سلمان وعدت ووفيت

حملة تنظيف السعودية من الفاسدين التي انطلقت بأمر مباشر من الملك سلمان بن عبد العزيز، واشراف ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، رئيس اللجنة العليا لمكافحة الفساد، ليست نهاية المطاف، بل هي بداية لإعادة تصويب البوصلة بالاتجاه الصحيح، وفيها تسقط الحصانة عن الأمراء والوزراء، والمتنفذين الذين يعتقدون ان نفوذهم أو ألقابهم تحميهم من سيف القانون.
الأمراء من هؤلاء الذين يخضعون حاليا للمحاسبة على ما ارتكبت أيديهم من تعدٍ على المال العام وحقوق الناس خالفوا بالدرجة الأولى وصية المغفور له الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن، رحمه الله، التي قال فيها لأولاده وذويه:”يجب ألا يجمع أحدكم بين مسؤوليات الحكم والعمل بالتجارة، وعليكم عدم مضايقة الناس في أعمالهم وأرزاقهم”، وهي وصية سار عليها ملوك السعودية كافة، وهي ذاتها، ايضا، أوصى بها المغفور له الشيخ مبارك الصباح بيت الحكم في الكويت، وكذلك الأباء المؤسسون في الإمارات العربية المتحدة وعلى رأسهم الشيخ زايد والشيخ راشد بن سعيد، وقد ساعدت على بناء اقتصاد متين في الدول المعنية لأن الحاكم حصر عمله في إدارة شؤون البلاد والعباد.
لا شك أن في مرحلة معينة تختلط الامور على الناس، خصوصا من هم من بيوت الحكم، فيحاول بعضهم استغلال نفوذه ومنصبه أو لقبه في ممارسة التجارة المنهى العمل فيها، ولهذا ثمة من اعتقد في السعودية ان اجتثاثاً للفساد لن يتم خصوصاً لمن يحملون ألقاباً رنانة، رغم تشديد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز على مكافحة الفساد ووقف التعدي على المال العام، ومنذ اليوم الأول لتوليه الحكم، وكذلك قول ولي عهده الأمير محمد بن سلمان في مايو الماضي:” إن أي شخص يثبت ضده الفساد لن ينجو كائناً من كان. فإن لم تكن مكافحة الفساد على رأس السلطة فلا جدوى منها، وأي أحد تتوفر ضده الأدلة الكافية سيحاسب أكان وزيراً أم أميراً”.
هذا الموقف طبق بحرفية واثبت لمن كانوا يعتقدون انه لن يوضع موضع التنفيذ لأنهم كانوا يرون الفاسدين ما يزالون في مناصبهم ويمارسون حياتهم العادية، ان اعتقادهم خاطئ.
حين ألقت الشرطة السعودية القبض على رجل الأعمال السعودي، من أصل كويتي، معن الصانع ومعه مسؤول كبير في إمارة الشرقية أيقن السعوديون ان الأمر بات حقيقة، ولا مفر لفاسد مهما علا كعبه من الخضوع للقانون، لكن البعض استمر بالشك متسائلاً: هل يمكن ان يصل الأمر الى المحصنين.
غاب عن بال هؤلاء ان الملك سلمان حمل معه الى الحكم خبرته في إمارة الرياض حين كان يطلع على مظالم، وهموم ومطالب الناس وحاجاتهم مباشرة، ويعالجها بالروية والتأكد من صدقها قبل اتخاذ القرار كي لا يأخذ أحداً بغير حق، فهذا الرجل الذي كان يداوم في مكتبه منذ الساعة السابعة صباحا، ويبقى الى أخر الليل يطلع على شؤون إمارته، يدرك تماما ان لا نهضة لأي دولة اذا كان ثمة فساد ينخر في مكان منها.
منذ سنوات تخوض المملكة مواجهات على جبهات عدة في مكافحة الإرهاب، وتتصدى منذ نحو ثلاث سنوات للمشروع التوسعي الفارسي من خلال الخاصرة الجنوبية، وبالتالي من الطبيعي ان يتركز الاهتمام على تحصين الجبهة الداخلية، وهو ما لم يدركه الذين استغلوا نفوذهم في التعدي على حقوق الناس والاموال العامة، فجاء الأمر الملكي بتشكيل اللجنة العليا لمكافحة الفساد ليكمل منظومة تحصين الداخل.
وليس مستغرباً أن تبدأ هذه اللجنة عملها فور تشكيلها بإلقاء القبض على امراء ووزراء ومتنفذين متورطين في الفساد، ما يعني ان الجهات التي تشكلت منها اللجنة كانت تعمل منذ زمن على جمع الادلة والوثائق التي تدين من القي القبض عليهم، وهي ستكمل عملها الى النهاية.
أن يخضع الأمراء والوزراء للمحاسبة، ليست رسالة الى الداخل في السعودية، ولا إلى الخليج فقط، إنما هي رسالة الى العالم، ان المستثمرين الذين سيعملون في المملكة محمية حقوقهم، ولا خوف عليهم طالما ان المحاسبة لا تفرق بين كبير وصغير، واستشهاد الأمر الملكي بالأية الكريمة”ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين”، وكذلك الحديث النبوي الشريف”إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”، إنما هي تأكيد ان لا أحد فوق القانون مهما كان لقبه أو منصبه.
لا شك ان اليوم يختلف عن الامس، واعتقد ان كل بيوت الحكم في الخليج ستكون رؤياها قريبة أكثر من رغبات شعوبها، خصوصا في ما يتعلق بمحاسبة الفاسدين والضرب على أيديهم، ليبقى العدل أساس الملك.

أحمد الجارالله