سعيد الكفراوي: ثقافتنا العربية قرية معزولة عن العالم قاص يعيش تحت وطأة ذاكرة حية مليئة بالذكريات والحنين

القصة القصيرة دفاع عن أهوال الحياة والموت أشخاصها من المنكسرين

القاهرة – محمد عبد السلام:
كاتب يعيش تحت وطأة ذاكرة حية مليئة بالأحداث والكثير من هوس الحنين للذكريات عبر 12 مجموعة قصصية واكب هذا القاص العتيد متغيرات حدثت في بلده وفي وطنه العربي الكبير، جسد فيما كتبه من أطفال وعجائز عبر جدلية الطفولة والكهولة، حيث يستمر الكشف عن تجربة تستمد عمقها من زمان ومكان وشخصيات ترتبط بتأمل أكثر القضايا التصاقًا بالوجود الانساني، حيث يحمل أسئلة ترتبط بالفعل بقرية قديمة لكن تلك الأسئلة لا تزال فاعلة في زمننا الحاضر.
سعيد الكفراوي قاص وروائي مصري ولد العام 1939 بقرية كفر حجازي بمحافظة الغربية، ينتمي إلى ذلك الجيل الذي كتب في الستينات القصة القصيرة وعاش وطأة هزيمة 5 يونيو 1967.لم يكتب سوى القصة القصيرة وانشغل فيما كتب بجدلية القرية والمدينة والف 12 مجموعة قصصية منها: «سدرة المنتهى» و»دوائر من حنين» و»البغدادية» و»حكايات عن ناس طيبين» و»مجرى العيون» و»ستر العورة»، ترجمت مؤلفاته القصصية إلى الإنكليزية والألمانية والفرنسية وغيرها، حصل على جائزة السلطان قابوس بن سعيد للقصة القصيرة، كما منحته مصر جائزة الدولة التقديرية، وهي أرفع جوائزها تقديرها لاخلاصه لهذا الفن، حيث لم يكتب غيره وكان من الحراس المقيمين للحفاظ على تطور شكل القصة القصيرة في مواجهة أن الزمن زمن للرواية، معه كان هذا الحوار:
– ماذا عن فترة التكوين، ومن ثم اختيارك لشكل صعب من الأدب؟
/ في قرية صغيرة قديمة من قرى الأربعينات جاءت البداية وسط بشر بسطاء يعيشون على الستر وعلى قيم المقدر والمقسوم، ودائمًا ما ينشغلون في حيواتهم بالدفاع عن أرواحهم في مواجهة مظالم كثيرة تتربص بهم، كانوا أوفياء للقدر ويتسمون بحكمة أن الحياة آخرها الموت، عاشوا زمنًا من الكدح والخرافة في قرية تموج بالرمز والمعاني ويحتشد أهلها في مواجهة الخطر، واني لازالت أتذكر تلك الليالي التي كونت وعي الكاتب، ليالي الحصاد والموالد وأغاني الأفراح والقسوة التي تقود صراع لا ينتهي حول ري الأرض والعلاقة بالحيوان وصوت الجدة يأتي بترنيمة من شفاعة بهبات الخيال المقتدر وحبكة الحكايات التي تطير النوم من العين، انها قرية للعبد والحرية والموت هناك له معنى آخر.
– كيف تكون الوعي ولماذا اخترت القصة القصيرة؟
/ هذا العالم الغني دفعني دفعًا لمحبة الكتب وعندما أعطاني مدرس قريب كتابًا ملخصًا لحكايات ألف ليلة وليلة وبعد قراءته مسني الجن والعفاريت واتسعت لدي الرؤية لعالم الكتابة، انه عالم ساعدني على التأمل ومعرفة تلك المنطقة الغامضة من الواقع المصري التي كتبت عنها القصص وعشت عبر صوفية العشق لهذا الفن وآمنت أن القصة القصيرة هي دفاع عن أهوال الحياة والموت وهي مثل النبوءة ولا بطل لها وأشخاصها من المنكسرين في أرواحهم وطالبي الخلاص من ظروفهم الاجتماعية الصعبة. لقد صرخ البعض ان الزمن زمن الرواية فآثرت أن أمضي ما بقي من عمري في زمن كتابة هذا الشكل الشقيق للشعر والذي لا يمكن أن تعرفه والذي يتميز بالتركيز المطلق من منطلق أن كل قصة خالدة هي كالبذرة التي تنام في داخلها شجرة عظيمة وسوف تنمو هذه الشجرة بيننا وتلقي بظلها على ذاكرتنا يومًا.

الواقع الثقافي
– كيف ترى تطورات المشهدين الثقافي والسياسي حاليًا؟
/ ما آراه يتسم فعليًا بقلة القيمة، انه واقع يطحن بعضه بعضًا تغيب فيه الحقيقة على المستوىين الثقافي والسياسي واختفت مشاريع الثقافة الكبرى التي كانت تؤسس للوعي بين الناس وتبشر برؤى جديدة نرى من خلالها مستقبلنا وأصبح سؤال الهوية يفرض نفسه من جديد وغاب عن مجتمعنا أن تكون هناك ثمة سياسة مشتركة يجمعها التنوع الخلاق الذي يواجهه العولمة وانتهت سياسة كل دولة إلى ممارسة «الفردانية» والعمل في اطار وحيد بعيدًا عن السياسة التي تجمع شمل المجموع وبسبب من صراع الداخل طمع الخارج في مقدراتنا وثرواتنا وبات علينا أن نتأمل ما جري في السنوات الأخيرة وظهور تيارات الأصولية المخيفة التي تنادي بنفي الآخر، ووصل بها الأمر إلى اعلان ولاءها إلى غير الحقيقة.
– كيف ترى فترة ستينات القرن الماضي؟
/ بعد تلك الفترة تحول الدين إلى سياسة واستباحت كل شيء ووضعه تحت حد السؤال، ومناقضًا للحقيقة وبينما يجري في واقع الناس ما يتناقض وانسانيتهم انتهي الأمر بكل نظام سياسي بالسعى إلى تأصيل هوية سياسية خاصة وغابت الثقافة التي كانت قديمًا تقر المشاريع الكبرى في التعليم وأن تدافع عن هوية التنوير والمناداة بتحكيم العقل في كل تجليات الأمور والتصدي لفرض المحاولات المتكررة لثقافة الآخرين حتى أنه في فترة ازدهار الثقافة الوطنية لم يكن هناك أية فروق في مفهوم الثقافة الوطنية والثقافة القومية، أما ما قبل الستينات فكانت فترة اتسمت بالتحرر الفكري، حيث شارك في احيائه جيل طه حسين في الأدب والفن والعلوم والفلسفة وكان هناك من يقودون لتخرج المجتمعات من الضرورة إلى البحث عن قيم الاستنارة والحرية.
– ماذا عن دور الأدب في التنوير ومحو ظلمة الفكر التكفيري ومواجهة التطرف؟
/ كانت الأربعينات بداية حداثة الكتابة وحدث التأثير الكبير الذي جاء مع المبدعين والفنانين الذين وضعوا العلامات الأولى في الشكل والمضمون واهتموا بالنصوص الحديثة وحرصوا على محاولة الآخر، وكان هناك ثمة قلق اجتماعي وتوتر سياسي منذ ثورة 1919 وحتى الخمسينات ، حتى جاءت تيارات الكتابة الحديثة منذ العالمي نجيب محفوظ ويوسف ادريس وحتى جيل الستينات الذين مثلوا الوثبة المضادة لتكون أدبًا جديدًا ورؤي مختلفة عما كتبه الرواد، وظلت مشاريع الأدب التي أنتجت في تلك السنوات عن يحيي حقي وطه حسين والعقاد ثم جيلي الأربعينات والخمسينات ومن جاء بعدهم من واجه سطوة التراث وهجمة الماضي بتفعيل الكتابة الأخرى في الأدب. لقد كان أدبًا يدافع عن القيمة الحقيقية للحياة ويدفع بقيم الحرية والعدالة الاجتماعية ضد قمع السلطة السياسية ويروج لأماني البسطاء في التحرر وظل الأدب قادرًا على المواجهة باهتمامه بثقافة العقل وابداعه القائم على التسامح والحوار وضمان حرية الآخر ومواجهًا سلطة القمع وصعود تيارات الاسلام السياسي في حقبة الفساد العظيم ومناقضًا لهجرة المصريين إلى الخارج والحفاظ على تراث الماضي الفاعل ثم الاستفادة من منجزات الآخر الثقافي مع التمسك بقيم ثقافتنا الانسانية التي تتحاور في جدل حر مع قيم الآخر الروحية والمادية.

مقارنة
– ما الفرق بين معطيات التفوق الأدبي لجيل الرواد وما تكتبه الآن الأجيال الجديدة؟
/ كان الرواد ينطلقون من آفاق مفتوحة على المستقبل ويعملون بدأبِ على احياء خطاب ثقافي جديد يحمل أسئلته عن مواجهة الكلام ونموذج المقموع سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا، لقد كانت قيم الدولة المدنية سائدة على رأسها سيادة القانون وحرية تكوين هيئات ومؤسسات المجتمع المدني كما كان التعليم يقرع أبواب الصمت وكانت الحرية التي يعيش في ظلها المجتمع بقيمه وانفتاحه تشكل فضائها لانتاج أدب جديد مغاير يحرص على الاستقلال ويعزز الدور لثقافي والآن تحاصر الثقافة ومن ثم الابداع بالاعلام المغيب للوعي وقيم الاستهلاك والمصادرة وتهميش المبدعين الجادين كل هذا يمثل القيم السلبية التي تواجه ابداعنا الحديث وبسبب من ذلك اتسم الابداع بأنه يشبه القيم السلبية التي تفرزها القيم المعاصرة وسطوة مؤسسات الماضي وجهازها القديم.
– ماذا عن رؤيتك لحركة النشر المهتمة بالكتاب وتوزيعه، وهل هناك ثمة رواج الآن فيما يسمى بسوق النشر؟
/ دعني أتحدث بصراحة وأقول ان ما يجري في حركة النشر من ازدهار يفوق التصور ويدفع إلى السعادة والاستقبال الحسن وعندما نرى ما يجري في مهنة صناعة الكتاب وكم من مكتبة فتحت أبوابها ودار نشر أعلنت عن نشاطها في مدينة القاهرة الصامدة، هناك العديد من دور النشر الآن تعمل وفق شروط اقتصادية طيبة تمثل فيها حركة الكتابة الشابة القدرة على التواصل والابداع.
– وما معوقات سوق النشر التي تنعكس بالسلب على مناخ التنوير والأدب؟
/ ثمة معوقات بالفعل من غلاء مواد الطباعة والأحبار والأوراق وارتفاع سعر الكتاب وبعض الشروط الرقابية وموقف الرقابة الدينية ومؤسساتها وموقفها من الابداع والمبدعين ثم الأهم من ذلك ما يدفعه الكاتب من تكلفة كي يري كتابه النور، وهناك أيضًا معوقات كثيرة لا تنفي رواج حرمة النشر وازدهار الكتاب عن فترات سابقة مثلت أزمة في الثقافة المصرية.
– كيف ترى زخم التناول الأدبي الحديث في مجالات الخيال العلمي والقصة البوليسية؟
/ بطبيعة الحال ومع تغير القيم وازدحام الساحة بأدب جديد له خصائصه ومع متغيرات ما تدفع به الساحة من أشكال جديدة منها النص البوليسي القائم على التشويق «السسبنس» وتفعيل الجريمة في تجلياتها كل تلك التجليات كان لها التأثير الأقصي في صنع تلك التيارات من الكتابة البوليسية التي تزدحم بها الساحة الآن عند كتابها أحمد مراد وغيره وأنا لست ضد وجود هذه الموجة من الكتابة بل أنا من المؤمنين بتواجد وتجاور كل التيارات الكتابية في ساحات الكتابة العربية.
– ما أسباب انطواء الرومانسية في الكتابات الأخيرة؟
/ لا أرى رومانسية فيما نعيشه من زمن فالرومانسية حلم من أحلام سنوات سالفة، انظر حولك، فأنت تنام وفي حضنك مأساة مروعة وتصحو على جريمة بغير معنى زمن يشكل القبح الجزء الأكبر منه صدقني، لا يمكن أن يشعر الانسان في مدينة مثل القاهرة بأي قدر من الرومانسية، فالرومانسية تحيا بين قيم من التسامح وعبر فضاء مفتوح على شكل جميل من الحياة الجميلة، وهل تذكر قاهرة الأربعينات والخمسينات حينما كانوا يقولون ان لندن وباريس تشبهان القاهرة وكانت هناك مسابقة عن أجمل مدينة في العالم كانت الأولى القاهرة، لكن ماذا عنا الآن؟ لم تعد تشبه أيه أماكن وبالتالي لا يحمل ما نعيشه من زمن أية ملامح لرومانسية غائبة فلا حول ولا قوة الا بالله.
– كيف يحافظ الأدب على هوية الانسان؟
/ الهوية تتغير بتغير طبائع الشعوب ومطلوب الحفاظ عليها من كل أشكال القيم الهدامة، هوية أي انسان هي ما يميزه وما يحافظ عليه والهوية في آخر المطاف هي البطاقة الشخصية للانسان في حياته والهوية تتقوي بالأدب الجيد الذي يلتزم بقيم الأوطان لذلك ظل الأدب وعاءًا للثقافات ومدافعًا عن الهويات، ولا ننسى أن الهوية المصرية تكونت عبر آلاف السنين كان يحرسها ويدافع عنها طوال الوقت ذلك الزمن الضارب في التاريخ عبر صيرورة لم تنقطع أبدًا طوال الوقت.
– يتسم ما كتبته من قصص بأنها قدمت مشهد كتابة القرية بتجليها في الأزمنة الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل، بينما المدينة أقل من حيث الحضور لماذا؟
/ تكمن تجربة أي كاتب في وعيه بما عاشه وكون تجربته ترتبط بالأزمنة الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل، وعندي في الكتابة هناك زمن واحد لأن الحاضر والمستقبل يمثلان زمنًا واحدًا يذهب للماضي، وكانت القرية هي الواقع بطقوسه وميلاده وتجليات عالمه وكانت دلالة عن سؤال كيف لهذا الكاتب أن يحول هذا الواقع إلى فن، وبما انني أحد من يكتبون القصص لا يستهويني النص السهل المباشر، لقد حاولت كتابة تلك المنطقة من الواقع وهي تتسم بالغموض والعنف ومحتشدة بالأسرار وارث الطفولة الفادح التي انشغلت به طوال مسيرتي مع الكتابة وتدفعني مقولة كافكا «أي طفل لا يكون شيئًا بذاته».
– ما أشهر ما واجهك في الكتابة عن القرية من تحديات؟
/ واجهني في الكتابة عن القرية سلطة الأب والعمدة والملاك الجبارين وسلطة الارث القديم من العادات والتقاليد وكيف تكتب عن هذا العالم الغني بطقوسه وميراثه وكان تحديًا كبيًرا أن تكتب عنه وتعبر وأنت تحلم بتصفيته.
– ماذا عن الواقع الثقافي الحالي؟
/ قلت ان الثقافة العربية ومنها المصرية تعاني قلة القيمة فهي لا تستطيع أن يكون لها دور في الثقافة العالمية ولا نمتلك أسئلة حول الحداثة والتقدم ولا تسهم بما تنتجع في تكوين مخيلة انسانية، نحن نعيش في قرية معزولة عن العالم ثقافيًا لا أحد يجيء ولا أحد يذهب.

Leave A Reply

Your email address will not be published.