنة التحكيم في حيثياتها، أن الرواية «تمثل مغامرة فنية في اختيار سياق زماني ومكاني غريب على الرواية المصرية المعاصرة بوصفه موضوعا للتخيل السردي، السودان في نهاية ستينيات القرن الماضي، الهجرة إلى التاريخ في الرواية لا يسعى لاثارة أسئلة بالمسكوت عنه تاريخيا، أو لطرح اشكاليات الهوية من منظور مغاير، ربما لاعادة الاعتبار لأقليات وثقافات همشها التيار المصري الرئيسي، بل تخوض المغامرة طلبا للذتها الخالصة، تسعى لاعادة اكتشاف الانساني العام في المحلي الخاص».
لماذا اخترت عنوان «العشب»؟
بشكل شخصي منحاز تماما للانسان البسيط البعيد عن الصراع السياسي، لكنه مطحون من توابع هذه الصراعات، لذا كان عنوان «العشب «، تعبيرا عن الانسان البسيط، فالعشب يحيا عليه كل الأجناس لكنه يداس دوما بالأقدام.

بيئة ابداع
لماذا اخترت افريقيا ساحة لأحداث الرواية؟
اخترت الكتابة عن الانسان في قارة أفريقيا لأنها تضم أكثر بلدان العالم الثالث ضعفا وتخلفا اقتصاديا، تكنولوجيا، فكريا، لذا تعتبر بيئة خصبة للعمل الابداعي، لن أعود للكتابة عنها ثانية، عبرت في الرواية عن كل ما تمنيت التعبير عنه في هذه البيئة.
كيف ربطت أحداث الرواية ببعضها البعض رغم تناولها أزمنة وأمكنة مختلفة؟
رغم تعدد الأبطال وتعدد البيئات التي نشأوا فيها، الا أنني لم أجد صعوبة في الربط بينهم لأن الواقع وطبيعة الصراع السياسي بين الديني والوطني في كل أوطانهم لا يختلف كثيرا.
هل أثر هذا الصراع على الأبطال؟
«عثمان ادريس « هرب هو وأسرته من الحرب الأهلية النيجيرية والصراع بين الشمال والجنوب، «عبد الله الموريتاني « هرب من اهمال الحكومة المركزية لهم حتى مات الأطفال في وطنه جياعا، بين هذا وذاك رابط أساسي، انه البحث عن موطئ قدم، بلا جوع، بلا خوف، بلا قتل، بلا موت بسبب حرب أو مجاعة، عندما يصلون للسودان لا يجدون شيئا مختلفا، نفس الألم بسبب الصراع بين النميري ممثلا للوطنيين والمهديين ممثلين للدين، هذا الصراع الأبدي الذي أوصل كل أمتنا تقريبا إلى تلك الحالة المزرية وسط العالم.
كيف كان استعدادك للرواية؟
كتابة رواية تدور في أوطان غريبة عني، لم أعش فيها، لم أزرها، استلزم جهدا بحثيا كبيرا، للوقوف على أرضية ثقافية صلبة عن تلك البلدان، أي التركيبة الاجتماعية، السكانية، الثقافية، الفلكلور، التراث، الموروث، الدين، الجغرافيا، التاريخ، الجيولوجيا، الحيوان، النبات، وغيرها، حتى أستطيع نقل القارئ للعالم المروي عنه بصدق، لذا استغرقت في كتابة الرواية عدة سنوات، قرأت كتبا ومقالات، سمعت فلكلورا شعبيا، سالت كثيرا، أجريت حوارات مع أشخاص من نفس البلدان التي كتبت عنها، عندما قرأ صديق سوداني الرواية قال لي «أنت سوداني أكثر مني».
ما أهمية الجوائز للكاتب؟
دفعة حقيقية له، خاصة عندما تكون منصفة، محايدة، ذات ثقل، مثل جائزة ساويرس، أكرر أن الجوائز لا تصنع أدبا، لكنها تعبير رقيق عن تقدير الابداع واعتراف بقيمته.
هل ستضع في اعتبارك وأنت تكتب عملك القادم أنك فزت بجائزة؟
العمل القادم يجب أن يكون أكثر قوة من «العشب»، ليس فقط من حيث التجهيزات، لكن أيضا من حيث اختيار الفكرة التي سيتم تناولها، المرحلة الزمنية، المكان الذي تدور الأحداث فيه، طريقة المعالجة، تكنيك الكتابة.
كيف كانت بدايتك مع الأدب والكتابة؟
رواية توفيق الحكيم «عودة الروح»، التي استعرتها من مكتبة مدرستي الاعدادية، كنت بالصف الأول الاعدادي، سحرتني بعد قراءة عدة صفحات منها، سحرني عالم الأدب، عندما انتهيت منها أيقنت أن الأدب هو عالمي المفضل. انتقلت من توفيق الحكيم لكل جيل الأدباء الكبار في الرواية والأدب عموما العقاد طه حسين، نجيب محفوظ، يوسف ادريس،، وغيرهم.
لماذا تأثرت بالأدب الروسي؟
قراءاتي في الأدب الروسي أحدثت نقلة نوعية لدي، كانت أشبه بالصدمة الأدبية، أعتبره أفضل ما أنتج من أدب، استقي منه معظم أدباء العالم أعمالهم، بداية من المدرسة الرومانسية بوشكين وجوجول، مرورا بالمدرسة الواقعية، تولستوي وديستوفسكي، وصولا للواقعية المتأخرة، تشيكوف ومكسيم غوركي.
هل تأثرت بهم في كتاباتك؟
هؤلاء السابقون وغيرهم من أعلام الأدب العالمي والعربي، هم من شكلوا ذائقتي، جعلوا للرواية تقديسا داخلي، لكن لو قررت أن أنتقي أديبا واحدا لأعيش مع أدبة فسوف اختار اليوناني «كازانتزاكس» وروايته «المسيح يصلب من جديد».
هل تصنف نفسك كاتبا تاريخيا؟
أرفض فكرة المدارس الأدبية والتقسيمات للأدب عموما، المدارس الأدبية فكرة تم تجاوزها منذ زمن طويل، لأنها تالية للابداع وليست صانعة له، اخترعها النقاد لوضع ضوابط لقياس، تقييم، تصنيف، وصف الأدب، لكن لكل جيل أو مجموعة من الأجيال ذائقة، وعي، احتياج أدبي، يصنع انتاجه ومبدعيه. الأدب الحقيقي يتجاوز كل هذا ويشكل ذائقة القاري.منذ قرنين تقريبا ما زال أدب ديستوفسكي يعبر من جيل لجيل، بل ما زالت الف ليلة وليلة تعبر من قرن لقرن لتساعد في تشكيل الذائقة، الفكر، الخيال. رواية «العشب» خارج كل هذه التصنيفات لأنني كتبت في القالب المناسب لما أردت التعبير عنه.
كيف تتقدم الشعوب الأفريقية؟
الأوطان القوية المؤثرة في الحضارة الانسانية لا تبني بأموال أيا كان حجمها، كم من بلدان تدفقت عليها أنهار من الأموال لكنها لم تبن أوطانا حقيقية، خلفت وراءها كيانات أكثر هشاشة، تستجدي الحماية من غيرها، تقتات على منتجات غيرها، الأوطان يقيمها شعوب واعية، متعلمة، متحدة خلف هدف حقيقي، عدالة نافذة، ديموقراطية مفعلة وليست صورية.
هل التعليم والوعي الحل الأمثل؟
غياب الوعي يحول الشعوب لما يشبه القطعان غير الواعية، يصنع عقلا جمعيا، همجيا، فاسدا، يغير معايير التقييم والقيم، يجعل الفساد مستشريا، مألوفا، متعارفا عليه، يجعل الشعوب غير قادرة على عمل تقييم حقيقي للصفات السلبية الموروثة من الأجيال السابقة، يجعل الأوطان عرضة للتغرير بها من كل وصولي، متطلع، مدعي.
هل يمكن الاستفادة من تجربتي اليابان وكوريا الجنوبية في تقدم أفريقيا؟
في منتصف الأربعينات من القرن الماضي، خرجت اليابان وكوريا الجنوبية من الحرب العالمية الثانية مدمرتين تقريبا، بكل ما تعني الكلمة على كل المستوىات، لم يهتموا ببناء الأوطان والاقتصاد، بل اهتموا أولا ببناء الانسان، ايجاد وعي عام وفردي لديهم، طبقوا عدالة نافذة وديموقراطية حقيقية كافية لاحداث نهضة تحققت بعدها بسنوات، على النقيض اهتمت شعوب الكتلة الشرقية باطعام الفرد ووهم حمايته فتحولت لأوطان هشة، آيلة للسقوط أو سقطت بالفعل.
ماذا عن مصر؟
يوجد محاولة جادة لاعادة مصر على الطريق الصحيح، لكن ينقصها أيضا أن تهتم بايجاد وعي وثقافة حقيقية، عمل مشروع قومي ثقافي وتعليمي سوف يوفر على هذا الوطن عشرات السنين من الضياع، يقفل صنابير الارهاب، يعيد للوطن بريقه، وعيه، تأثيره المطلوب في الحضارة الانسانية.
ماذا عن المرأة في رواياتك؟
في روايتي الأولى «سفر الولي»، حاولت أن القي الضوء على نماذج جديدة لم يتم تناولها في كتابات سابقة، مثل أن يكون بطل الرواية امرأة، تتمتع بصفات الولاية، أن يكون خولي الأنفار الذي يدير العمالة في القرية امرأة بنموذج خاص وعالم خاص بها، حاولت من خلال الرواية تعرية مساوئ الريف المصري المعاصر وآلام الانسان فيه.
لماذا اهتممت بالريف؟
لأنني ولدت وما زلت أعيش فيه، الريف الحديث بشخوصه، صراعاته، آلامه، عشوائيته، ريف يختلف كثيرا عن ريف دعاء الكروان، المعذبون في الأرض، أيام الانسان السبعة، الوتد، ريف لم يعد ريف سينما الستينات، الزوجة الثانية، الحرام وغيرها من ابداعات الأجيال السابقة.
كيف ترى الأدب المصري؟
أصابه ما أصاب كل قطاعات المجتمع خلال الأربعين عاما الماضية، لم ينتج روائيا، قاصا، شاعرا، ناقدا، يمثل اضافة لما أبدعه الجيل الأول وجيل الستينات، لم ينتج كتابة مغايرة عن كتابات جيل الأساتذة لتكون اضافة حقيقية للمشهد الأدبي، لدينا بعض الأعمال الجيدة لبعض الكتاب، لكن ليس لدينا أديب صاحب مشروع أدبي.
ما أسباب هذا التردي؟
ربما للأسباب الاقتصادية الضاغطة بقسوة على كل الأدباء، منذ الانفتاح الاقتصادي في منتصف سبعينيات القرن الماضي وشيوع ثقافة الاستهلاك انشغل الأديب بتحصيل قوت يومه، لم
يعد لديه الوقت الكافي ليقرأ بما يمكنه من تقديم ابداع حقيقي ومغاير، صارت السطحية، الاستسهال، اللجوء للغرائبية، مدارس التجريب والحداثة طريق الأديب، معظم المنتج الأدبي أصبح سطحيا تافها.
ما سبب زيادة اعداد الروائيين والشعراء مؤخرا؟
لأن كل من يمكنه صياغة جملة يقارن كتابته بما هو متداول في المكتبات، عندما لا يجد فروقا جوهرية يلعب دور الأديب، الشاعر، القاص، لذا حدث انفجار روائي، شعري، قصصي، لكن بلا أدني قيمة أو اضافة لمنجزنا الأدبي.
ما تأثير العمل في مجال الصحافة على الأدب؟
الكثير من الأدباء أصبحوا صحافيين، كثير من الصحافيين أصبحوا أدباء، يحظون بالشهرة، يلقي الضوء على أعمالهم، تقدم دراسات نقدية مزيفة عنهم، تفسد أذواق أجيال تتربي على أن هذا هو الأدب الحقيقي، بينما الأدباء الحقيقيون لا يجيدون بناء علاقات ولا تقديم فروض الطاعة لشلة من الشلل فانحصروا في مكاتبهم وبين أصدقاء يعرفون قيمتهم.
ما تعريفك للابداع؟
يقول مراد وهبة في تعريفه للابداع، «هو قدرة العقل على تشكيل علاقات جديدة تغير الواقع، والرواية في هذا الاطار هي أكثر أنماط الابداع النظري قدرة على تشكيل عوالم موازية، تنشد تغيير الواقع، فهي ترصد بالعقل وقدرات الخيال البشري كل ما له علاقة بالانسان، طامحة إلى ايجاد واقع منشود، فالكاتب يحركه الانسان واقعه وصراعاته معه ومع ذاته». الأدب بعامة، تعبير عن الانسان بكل ما ينطوي عليه من آلام، أحلام، فكر، صراع.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

20 − ستة =