سلطانة الهند الفارسة رضية الدين بنت إلْتُتْمِش قصص إسلامية

0 104

محمد الفوزان

يذكر التاريخ لأروى بنت أحمد الصالحية، أنها أول امرأة تحكم دولة في العالم الإسلامي، فقد تولّت عرش اليمن بعد وفاة زوجها الملك المكرم سنة (477هـ / 1084م) وتصرفت في أمور الدولة، واتخذت لنفسها ألقابا عدة، منها الحُرّة، الملكة، والسيدة السديدة، وظلت تحكم البلاد نحو 55 عامًا.
كانت رضية الدين النموذج الثاني الذي يعتلي الملك؛ حيث تولَّت حكم دولة المماليك في الهند، تلتها شجرة الدر في مصر؛ حيث كانت أول سلطانة لدولة المماليك في مصر سنة (648هـ /1250م) وحكمت ثمانين يومًا. وتشترك الملكات الثلاث في رجاحة العقل، وحسن التدبير، وسعة الحيلة، والتمتع بالذكاء والبصيرة، وإن افترقن في المدة التي قضينها في الحكم.
والسلطانة رضية الدين، ذات الأصل التركي، سجلت اسمها في كتب التاريخ كأول امرأة تحكم الهند في عصورها التاريخية، فهي المرأة الوحيدة في التاريخ التي تم تتويجها بسلطنة دهلي، وأول حاكمة مسلمة أيضًا في جنوب آسيا.
توفي السلطان شمس الدين إلتـُتـْمـِش سنة (634هـ/ 1236 م) وخلفه ابنه ركن الدين فيروز، غير أنه كان منشغلا عن مسؤولية الحكم وتبعاته باللهو واللعب، تاركا تصريف أمور دولته إلى أمّه التي استبدّت بالأمر، وهو ما جعل الأحوال تزاد سوءا، وتشتعل المعارضة ضده، وانتهت الأزمة بأن بايع كثير من الأمراء رضية الدين بنت التتمش، وأجلسوها على عرش السلطنة، وكانت تتمتع بصفات طيبة من رجاحة العقل، وشجاعة النفس، وعلى حظ كبير من الذكاء، تحفظ القرآن الكريم، وتلم بالفقه الإسلامي.
وكان أبوها يسند إليها بعض المهمات، حتى إنه فكّر في أن يجعلها”وليّة للعهد” دون إخوانها الذكور الذين انشغلوا باللهو والملذات، وقد تحقق ما كان يراه أبوها، ولا يراه سواه ممن كانوا يعترضون عليه إيثاره لها، فما إن آلت إليها السلطنة حتى دلّت على ما تتمتع به من صفات، حتى إن مؤرخي الهند، أطلقوا عليها اسم”ملكة دوران بلقيس جهان”، أي فتنة العالم.
جلست رضية الدين على عرش سلطنة دلهي نحو أربع سنوات (634-637هـ/ 1236-1240م) بذلت ما في وسعها من طاقة لتنهض بالبلاد التي خوت خزائنها من المال لإسراف أخيها، وسارت على خطى أبيها في سياسته الحكيمة العادلة، لكنها اصطدمت بكبار أمراء الملوك الذين يشكلون جماعة الأربعين، ويستأثرون بالسلطة والنفوذ، وحاولت الملكة جاهدة أن تسوسهم، وتحتال على تفريق كلمتهم، وتعقُّب المتمردين والثائرين عليها، وكانت تظهر بمظهر الرجال، وتجلس على العرش والعباءة عليها، والقلنسوة على رأسها وتقود جيشها وهي تمتطي ظهر فيلها.
ولما استقرت أحوال مملكتها انصرفت إلى تنظيم شؤونها، فعينت وزيرا جديدا للبلاد، وفوضت أمر الجيش إلى واحد من أكفأ قادتها هو سيف الدين أيبك، ونجحت جيوشها في مهاجمة قلعة”رنتهبور”، وإنقاذ المسلمين المحاصرين فيها، وكان الهنود الهندوس يحاصرون القلعة بعد وفاة أبيها السلطان التتمش.
غير أن هذه السياسة لم تلق ترحيبا من مماليك سلطنتها الذين أنفوا أن تحكمهم امرأة، وزاد من بغضهم لهذا الأمر أن السلطانة قرّبت إليها رجلا فارسيًا يُدعى جمال الدين ياقوت، كان يشغل منصب قائد الفرسان، ولم تستطع السلطانة أن تُسكت حركات التمرد التي تقوم ضدها، كما كانت تفعل في كل مرة، فاجتمع عليها المماليك وأشعلوا الثورة ضدها، وحاولت أن تقمعها بكل شجاعة، لكنها هُزمت، ففرت إلى ضواحي دلهي، وغفت بقرب قرية، فمر بها فلاح من دون أن يعرفها فطمع في قبائها النسائي المرصع بالذهب والجوهر فقتلها، وهي نائمة، فلما ذهب بالقباء لبيعه بالسوق اكتشف أمره، ودل على الحقل الذي دفن به جثمانها فما كان من شقيقها السلطان ناصر الدين إلا أن أمر بتشييد مدفن، أو روضة تليق باسم أول سلطانة للهند في البقعة ذاتها التي قتلت فيها، وهي اليوم في ضاحية سيتا رام بازار قرب دلهي القديمة، أو دهلي كما كانت تسمى.
وقد أهمل أمر هذا الأثر الذي وضعت السلطات عليه لوحة تعريفية متواضعة بالسلطانة، فيما خصصت له بوابة، للحيلولة دون الاعتداءات التي طالت الضريح على مر العصور، حتى لم يبق منه سوى شاهد القبر وبجواره شاهد آخر لا يعرف صاحبه، فضلاً عن بقية المحراب المعقود الذي كان ملحقاً بالضريح. رحمها الله.

You might also like