سعر الخبز أطاح رئيس الدولة مختصر مفيد

0 132

احمد الدواس

كنت صغيراً لم أمر بتجارب الحياة، بدأت حياة مهنية شاقة أكسبتني تجارب كثيرة، فقد نُقلت للعمل بالسفارة في الخرطوم، وعمري 24 سنة، ولم تكن هناك طائرة من الكويت تسلك الطريق المباشر إنما عن طريق بيروت، فوصلت العاصمة اللبنانية ترانزيت، وأتذكر أنني هبطت فيها قبل اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، ولما وصلت الخرطوم في 31 أغسطس 1974، استقبلني زميل عمل على أرض المطار ثم دخلت مسكني، صُدمت أن الكهرباء مقطوعة، وأنها تنقطع معظم ساعات النهار والليل، وبالطبع، ينقطع وصول الماء الى المنازل، لأن مولدات الحكومة الكهربائية لا تعمل، ولما تتوقف هذه المولدات لا يستطيع الناس تعبئة سياراتهم بالبنزين، ولقراءة الصحيفتين الرسميتين “الأيام” و”الصحافة”، عذاب ومشقة تلو أخرى.
ومن صعوبة الحياة أنك لا تجد رغيف الخبز في ساعات الصباح الأولى، ولامحال سندويش، ولا سوبرماركت، وبالطبع لا مجمعات تجارية، كنا نتمنى أكل “النخي” أو “الباجلة” أو الفستق، لكن هيهات ان يتحقق هذا الحلم، وإذا أنت امتلكت اسطوانة غاز للطبخ فأنت تمتلك ثروة، ونحتفظ بالرز والفستق الذي جلبناه معنا من الكويت، فنستهلك منهما مقداراً معيناً ليبقى عندنا نحو ستة أشهر، وكان هناك دكان في منطقتنا السكنية التي تتواجد فيها السفارتان الكويتية والسعودية يبيع السردين والزيتون والجبن الأبيض، ويتباهى أنه سوبر ماركت!
في ذلك الوقت كانت الاجازة الاسبوعية فقط يوم الجمعة، وقد نعمل فيه اذ نذهب للمطار لاستقبال الوفد الرسمي الكويتي الزائر على متن طائرة الخطوط الجوية الكويتية التي اختارت ان تهبط بالخرطوم يوم الجمعة ! أي عملنا يومياً من دون اجازة نحو ست سنوات.
في بداية الوصول تساءلت كيف أقضي السنوات في هذا البلد؟ لقد عشت تجربة قاسية، كنت في مسكني أقرأ على ضوء الشموع كتاب”الاقتصاد” للكاتب البارع سامولسن، ومجلة “نيوزويك” الأميركية رغم حرارة الطقس، فإذا ضاق بي الوضع ذهبت الى فندقٍ للقراءة، وهناك أجد نصف الفندق مضاء ونصفه الآخر في ظلام، مع مواصلة دراسة اللغة الفرنسية في المعهد الفرنسي بين العصر والمغرب، وما خفف عنا معاناة الغربة طيبة أهل السودان فشعرنا كأننا بين أهلنا، وكنا نستمع الى إذاعة الكويت بوضوح من راديو ماركة “زينيت” والكويت تبعد عنا مسافة أكثر من ألفي كيلومتر، مع صعوبة الاتصال الهاتفي مع الأهل، ثم تحملنا مخاطر أمنية، كوقوع محاولتي انقلاب ضد الرئيس السوداني جعفر النميري في عامي 1976 و1977، وخرجنا بأمان بفضل من الله، أما اتصالنا الرسمي مع الكويت فكان عبر جهاز اللاسلكي، وتدريجياً أحببت البلد، وبدلاً من أن أقضي فيه سنتين كحد أدنى أمضيت ست سنوات، الى مايو 1980.
هذه المعاناة وقسوة الحياة جعلتني أقول: لو جرب الناس الحرمان لعرفوا معنى النعمة! عرفت أننا في الكويت بنعمة عظيمة بفضل الله، عرفت معنى الحرمان من الكهرباء والماء والطعام، والأمر لا يقتصر على ذلك فقط، بل كنا نخرج من تجربة في الحياة الى أخرى، كنا نقرأ من الكتب، كنا نحترم من هم أكبر منا، نتحمل منهم جرح المشاعر، كانت لدينا مشاعر راقية، والإنسان كلما صقلته التجارب عبر السنين كلما أزال الصدأ عن نفسه وأصبح بريقه لامعا.
اُطيح الرئيس النميري في سنة 1985، ثم تولى الحكم بعده من فشل في إصلاح وضع السودان الداخلي، وتولى عمر البشير حكم السودان منذ سنة 1989، أي نحو 30 سنة، فاستخدم القوة العسكرية ضد المدنيين المعارضين في جبال النوبة، وارتكب مذبحة دارفور التي مات فيها 300 ألف شخص، وهناك شرد مليوني نسمة خارج أراضيهم خلال عشر سنوات.
وفي عهده انفصل جنوب السودان الغني بالنفط عن شماله، وخلال الأشهر الأخيرة اندلعت احتجاجات سلمية تندد بارتفاع أسعار المواد الغذائية، فاُطيح حكم البشير في انقلاب قام به الجيش يوم الخميس 11 إبريل الجاري، الذي ألغى الدستور وسيحكم خلال فترة انتقالية مدتها سنتان، فكأن من أطاحه ليست الممارسات الوحشية والمذابح، إنما سعر الغذاء والمطالبة بالحريات.
الفترة المقبلة خطيرة، فالاقتصاد مُدمر، وينبغي على السياسيين وجماعات المعارضة في السودان، ان يجدوا حلا لإنهاء الحروب في دارفور وجبال النوبـة، ووضع إطار ديمقراطي للحكم تدعمه الدول الأفريقية والمجتمع الدولي.

You might also like