سمو الرئيس… ما قلته قالوه قبلك

0 345

كتب – أحمد الجارالله:

استمعنا إلى سمو رئيس مجلس الوزراء في اجتماعه مع الجهات الرقابية، قبل أيام، وكان تشخيصُهُ للمرض مُحكماً، غير أنه لم يختلف في حيثياته وتفاصيله عما صدر عن الحكومات المتعاقبة، غير أنها لم تضع حلاً للقضية، وكأنها ليست المعنية، كسلطة تنفيذية، في حماية الدولة من الفساد، وقطع دابرالتعدي على المال العام، فيما الكلام يُعاد كلّ مرة ليتحوَّل ثابتة إنشائية في برامج عمل تلك الحكومات.
نعم سمو الرئيس، إنَّ هذا الكلام يحتاج إلى أسنان وأظفار قوامها تطبيق القوانين الكويتية المعنية بحماية المال العام ومنع التمصلح من الوظيفة العامة، أما غير ذلك فهو رومانسية لن توقف النَّهب المُشرعن، ولا تُعالج مسألة الاستثناءات المهربة تحت عباءة كسب ودِّ النواب.
من قضية النفط والناقلات إلى الصندوق الماليزي وغيره من الصناديق التي تكشَّفت فيها فضائح كبيرة، لم نرَ فاسداً واحداً دخل السجن، أو ديناراً واحداً أعيد إلى خزينة الدولة، بل على العكس رأينا جميع المتهمين قد هربوا إلى ملاذات آمنة في الخارج، أو يخفي غبار الإهمال القضايا، ويا “دار ما دخلك شر”، وأضعف الإيمان تلك الحجة المعهودة، وهي أن القوانين لا تسمح، أو نحتاج إلى تشريع من مجلس الأمة، وإذا عرض الأمر عليه، جاءت الإجابة: لا يتوافق مع الدستور، أو يسقط الاقتراح بالتصويت، لأن وراء الأكمة مصالح متعددة، وهي ليست خافية عليكم.
في تاريخ العمل الحكومي ثمة حادثة كان يجب أن تتحول سلوكاً حكومياً، وهي حين تسلَّم المغفور له، محمد البدر، رئاسة لجنة إزالة التعديات على الأملاك العامة، عمل بكلِّ جهدٍ وتفانٍ، وأزال نحو 2000 ديوانية وتعدٍ، ولم يلتفت إلى الوساطات والاستثناءات، لكن حين تنحى من رئاسة اللجنة عادت حليمة إلى عادتها القديمة، بل توسعت التعديات، وكأنَّ الحكومة “عمك أصمخ”، وأجهزة البلدية في كوكب آخر.
وبمناسبة الحديث عن البلدية، حيث الفساد “لا تشيله البعارين”، لاتزال قوانينها كما هي منذ ما يزيد على أربعة عقود، بل حتى التعديلات التي طرأت عليها كانت للأسوأ وليس للتطوير والتحسين، وهي لا تختلف عن غيرها من مؤسسات الدولة، التي يكاد بعضها يتحول مزارع خاصة للوزراء والوكلاء والمديرين.
مكافحة الفساد مهمة مقدسة تعلو على كلِّ الحسابات، لكن للأسف في الكويت ومنذ 30 سنة، نسمع عن مخالفات وزراء ووكلاء، لكنها توضع على الرفِّ، لأنَّ ثمة قناعة لدى المسؤولين أن الزمن حلّال أعقد المشكلات، وهو ما جعل المرض يتفشى وباتت السيطرة عليه تحتاج الى عملية جراحية دقيقة تستأصل كلَّ الأورام، والتقيحات التي تسبب بها.
نوافقك الرأي سموالرئيس بـ”أن وجود هذا الكم من مظاهرالفساد لا يستقيم في ظل تعدد الجهات الرقابية وجهودها وما تزخر به تشريعاتنا من أحكام تستهدف حماية المال العام والحد من مظاهر التعدي عليه”، لكن ألا ترى أن تعدد الجهات الرقابية سهَّل التعديات، فالكويت ليست تلك الدولة الكبيرة، ومؤسساتها الرسمية لا تحتاج إلى كل هذه الجهات، بل ربما تكفيها واحدة أو اثنتان وإذا بالغنا “ثلاث”، وليس جيشا من الموظفين في كل واحدة منها، بل إن تعدُّدَها يعتبر بكل المقاييس تنفيعا، وهو فساد في حد ذاته، لذا لن تصلح كثرة المؤسسات الأمر، وهناك قاعدة وهي: إن تعدد الآراء يفسد القرار، وكما قيل في الأمثال: “إذا كثر الطباخون فسدت الطبخة”.
الدول قرار، والعدالة لا تميز بين إنسان وآخر، وعندنا للأسف القانون يتلون وفق مزاج الاشخاص والمصالح، بل ولذلك هناك قوانين منذ العام 1963 لم تطبق، وكثير منها عفى عليه الزمن، وبات لعصر متخلف، فيما الزمن تغير كثيراً في الستين سنة الماضية، وأي خلل في مؤسسات الدولة وقوانينها يجعلها متخلفة، ليس فقط عن العالم، بل حتى عن شقيقاتها الخليجيات، لذلك باتت اليوم بحاجة ماسة الى ثورة قانونية وإدارية تزيل كلَّ ترسبات الماضي، وإلا سنكون كمن يُقوِّض أساسات بيته، ويستغرب خرابه.
سمو الرئيس…
نتمنى من كل قلبنا أن تنجح في تنفيذ تعهداتك، غير أن الخوف يعترينا من هدر الفرص التي تمر مثل السحاب، خصوصا أننا نعايش واقعاً مريراً بمعالجة أزمة فيروس “كورونا”، التي بدأت تستفحل بسبب التراشق بحجارة المسؤولية بين الحكومة ومجلس الأمة، في ما يتعلق بقوانين معالجة تبعاتها، بينما لديكم سيف مراسيم الضرورة الذي يضع حداً للتسويف، ولكم بمرسوم الصوت الواحد عبرة، علها تنفع.
هذا الوضع الذي وصلت إليه الكويت جعلنا أضحوكة بين دول الخليج العربية، وبنظرة سريعة إلى ما ينشر في صحفها وعلى مواقع التواصل الاجتماعي تتبين صورتنا في الخارج بوضوح.
أخيراً، شكراً سمو رئيس مجلس الوزراء.

You might also like