سلوكيات اجتماعية بعضها مقبول وبعضها الآخر مرفوض

0

د. عبدالله راشد السنيدي

يعيش كل مجتمع وفقاً لمبادئ وقوانين تنظم حياته اليومية والعملية، وتتمثل هذه المبادئ والقوانين بالنسبة لمجتمعنا الخليجي في تعاليم الدين الحنيف والعرف الاجتماعي الذي لا يتعارض مع ما ورد في الشريعة الغراء والقوانين واللوائح التي تصدرها أي من دول مجلس التعاون لتنظيم مختلف جوانب الحياة العملية.
وهذه القوانين واللوائح التي لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية هي عقيدة المجتمع الخليجي الذي تجمعه ثقافة واحدة،باعتبار أن الشريعة قد تركت مساحة للحاكم المسلم لتنظيم ما لم يرد في الفقه الإسلامي من الأمور المستجدة في ضوء ما يعرف بالسياسة الشرعية.
ففي مجال الأسرة،عندما يختص بعض الآباء بعض أبنائه بمعاملة خاصة من عطايا ومزايا تختلف عن معاملة بقية أبنائه، أو يعامل البنات بغير ما يعامل به الأولاد،كأن يسمح مثلاً بتعليم الأولاد ومنع البنات من التعليم، يكون هذا الأب قد ارتكب خطاً يتعارض مع الدين ومع العرف الاجتماعي،لأنه مطلوب منه تطبيق مبدأ العدالة والمساواة بين أبنائه.
حول ذلك سوف أورد لكم حادثة شاهدتها شخصياً لأحد الشباب وهو يجادل والده في مكان عام حول مبلغ من المال سبق أن طلبه من والده المسن ولم يعطه إياه، في حين أنه،حسب الشاب،لا يبخل على أبنائه الآخرين حيث يخص بعض أبنائه من بعض زوجاته ببعض المال،وقد سمعت هذا الشاب في نهاية حديثة مع والده يوصيه بتقوى الله، وأنه خائف عليه من العذاب يوم الحساب.
واستمعت يوماً في احد البرامج الإذاعية لفتاة تتصل بالبرنامج المتخصص في مناقشة الموضوعات الاجتماعية،وقالت إنها حصلت على الشهادة الإعدادية ولديها رغبة في إكمال دراستها إلا أن والدها يرى أن عليها الاكتفاء بما حصلت،في حين أن إخوانها الذكور يواصلون دراستهم الثانوية والجامعية، وتطالب بكيفية معالجة مشكلتها.
وفي مجال العمل الإداري فإن القوانين واللوائح الإدارية تطالب المديرين والمسؤولين بتطبيق مبدأي العدالة والمساواة، بين الموظفين أو فيما يخص معاملات المراجعين، بحيث يتم انجازها بالسواسية من حيث الوقت ومن حيث النظام،وكذلك فيما يخص حقوق الموظفين، كالترقيات للوظائف التي فوض المسؤولون في اختيار شاغليها كالوظائف العليا أو القيادية،وهو تفويض بعيد عن الشخصنة، بل مقيد بمبادئ الكفاءة والعدالة والمساواة، فإعطاء المسؤول صلاحية الاختيار في شغل هذه الوظائف يكون في إطار هذه المبادئ وليس حسب تطلعاته ورغباته الشخصية، فالعبرة بمن يتوفر لديه مبدأ الكفاءة والجدارة لشغل هذه الوظائف ذات الطبيعة الخاصة فكم من صاحب كفاءة حرم من الترقية لأسباب شخصية وليس لأسباب موضوعية.
روى لي أحد الموظفين وهو من أقدم موظفي جهته، ولدية تأهيل علمي عال فوق الجامعية، كما أنه أمضى أكثر من عشر سنوات بمرتبته كما أنه مشهود له بالكفاءة، ومع ذلك أحيل للتقاعد و لم تتم ترقيته مع أن بعض زملائه الأقل تأهيلاً وخدمة تتم ترقيتهم بمجرد أكمالهم المدد اللازمة للترقية، وأنه عندما يتساءل عن سبب عدم ترقيته يقال له أن الترقية على هذه المراتب أمر يخص المسؤول فقط.
وفي المجال الاجتماعي، فإن المواطن الذي يزدري أخاه المواطن الآخر بسبب فقره أو لونه أو حسبه، فإن هذا التصرف يتعارض مع تعاليم الدين الحنيف التي حثت على المساواة وكرامة الإنسان، كما يتعارض مع حقوق الإنسان ومع الأخوة الإسلامية والوطنية، وفي هذا المجال سأروي حادثة وقعت بين رجل يعمل في المجال الديني وشاب صالح، فقد كان الشاب يساعد هذا الرجل في بعض أمور عمله تحسباً ومن دون أجر، وكان الرجل معجبا بصلاح هذا الشاب واستقامته وحسن تعاونه،كما أن الشاب يكن التقدير والمودة للشخص الذي يعمل معه، وقد علم الشاب بأن لدى هذا الرجل بنات في سن الزواج لم يتقدم لهن احد، وذات يوم اخبره الشاب بأنه يرغب في إكمال نصف دينه، وفرح الرجل بهذا الخبر انطلاقاً من تقديره لهذا الشاب، وقال:هنيئاً لسعيدة الحظ بك، وسأله من أي بيت سوف يتزوج، فقال الشاب أني أرغب القرب منك وأتزوج إحدى بناتك،فانقلب الرجل المتدين رأساً على عقب، وبعد أن كان يكن المحبة والتقدير لهذا الشاب أصبح يزدريه ويحتقره ويكيل له السباب والشتائم، وهو يقول له: كيف تجرؤ على طلب الزواج من إحدى بناتي، وهل أنت كفؤ لذلك؟ وأبعد الشاب عن العمل معه وقطع صلته به.
إن تصرف هذا الرجل يتعارض من دون شك مع تعاليم ديننا الحنيف الذي جعل التقوى هي المعيار في هذا الأمر وغيره، ومع مبادئ الإنسانية، فهو قد فضل الأخذ بالعادة أو التقليد الاجتماعي التي يخالف جوهر الدين الحنيف على التقيد بتعاليم الشريعة فيما يتعلق بهذا الصدد، فالقرآن الكريم جعل معيار التفاضل بين المسلمين التقوى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ للَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ للَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الآية (13) من سورة (الحجرات)، وسيد البشرية صلى الله عليه وسلم يحث المسلمين بقوله (إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) رواه الترمذي، كما انه عليه الصلاة والسلام زَوَّج ابنة عمته القرشية لمولاه زيد بن حارثة،كما أن الصحابي الجليل وأحد المبشرين بالجنة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه زَوَّج أخته من بلال بن رباح رضي الله عنه مع أنه كان عبداً حبشياً قبل أن يكرمه الله ويعزه بالإسلام. إذاً فإن الهدف من التشريعات والقوانين وفي مقدمتها التشريع الإسلامي هو التطبيق على الجميع بالعدالة والمساواة، وأن التفاضل بين الناس يكون على أساس تقوى الله عز وجل وليس لأي سبب آخر، والتفاضل بين الموظفين أو العاملين يتم على أساس الكفاءة والجدارة، وعدم التمييز بين أصحاب المعاملات بل تطبيق الأنظمة التي تتعلق بمعاملاتهم بالسواسية.
كاتب سعودي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

ثمانية − 1 =