ينفي وجود مناطق محرمة على الأدب مستنكراً استخدام الإباحية في التعبير

سلمان زين الدين: الشعر يجعل الحياة أجمل… إنه خلاصنا النفسي ينفي وجود مناطق محرمة على الأدب مستنكراً استخدام الإباحية في التعبير

بيروت – ليندا عثمان:

لا تختلف كتاباته النثرية عن نحته الشعري, وفي كل ما كتب (نقداً ورواية, نصوصاً أو قصصاً أو شعراً) يضعنا سلمان زين الدين في دائرة التجلي والفخامة والتبحر في مخزونه الثقافي الإبداعي, والسياحة في أرجاء الطيب المنبعث من حنايا عطاءاته الفكرية الشاملة, جديد سلمان ضمائر منفصلة “عن دار نلسن” رسوم للفنان أمين الباشا, والقصائد تدخل في غمارها: الأنا والأنتِ والهي, ثم الأنتَ والـ”نحن” والـ”هو” أو الـ”هي” (لغير العاقل) تندرج تحت عناوين مضيئة ومواضيع متنوعة من مفاعيل الحياة وفواصل الأيام والتجارب, لأن أجمل الشعر بنظر الشاعر, هو العاصي على التعليب, في شكل محدد لإضعاف الحرف تحويه ولا اللفظ المجدَد.
“ضمائر منفصلة” قصائد كلاسيكية-عمودية, متعددة الأوزان والقوافي, حافلة بالوجد والشفافية, يتلو الشاعر فيها أغنية الفجر ويحاكي همس الرياحين وزهور البراري والعصافير المغردة على أفنان العمر وبوح الزمان, نبعه الوحي العبقري, وعلى صفحة الدهر يحفر صدى صوته للأيام الآتيات على صهوة “أمل” ورؤية صور, وحكايا برهات مكومة في مرايا الذكريات.
هو يسعى في قصائده إلى مرايا الضوء, يبتكر الصور في جنان الكلمات, يدعوها إلى عرس القصيدة, فالقصيدة لديه عروس أشعاره, يُجلسها فوق عروش اللغة وثريات النور, متجلية مصفاة مختارة خيرة, حيث يقول في صفحة الدهر,
“توقف قليلاً, يا زمانُ, ولا تجرِ
ودعني أُغني ما تصرم من عمري
دلفت إلى الدنيا خفيفا كغيمةٍ
ولا بد يوماً, أن أعود إلى البحر”.
(…)
ومن البحر يحن إلى نبعه, يعانق الكتاب ويسافر في بحور اللغة والكتب والشعر ويقول:
“هو الكتاب بساط الريح يحملني
عبر الزمان إلى مامات من حِقب
فيحضر الميتُ حياً من مقابره
كأنه لم يمت يوماً ولم يغب”.
الريف هو الحاضر في مجمل كتابات سلمان زين الدين, والزمان الدهري حالة مؤبدة يجنح الشاعر دائماً إلى الوقوف على أعتابها, كذلك الغربة والشكوى والصوفية, كما أنه يمجد السفر ويفتح كوة على مسالك الرحيل والحياة ما بعد الموت.
وهذه في مجموعها تشكل مساره الشعري وكتاباته عن الريف وأحواله ومقاماته, إنه حقيقةً; شاعر الغمام الرؤيوي, يمتطي, براق الطيف, وأمداء السفر وآيات الريح, ينحني للغة تشرئب بإشراقها, يحترم المنابع ويشتهي من هذه اللغة, ضمائرها معراجاً للحضور الأبدي.
هنا لقاء مع سلمان زين الدين :
* أنت تكتب الأدب والنقد والقصة والشعر. فكيف تجمع بين هذه الفنون? وتحافظ في الوقت نفسه على المستوى المطلوب?
* لست الوحيد الذي يجمع بين فنون مختلفة في الكتابة, ويحافظ على المستوى الفني المطلوب في هذا الفن أو ذاك. كثيرون في العصور الأدبية المختلفة تعددت اهتماماتهم الكتابية; ففي عصر النهضة, على سبيل المثال, كتب جبران القصة والخاطرة والمقالة والرواية القصيرة والقصيدة والشذرة, وكتب ميخائيل نعيمة القصة والمقالة والسيرة والنص الفلسفي, وكتب مارون عبود القصة والمقالة والقصيدة والخاطرة والنقد, وكتب أمين نخلة في النثر الفني والقصيدة والتاريخ والقانون, وبذلك, أنا على خطى هؤلاء وغيرهم في تعدد اهتماماتي الكتابية. ولعل السبب في هذا التعدد يعود إلى أن طبيعة الحياة وسعة الواقع أكبر من أن يعبر عنهما بأداة تعبيرية واحدة. فلكل حقل من حقول الحياة والواقع الأداة المناسبة للتعبير عنه, فأنت لا تستطيع أن تنقد أثرًا أدبيًا بواسطة القصيدة, ولا تستطيع التعبير عن رؤيا معينة بواسطة القصة القصيرة, وبما أنه لا يمكن تعليب الكاتب في نوع بعينه, لذلك يحق له أن تتعدد أدوات تعبيره, على أن يتقن استخدام هذه الأدوات.
بيئة جميلة

* الريف هو الحاضر الدائم في كتاباتك. هل الريف هو المحفز على الكتابة?
* يحضر الريف بشكل أساسي في نصي الريفي, في كتابي “القناديل والريح” و”قفص الحرية”, ويحضر بشكل جزئي كطبيعة خلابة في نصي الشعري, ويحضر بشكل جزئي أيضًا في نصي القصصي بصيغة عادات وتقاليد, لكنه بالتأكيد يغيب عن نصي النقدي. وهو محفز على الكتابة, بما هو بيئة جمالية طبيعية أو بيئة اجتماعية في طريقها إلى الزوال, لكنه ليس المحفز الوحيد بطبيعة الحال, فثمة محفزات أخرى داخلية وخارجية, كالهم الإنساني المقيم, والمخاطر التي تتهدد الاجتماع البشري, في هذه اللحظة التاريخية, على تعدد أسمائها.
* هل هناك موهبة ريفية وأخرى مدينية?
* الموهبة في حال وجودها مسألة تتعدى الجغرافيا وثنائية الريف والمدينة وغيرها من الثنائيات. هي استعداد موجود في الشخصية البشرية سابق للتموضعات الجغرافية, لكنها تتأثر كغيرها من الاستعدادات بالبيئة التي توجد فيها, وقد يكون هناك بيئات شاحذة للموهبة أكثر من غيرها, فما تتيحه المدينة من إمكانات شحذ المواهب وصقل الاستعدادات قد لا يتيحه الريف. وفي المقابل, رب بيئة ريفية تتيح للناشئ فيها إمكانات كبيرة للتفتح بما توفره من جمال طبيعي أو بشري أخاذ.
* اللغة في كتاباتك النثرية والشعرية لغة ناصعة, والكلمات ملكة. هل تركز على صنعة اللغة? أم تحضر اللغة كوسيلة شهية? كقطعة ذهب? كمجوهرات نادرة مثلاً? قاموسك اللغوي أنيق, متقن, صعب وسهل في آن?
* أشكرك على هذه الملاحظة الجميلة. وهنا أقول إن الأدب, بنثره وشعره, هو فن التعبير الجميل, وفق التعريف المعروف. أي أنه غاية جميلة بحد ذاته وسيلته اللغة بالإضافة إلى كونه أداة تعبير عن الواقع. والغايات الجميلة لا يمكن التعبير عنها إلا بوسائل جميلة, وبهذا المعنى ترتقي الوسيلة إلى مقام الغاية إن لم تضاهها أهمية. بالنسبة لي أتعاطى مع اللغة كوسيلة جميلة لغاية جميلة, لذلك أراني أختار المفردات المناسبة للتعبير, وأدخلها في التراكيب المناسبة دون أن تتحول الوسيلة إلى غاية بحد ذاتها بحيث تضيع الغاية الأساسية للنص وهي المعنى, فينشغل المتلقي باللغة عن مضامينها, وبالمباني عن المعاني, فقطعة الذهب أو المجوهرات لا تكتسب قيمتها من تفردها وحسب بل من انخراطها في سياق معين, هو مدار الأدب, في نهاية المطاف, شعرًا ونثرًا; فإذا ما أُتيح للأديب أو الشاعر المفردات الأنيقة والتركيب الجميل يكون كالصائغ الذي يصنع من المعادن الثمينة أجمل الحلى, وعندها يكون في قلب العملية الفنية الجمالية التي تجمع بين أناقة المادة ومهارة الصنعة.

الخوف من الزمن

* في جديدك “ضمائر منفصلة” وقفات دائمة عند الزمان, الدهر, العمر, الأمكنة, لماذا? هل هو الخوف من الزمن?
* الإنسان خاضع, في الأصل, للتفاعل, الأزلي الأبدي بين أقنومي الزمان والمكان, ومؤثر فيهما كأقنوم ثالث إلى حد معين. وتزداد عملية التفاعل إذا أوتي قدرًا أكبر من رهافة الحس ودقة الملاحظة, كما هي حال الفنانين والأدباء والشعراء. على أن الزمن هو الطرف الأقوى في هذه المعادلة الثلاثية, وهو الحاكم المطلق الذي يُخضع الأقنومين الآخرين لتأثيره. وبما أنني أراقب الزمن وتحولاته في المكان والإنسان, وأحس بتصرم العمر, وتغير الأمكنة, وحتمية المصير النهائي للكائنات, كان لا بد من التعبير عن حركة الزمن في الإنسان والمكان, دون أن يقترن ذلك بالهلع من القَدَر بل ربما كانت مقاربتي هذه الحركة القَدَرية هي إلى الرضى والتسليم أقرب منها إلى الخوف والرفض. فلماذا نكتب إذا كان رصد التحولات, الداخلية والخارجية, من أولويات الكتابة? بل قد تكون الكتابة نوعًا من سلاح نشهره في وجه الحتمية القدرية نجترح به زمنًا أطول وعمرًا أجمل, ونعيش وهم خلود كاذب ولو إلى حين. من هنا, هذه الوقفات التي أشرتِ إليها في “ضمائر منفصلة”, وهي موجودة أيضًا في مجموعتي الشعريتين “زاد للطريق” و”أقواس قزح”.
* نلحظ جنوح معظم قصائدك إلى الصوفية, الفردية, الرومانسية, الفلسفة.
* لعل السبب في ذلك يعود إلى تموضع الإنسان بين أقنومي الزمان والمكان وتفاعله معهما وخضوعه لتأثيرهما وللشرط البشري. فالتأمل في أحوال الإنسان وتحولاته, وحركة الحياة والموت, وحتمية المصير, والإحساس بزوال الأشياء والكائنات, يجعلنا نجترح اليوتوبيا على أنواعها, وننخرط في التفكير بحثًا عن خلاص ما, سواء أكان التفكير صوفيًا أو دينيًا أو فلسفيًا, لعلنا نبلغ شط إيمانٍ وأمان. وبهذا المعنى, يغدو الجنوح إلى الحقول المعرفية التي أشرتِ إليها نوعًا من التصالح مع الذات, والتكيف مع الخارج, الأمر الذي أعبر عنه في القصائد. مع العلم أن الفكر الصوفي أو الديني أو الفلسفي مصدر غنيٌ من مصادر الشعر ينطوي على إمكانات لا يمكن استنفادها. وبالعكوف على هذا المصدر الغني, المتنوع, يستطيع الشاعر أن يتخفف من الاغتراب الوجودي, وأن يتحرر من الشرط البشري, وأن يتحلل من سؤال المصير الأخير.
* للمرأة والحب العذري مكانة في أدبك. ما رأيك في الكتابات الإباحية التي تبدو في نتاج بعض الكتاب?
* ليست ثمة مناطق “عسكرية” يُحظر على الأدب, بشعره ونثره, الدخول إليها. على أن المسألة تتعلق بالشكل وطريقة التعبير أكثر من المضمون, فالأدب موضوع كيفية أكثر مما هو موضوع ماهية. وليست المعاني هي التي تمنح الأدب أدبيته بل طريقة التعبير عنها, فالمعاني مطروحة في الطريق كما يقول الجاحظ, ومدار الأدب هو كيفية التعبير عن هذه المعاني. وفي هذا الإطار, يعمد البعض إلى الإباحية واستخدام الجنس في الكتابة بهدف الإثارة وكسر مزراب العين ونيل شهرة سريعة وعابرة وافتعال جرأة وهمية, وهذا النوع من الكتابة أشبه بفقاعات على سطح الأدب تزول بمجرد رؤيتها. أما التعبير عن الإباحية ومتعلقاتها بطريقة فنية جميلة خالية من الادعاء واصطناع البطولات الوهمية فهو مسألة في قلب العملية الأدبية. ليس ثمة موضوع محرم على الأدب برأيي, والمهم طريقة المقاربة, هل هي فنية أدبية أم لا? وهنا, أستطيع أن أضرب مثلاً ناجحًا على حسن الاستثمار الشعري للإباحي بالأعمال الشعرية الصادرة حديثاً للشاعر اللبناني الراحل جوزف نجيم التي تجمع بين جرأة المضمون وشعرية المقاربة.
* في بعض شعرك وقفة مع تمجيد الشعر وجعله خلاص الأحلام والرؤيا. هل الخلاص النفسي بالشعر هو المآل?
* الشعر كغيره من الفنون يجعل الحياة أجمل. يُخفف من الاغتراب الوجودي. يفتح كوة في جدار الواقع. به قد نستعيد توازنًا نفسيًا يختل بسبب ضغوط الحياة اليومية. بهذا المعنى, هو نوع من الخلاص النفسي المؤقت. فحين تحاصرنا الهموم, الخاصة أو العامة, نفيء إلى واحة القصيدة قراءةً أو كتابةً, فنعيش زمنًا نوعيًا, نكسر به الحصار, لكنه خلاص فردي بالتأكيد. أما الخلاص الجماعي فيحتاج إلى ستراتيجيات وآليات أخرى أكثر تعقيدًا, ليس هنا مقام ذكرها, لا سيما في هذه اللحظة التاريخية الحرجة التي تعيشها أمتنا العربية.

الرغبة والذل

* نستشف من المجموعة أن بعض الرغائب تؤدي بنا إلى الذل. ما المقصود بذلك? وما علاقة الحب بالرغبات بين الرجل والمرأة?
* لعلك تشيرين إلى الأبيات الواردة في قصيدة “حواء” التي أقول فيها:
“هي الرغائب, يا حواء, تسكننا
وتقلق الطين تزميرًا وتطبيلا
لا نحن نملك تذليلاً لقوتها
وتستحيل على الأيام, تذليلا
فنحن نعلق بين الطين مستعرًا والسيف يشهره التقليد مصقولا”.
في هذه الأبيات أشير إلى الصراع الداخلي الذي يعيشه كل منا بين الرغبات البشرية المحمومة التي يفرضها الجسد وبين التقاليد التي تعكس منظومة القيم الاجتماعية وتشهر سيفها في وجه الجسد ورغباته. وهو صراع أبدي. على أن المهم في هذا الصراع المحافظة على التوازن بين إشباع الرغبات المشروعة في إطار سلم القيم المعمول بها وبين عدم السقوط في فخ القمع الجسدي والنفسي, فلا ننساق مع الرغبات التي يؤدي بعضها إلى الذل, من جهة, ولا نقع في القمع والحرمان, من جهة ثانية.
أما الحب فهو رغبة متسامية, قد تبدأ من شهوة الطين لكنها تترفع عنه إلى مقام الروح. الحب علاقة جسدية-روحية, وليس مجرد شهوة عابرة, أو رغبة جنسية طارئة, ولعل هذا ما يمنحها الديمومة والاستمرار. الحب رغبة دائمة, والرغبة حب عابر.
* يقول الكاتب شفيق يحيى انه يخشى على نثرك من شعرك, لماذا?
* شفيق صديق عزيز, وهو يحب نثري ويشهد لجمالياته حتى إذا ما اطلع على شعري ووجد أن جمالياته تتخطى تلك التي في النثر أبدى خشيته على الأولى, في إشارة منه إلى التمكن من الفنين, وهذا ما أشرتِ إليه في سؤالك الأول. وعلى أي حال, هي شهادة صديق محب أعتز بها.