سقوط البشير … سقوطٌ للسودان

0 355

أحمد عبد العزيز الجارالله

ثمة لعنة في الشرق الأوسط وأفريقيا لا يمكن الفكاك منها، وهي للأسف إلى اليوم لم تشكل درساً يمكن للشعوب أخذ العبرة منه، ففي هذه المنطقة الكبيرة كلما ثار الشعب منساقاً خلف شعارات ثورية تروِّجها مجموعة من السياسيين، وأسقط نظام الحكم الشرعي غرقت البلاد في الفوضى، وتحولت المؤسسات مزارع ومراكز قوى في أحسن الأحوال، وفي الأسوأ كان أي ضابط يستقيظ مبكراً ينقلب على الحكم.
هذا الوضع الشاذ تسبب في زيادة التخلف والفقر والأمية والتأخر الاقتصادي، وضياع الثروات الطبيعية. هذا ما حصل في العراق منذ عام 1958، ومصر عبدالناصر، وفي السودان التي تهتز اليوم جراء أزمة أوقدت نارها أحزاب تسعى إلى الإمساك بالحكم، فيما الفقر يزداد بفعل عدم التوجه حقيقة إلى بناء مؤسسات، وتسويق الدولة في العالم عبر خطط اقتصادية واضحة، إضافة إلى حروب أهلية مستمرة منذ عقود بفعل الطمع بالسيطرة على السلطة.
في أواخر عام 2010 ثار التونسيون على نظام حكم زين العابدين بن علي المستقر، الذي كان يتطور اقتصادياً وفقاً لما هو متوفر من إمكانيات، غير أن ما جرى بعد ذلك من فوضى، وسلسلة لا تنتهي من الأزمات السياسية بسبب اختلاف وجهات النظر الحزبية المتعددة المحكومة بالطمع بتولي الحكم، والتدخلات الأجنبية، دفعت البلاد إلى نفق مظلم لا يدري أحد أين ستكون نهايته.
في عام 2011 حين انتقلت عدوى ما سمي “الربيع العربي” إلى اليمن وخرجت قوى يمنية، بقيادة الحوثيين، على الدولة، لم يدرك اليمنيون وقتها أنهم يدخلون بلادهم شدق وحش الفوضى والحرب الأهلية، فيما هم اليوم يترحمون على حكم علي عبدالله صالح.
الحال نفسها في ليبيا، التي رغم اختلافنا مع سياسة معمر القذافي إلا أنها كانت مستقرة، حتى دخلتها فوضى الأحزاب والطموحات الخاصة لكل زعيم في الإمساك بزمام الأمور، وارتباط تلك القوى بدول لها مصالحها التي لا تنسجم مع مصلحة الشعب الليبي، فغرقت في الحرب الأهلية، وها هم الليبيون يترحمون على القذافي والدولة الهلامية التي كانت موجودة، لأنها أفضل بكثير من حال القتل المجاني في شوارع مدنها.
صحيح أن صدام حسين ارتكب الموبقات خلال حكمه، وأفظعها جريمة غزوه للكويت، وضرب أسس التضامن العربي، غير أن اليوم، وجراء تحكم الميليشيات الطائفية بالعراقيين وارتباطها بالمشروع الإيراني وما تمارسه من ألوان العذاب والقتل وهدم الدولة يترحم كثير من العراقيين على حكم صدام.
صحيح أن ريح سموم “الربيع العربي” ضربت سورية، وأدخلتها نفق الحرب الأهلية، غير أن نظام الحكم تصدى لهذه الموجة، واستطاع التغلب على الجماعات الإرهابية والطامعين بالحكم والدول متحينة الفرص للانقضاض على سورية، لكن في الحقيقة ما خلفته الحرب يحتاج لعقود عدة لإصلاحه، وإعادة الوضع إلى ما كانت عليه البلاد قبل عام 2011.
وحدها مصر نجت من الوحش بفضل اليقظة الشعبية وتدارك الأمر بثورة يونيو 2013، التي أدت إلى استرداد البلاد من براثن حكم “مكتب الأوغاد الإخواني”، غير أن الثمن الذي دفعته اقتصادياً كان غالياً، وها هي تتعافى وتستعيد قوتها نتيجة تعلمها الدرس.
هذه العبر موجودة اليوم أمام السودانيين المفترض أن يتعلموا منها ولا ينزلقوا إلى فخ الشعارات لأن سقوط الحكم الحالي، ونتيجة للوضع السياسي السائد، وتزايد الدعوات الانفصالية، وغياب الرؤية المشتركة للتنمية واستثمار الثورات الطبيعية بما يعود بالنفع على الشعب، سيؤدي حتماً إلى حرب أهلية أين منها الحرب الأهلية في الصومال؟

You might also like