سمو الرئيس… الابتسامات لاتطعم خبزاً ومادحُ الُّسوق مَنْ ربح فيه

0 200

كتب – أحمد الجارالله

كانت المسألة تهون لوأننا في زمن غير”كورونا”، وفي مرحلة لا تتحفنا أخبارها يوميا بفاسدين جدد ينخرون أساسات البلاد، بينما الأزمة تفاقم آلام الكويتيين، وتزيد عليهم أعباء الحياة بعدما أقفلت الحكومة أبواب الخلاص في وجههم، حين استخدمت جزرة تحفيز، لم يروا منها ما يسكِّن قلقهم، وتركتهم في مواجهة عصا الإفلاس تجلدهم يوميا.
لا شك أن مع كل ابتسامة يراها الناس على محيا سمو رئيس مجلس الوزراء يتوقعون أن يعقبها قرارإنقاذ من نوع ما، أو حل لقضية من تلك التي تزدحم بها البلاد حاليا، غيرأنهم يصابون بخيبة أمل عندما تنتهي تلك الابتسامة إلى لا شيء يهدئ روعهم.
يجمع الكويتيون كافة على أن الحكومة ومجلس الأمة هما سلطة الرقابة على كل المؤسسات، وبيدهما منع الفساد فيها، ومعالجة هذا المرض المستشري الذي لم يعد له دواء غير الكي، لا أن يتورط بعض المسؤولين فيهما بقضايا فساد يندى لها الجبين.
أيضا هم يرون أن السلطة التنفيذية صاحبة الكلمة الفصل في حماية الاموال العامة، وتنميتها عبر الاستثمارات المربحة، أكان في الداخل أو الخارج، فهي المؤتمنة على منع أي تراجع في الثروة الوطنية، وتتحمل مسؤولية التقاعس وحدها، أما مهمة السلطة التشريعية فالمحاسبة والمراقبة، لا أن يصبح الابتزاز هَم النواب الأول يسعون عبره الى مراكمة رصيدهم الانتخابي.
لذا فمن عجائب الفساد في الكويت أن يتورط بعض المشرعين والمسؤولين ووكلاء وزارات وقادة أمنيين بتجارة إقامات، وهو ما تكشف في آخر فضيحة (البنغالي)، ولا شك أنها لن تكون الوحيدة، بل هناك كثر ما زالوا يعملون حتى هذه اللحظة في عتمة هذه التجارة الحرام.
في الاشهرالماضية ضيعت الحكومة الكثير من الفرص التي كان يمكن أن تخرجنا من دهليز الأزمة الحالية، وذلك من خلال استغلال التصنيف الائتماني الممتاز للكويت في العالم، لتسلك الطريق التي سلكتها بعض دول”مجلس التعاون” حين وظفت تلك السمعة الجيدة، في الحصول على قروض طويلة الأجل، أو في الاسهم التي تدنت أسعارها ولا تزال مربحة، إضافة الى العقارات والشركات العالمية الكبرى، وبذلك حققت مكاسب كبيرة، بل حولت التهديد فرصة، وعملت أيضا على دعم القطاع الخاص لمنع شبح الافلاس الذي خيم عليه، لذلك عادت الى الحياة الطبيعية بأقل الخسائر.
للأسف عندنا خطة التحفيز لا تزال حبراً على ورق، ونتحدى البنك المركزي أن يعلن اسماء الشركات أو الاشخاص الذين حصلوا على تلك القروض، ولا شك أن هناك من”يطق اصبع” حاليا ويقول:ها هي الأزمة شارفت على الانتهاء ونحن لم ندفع من المال العام أي مبلغ، في الوقت الذي وصلت السكين الى العظم في الشركات الصغيرة والمستثمرين الشباب في القطاع الخاص.
في الكويت، الموجودات القابلة للاستثمار، التي تعرفونها جيدا يا سمو الرئيس، من خلال المؤسسات التابعة لمجلس الوزراء والبنك المركزي، قد خسرت خلال الأزمة لأنها لم تدر بخطة واضحة، ففيما ارتفع عائد الاستثمار في معظم دول”مجلس التعاون” تراجع عندنا.
كان يمكن الحصول على قروض لثلاثين سنة، وبدلا من ذلك لا تزال السلطة التنفيذية حبيسة المزايدات النيابية في قضية قانون الدين العام، والواضح تماما أنها لن تقدم على خطوة جريئة لخوفها من خيال المساءلة، فيما الازمة تستفحل.
بيد الحكومة سيف مراسيم الضرورة الذي يمكن أن تقطع به رأس أفعى التمصلح، وتمنع كأس مرارة الأزمة عن شفاه الكويتيين، وبالتالي فإنها لن تحصل على العشرين مليار دينار التي طلبتها لتعزيز الاحتياطي الذي للأسف يتآكل جراء المغامرات التي تعم الساحة حاليا، فيما هي لا تزال ترتجف من النواب.
وفقا لآخر التقاريرعن الخسائر التي تكبدها العالم جراء جائحة “كورونا” فقد وصلت الى 21 تريليون دولار، ثمة الكثير من الدول ستعوض خسائرها في غضون سنة أو سنتين، بينما في الكويت، تشير كل التقديرات الى انكماش اقتصادي، وزيادة في تراجع دورة رأس المال، لأن الخطط التي وضعت كانت مجرد ذر للرماد في العيون، بينما في الامارات والسعودية، والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وايطاليا، وغيرها… وغيرها من الدول ضُخت مئات المليارات لمساعدة القطاع الخاص، ولم تنتظر نائبا يمن عليها بالموافقة، ولهذا فإنها بدأت تجني الفوائد رغم الأزمة.
سمو الرئيس، لو استعرضنا كل القوانين التي شلت البلاد، بدءا من الدعم المهدور، وحقول الشمال والكهرباء والـ”داو” ومنع الاختلاط، الى بقية القوانين، لوجدناها مبنية على ذهنية التخوين والتشكيك والتخلف الاجتماعي، فيما الذين أقروها يتباكون في ندواتهم على تراجع الكويت، اقتصادياً وثقافياً وعلمياً واجتماعياً، وهم كمن قتل القتيل ومشى في جنازته.
في الكويت هناك نهب شرعي، عبر القوانين والقرارات العبثية، ونهب غير مشروع، عبر الفساد المستشري في المؤسسات، وكل هذا مكلف ويدفعه المواطن من مستقبله، ومن الثروة الوطنية، واليوم مع أزمة”كورونا” وتبعاتها السلبية ستزداد المشكلات الى حد يخاف فيه الكويتي على مستقبله.
كل ما نسمعه مجرد أحاديث عن فساد، متبوعة بابتسامات، بينما لم نرَ أي علاج، ولن نقول لسموكم انظروا ماذا فعلت بعض دول الخليج بالفاسدين، بل تعلموا من الدول الاوروبية الغربية، كيف يعاقب من يرتكب أدنى مخالفة بالمال العام، فالمتهرب من الضرائب يسجن عشر سنوات، بينما في الكويت لم نسمع عن فاسد واحد أدخل السجن أو شُهِّر به، بل بعض الذين نهبوا من المال العام، هربوا في وضح النهار الى الخارج، ولم تقدم الدولة على أي خطوة لاستعادة تلك الاموال.
أما في خطة التحفيز التي من أهم شروطها أن تكون الشركات رابحة، ولديها سيولة، وموجودات للرهن، فهل تتصورون، ياسمو الرئيس ويا محافظ البنك المركزي، أن من لديه كل هذا هل هو بحاجة الى قرض التحفيز؟
في الدول الاخرى كفلت الحكومات تلك القروض، وخففت عن المقترض الشروط، ولم تضع تدابير عبثية تعجزه، وسهلت حصوله على المال لتسيير عمل شركاته والحفاظ على عمالته.
شكراً سمو الرئيس على ابتساماتك، لكننا نصدقك القول إنها لا تبعث فينا الاطمئنان، فما يطمح اليه المواطن قرارات حاسمة تنقذه مما هو فيه، وتوحي لنا أن مستقبلنا مضمون، وليس مجرد بيانات لا تسمن ولا تغني من جوع، ففي أمثالنا الشعبية” من حضر السوق باع واشترى”، ويبدو واضحا أن الكويت لا باعت ولا اشترت، بل انشغلت طوال الفترة الماضية بالشعارات والاقاويل والابتسامات التي يبدو بعضها كأنه للسخرية.

You might also like