سلوكيات تؤدي لضياع الوقت

0 188

د. عبدالله راشد السنيدي

اهتم ديننا الحنيف بالوقت باعتباره هو الحياة وعمر الإنسان في هذه الدنيا الذي طولب بأن يخصص لعبادة الله عز وجل “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ”(الأيه 56 الذريات).
والعبادة في الاسلام لاتقتصر على أداء الشعائر، كالصلاة والصوم والحج والزكاة مع أهميتها التي حدد أداءها بمواعيد معينة، وهو دليل على أهمية الوقت، بل تشمل العبادة في الإسلام عمارة الكون، وفق ما يرضي المولى سبحانه وتعالى والتعامل الأمثل في صوره كافة، وأدنى ذلك إماطة الأذى عن الطريق، وإفشاء السلام والتعامل الإنساني، فقد ورد في السنة الشريفة “وتميط الاذى عن الطريق صدقة” كما ورد في السنة النبوية “الكلمة الطيبة صدقة”، ويدخل في إطار التعامل الذي يندرج في عبادة الله إخلاص الموظف في عمله وتفانيه فيه، وتحليه بصفات الأمانة والنزاهة والعدالة والمساواة والتواضع.
انطلاقا من ذلك تعتمد العملية الإدارية أو الوظيفية، سواء في القطاع العام أو الخاص، في إنجاز الأعمال واتخاذ القرارات وتحقيق الأهداف على عوامل عدة، أهمها العاملين المادي والبشري.
العامل البشري يعني كما هو معروف الموظفين، سواء كانوا إشرافيين كالوكلاء أو المديرين أو رؤساء الأقسام، أو تنفيذيين، كالكتبة والفنيين والحرفيين ونحوهم.
ويعتبر وقت الدوام الرسمي سبباً رئيسياً في إنجاز الأعمال، اذ ينظر إليه وكأنه وعاء تؤدى فيه الأعمال، ولذلك اعتبرت المحافظة على وقت الدوام من أهم الواجبات الملقاة على عاتق الموظف، فإذا أخل بهذا الواجب يكون قد ارتكب مخالفة إدارية تتطلب مساءلته، ثم معاقبته لأنه إذ أخل بهذا الواجب فماذا يبقى بعد لكي يؤدي مهماته وواجباته، وإذا حافظ على الالتزام بوقت الدوام بأن يحضر في الوقت المحدد ولا يخرج خلال الدوام، الا بموافقة رئيسه ولا ينصرف قبل نهايته، فهذا أمر جيد ومطلوب، لكنه لا يكفي، فمجرد الحضور من دون فاعلية لا يحقق الالتزام، لأن الهدف هو العطاء والإنتاج، وأداء واجبات الوظيفة والتعاون، وتنفيذ تعليمات الرؤساء وخدمة المراجعين، لأن العمل الإداري بما فيه العمل الوظيفي عبارة عن نشاط يهدف إلى السعي لتحقيق الأهداف المرسومة في ضوء الإمكانات والظروف المتاحة، وتحقيقها مرتبط بوقت العمل الرسمي، وأهمية وقت العمل لا تقتصر فقط على أداء الواجبات الرسمية، بل تتجاوز ذلك للوصول إلى درجة متقدمة من النجاح أو الإبداع، كما أن القرارات التي تعتبر القلب النابض للعملية الإدارية لا تتخذ إلا في وقت الدوام.
لذا مطلوب من المعنيين، بل من عامة العاملين المحافظة على الوقت، وإدراك أهميته فقد قيل: إن الوقت هو الحياة لأن مجريات كل ما يتعلق بحياة الانسان تتم فيه، ولذا أطلق على حياة الانسان العمر، وهو جزء من الحياة، أو السيد، لأن الانسان يتخلى عن ارتباطاته ومسؤولياته من أجل الوقت، فالوقت يمارس سيادته على الانسان مهما كان موقعه، فكثيراً ما نترك ما نرغب بسبب فوات الوقت، أو اللغز، وهو إحدى الحالات أو الأوصاف التي أطلقت على الوقت عندما يتسم بالغموض وعدم الوضوح، فالإنسان الذي يستدعى مثلاً لمقابلة أحد المسؤولين من دون تحديد موضوع المقابلة، فهذا التصرف ربما يدخل في مفهوم الألغاز حيث يستعد المستدعى لهذه المقابلة ربما بما يزيد عن الأمر اللازم، كما قيل في الوقت أنه خادم للإنسان، وهذا وصف آخر له، ذلك لأنه عندما يخدم الانسان فإنه يمكن التحكم فيه، إلا أن هذا الامر يتطلب من الانسان مهما كان موقعه التخطيط المسبق.
إذاً فإذا كانت هذه هي أهمية الوقت وحساسيته فماذا تعني إدارته؟
الإجابة عن ذلك تتمثل في أن إدارة الوقت تعني توجيه المسؤولين والمشرفين في مجال العمل الوظيفي القدرات الشخصية للأفراد والموظفين، وإعادة صياغتها لإنجاز العمل المطلوب، في ضوء القواعد والنظم المعمول بها وفقاً للوقت المحدد.
ومهمة إدارة الوقت هي مسؤولية المديرين بالدرجة الأولى، ذلك أن مهمات المديرين وأنشطتهم اليومية تكاد تنحصر في الآتي: العمل المكتبي حيث يدرسون المعاملات المعروضة عليهم، واتخاذ التوجيهات حولها، والاجتماعات حيث يجتمع المشرف مع مرؤوسيه لمناقشة أبرز المعاملات، أو تلك التي تحتاج إلى رأي جماعي، واستخدام الهاتف حيث يقوم بطلب أو استقبال المكالمات ذات العلاقة بالعمل.
إدارة الوقت تتطلب من المدير أو المشرف التخطيط، لأن عدم فعل ذلك يؤدي إلى ما يلي: خضوع المدير أو المشرف أو رئيس القسم لظروف وإرادة الآخرين، وإعطاء الفرصة لسيطرة أصحاب النفوذ والمحسوبية على عمله، والتركيز على تصديه للقضايا الإدارية والتنظيمية، وإهمال ما يتعلق بأداء الموظفين، وهو الأمر الأهم، وبذله جهد إضافي لمعالجة الأخطاء الناتجة عن التأخر في دراسة الموضوعات الحيوية، والتوتر والاجهاد الذي يصيب المشرف بسبب عدم تنظيم الوقت، وانعكاس ذلك على الموظفين والمراجعين، والاستعجال والارتجالية في دراسة الأمور المهمة والسطحية في اتخاذ القرارات، وتراكم الأوراق والمعاملات لديه، وأثر ذلك على حركة العمل وانسيابه.
من ناحية أخرى هناك جوانب تؤدي إلى ضياع الوقت وهدره ومنها: الاجتماعات المبالغ فيها، أو اللجان التي لا لزوم لها، خصوصا إذا لم يحدد لها جدول أعمال واضح، وكثرة عدد الزوار من خارج جهة العمل، خصوصا اذا كان هدف هذه الزيارات امور شخصية، وأسلوب إعداد الخطابات والإطالة فيها من دون حاجة، فالخطابات الصادرة أو الواردة ينبغي أن تقتصر على الأمر المطلوب، وألا يرفق بها إلا ما هو ضروري ، وعدم توفر المعلومات أو الأنظمة الضرورية لأداء العمل، وبذل جهد كبير في سبيل الحصول عليه، وتضارب وتداخل الاختصاصات بين القطاعات، أو الإدارات، وما يترتب عليه من اختلافات تتطلب الكثير من الجهد لتجاوزها، والتركيز على العلاقات الخاصة والمحسوبية، وتكوين المجموعات الصغيرة، واداء المدير أو المشرف اعمالا فوق طاقته ومقدرته ووقته، إما بسبب سوء التنظيم، أو ميل المدير نفسه إلى مركزية القرار.
إذاً فإن تنظيم علاقة الموظفين بالوقت تأتي في مقدمة مهمات الإدارة الواعية التي تطمح الى تميز أداء الموظفين لديها، ويتطلب ذلك وضع آلية توضح المهمات والواجبات، بحيث يمكن التغلب على القدر المفقود من الوقت الناتج من الاجتماعات واللجان والزيارات، كما يتطلب ذلك العمل توفير الأنظمة والقرارات والمعلومات اللازمة لأداء العمل من دون معاناة أو عقبات.
إدارة الوقت تعني أيضاً إشغال وقت الموظفين وعدم إتاحة الفرصة للفراغ، أو التسيب، فينبغي أن يتعود الموظفون على بذل جهود إضافية لما يطلب منهم، تتمثل في التعاون والتنظيم والتخطيط، وقراءة كل ما يتعلق بالعمل من أنظمة ولوائح وقرارات، فالموظف الذي ينهي عمله اليومي في وقت مبكر ينبغي ألا يبقى مكتوف اليدين، بل عليه التعاون مع زملائه الآخرين الذين قد تكون لديهم أعمال أكثر، أو أن قدراتهم تقل عن قدراته، فإن لم توجد أعمال لدى زملائه فعليه الانشغال بعملية الترتيب والتنظيم الخاص في مكتبه، ومراجعة ما يتعلق بعمله، والمشرف إن لم يكن لديه أعمال فعليه الاهتمام بالمتابعة الميدانية، أو مراجعة ما يتعلق بأداء إدارته وموظفيه، وقد اهتمت المؤسسات التدريبية بإدارة الوقت فوضعت له البرامج التوعوية التي يلتحق بها الموظفون من أجل الإحاطة بكل ما يتعلق بهذا الجانب.

كاتب سعودي

You might also like