سمية بنت الخياط زوجات صالحات 15

0

إعداد – أماني أحمد:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة ان أمرها اطاعته وان نظر اليها سرته وان اقسم عليها ابرته وان غاب عنها نصحته- حفظته- في نفسها وماله”. نتناول سيرة زوجات الصحابة المؤمنات القانتات الخاشعات المتصدقات الصائمات، لنضع بين يدي البيت المسلم الاسوة الحسنة والقدوة الطيبة لتقتدي نساؤنا بهن.

الصحابية الجليلة سمية، والدها يدعى “خياط”، زوجها ياسر بن عامر، وابنها عمار بن ياسر، تقدم هذه الأسرة المسلمة درسا ومثلا ليكون نبراسا نهتدي به في ظلمات الحياة المعاصرة، بكل شقوتها وتعاستها، وهي أول أسرة آمنت بالله تعالى، وصدقت برسوله صلى الله عليه وسلم، بكل عناصرها وأفرادها. ولقد كان الابن الفتى هو حامل البشرى والداعية، والساعى بين المنبع والمصب والرائد إلى الطريق.
لم يشجبه أبواه، ولم ينهراه، ولم يستنكرا نهجه، بل صدقاه وأيداه، وازدادا يقينا ومتابعة بعد أن لقيا” محمدا” صلى الله عليه وسلم، وقد سرى النور المحمدي إلى أعماق وجدانيهما، فأضاء سبيلهما، وكشف غمة عبوديتهما.
تحرر كلاهما من التبعية الجاهلية ورق العبودية، وخلصا نجيا إلى الله عز وجل . لم يخش الأب على ابنه أن يتبع سبيل المؤمنين، ولو كان في ذلك زهوق الروح. ولم تجزع الأم على وحيدها رغبة في السلامة من الأذى، بل كانت يدا وعونا له، ودافعا على الإصرار.
ولكن كيف تشكلت هذه الأسرة المباركة الطيبة التي قدمت للإسلام أغلى التضحيات، واحتملت أقسى صنوف العذاب؟
يقول الأستاذ محمود طعمة حلبي في كتابه ” المئة الأوائل من صحابيات الرسول صلى الله عليه وسلم”: خرج ياسر بن عامر من بلده اليمن قاصدا مكة مع أخويه الحارث ومالك يبحوث عن أخ رابع فقد دون أن يعرفوا شيئا عن مكانه، وعما إذا كان ميتا أو على قيد الحياة، وفى مكة تحالف ياسر مع أبي حذيفة بن المغيرة المخزومي.
روى ابن ماجه عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن عبدالله بن مسعود قال: “كان أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون، وألبسوهم دروع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله،وهان على قومه فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول :”أحد أحد”.
وقد تحدث ابن الأثير في كتابه “أسد الغابة ” عن سمية، وما نالها من العذاب الشديد، فقال: وكانت من السابقين إلى الإسلام، وكانت ممن يعذب في الله أشد العذاب.
لقد أسرفت قريش في تعذيب آل ياسر إلى الحد الذي أثار دهشة جلاديهم، كانوا يخرجون ياسرا وعمارا وسمية أمه في الشمس المحرقة، ويضجعونهم على الرمال الملتهبة ويطلبون
منهم الكفر بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنهم كانوا يتحملون العذاب دون أن تفتر لهم عزيمة، أو تلين لهم قناة.
وروى الإمام أحمد عن سالم بن أبي الجعد قال: دعا عثمان رضي الله عنه ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم عمار بن ياسر فقال: ألا أحدثكما عنه؟ – يعنى: عمارا- أقبلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذا بيدي نتمشى في البطحاء حتى أتى على أبيه وأنه وعليه يعذبون، فقال أبو عمار: يا رسول الله، الدهر هكذا ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:” اصبر” ثم قال:” اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت”.
وعن سالم بن أبي الجعد عن عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة”.
ومن المعلوم أن المرأة أضعف من الرجل قوة، وأوهن منه عزيمة، غير أن سمية ـ رضي الله عنها– دحضت هذه المقولة، وبرهنت على بطلانها حين تحدت أقوى قريش شكيمة، وأشدها صلفا وبطشا، لقد أنزل بها أبو جهل ألوان العذاب، وصنوف القهر لتكفر بدين محمد صلى الله عليه وسلم ولكنه لم ينل مبتغاه، ولم يحقق مناه، وكان أكثر ما يبدي غضبه، ويثير جنونه تلك الابتسامة الساخرة التي تتحدى بها جبروته، وتحط بها من كرامته أمام نفسه وأمام الناس، وتذل بها كبرياءه وغروره.
وتمادت قريش في تعذيب آل ياسر، وأسرفت في نكالها بهم أيما إسراف، ولم يلبث ياسر رب الأسرة أن توفى تحت وطأة العذاب، وأعطى أبو حذيفة بن المغيرة امرأة ياسر وأم عمار إلى شقي قريش الأكبر أبي جهل، فراح يتسلى في إيذائها، ويتحفها كل يوم بلون جديد.
وذات يوم أغلظت سمية له القول، فأخذه الغضب كل مأخذ فقتلها، وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد قال :أول شهيدة كان في الإسلام أم عمار( سمية)، طعنها أبو جهل بحربة في قلبها.
وذهبت سمية رضي الله عنها الشهيدة الأولى إلى ربها راضية مرضية، وتحولت من رمضاء مكة ولهيب صحرائها، إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وأما قاتلها الشقي فقد قتله الله شر قتلة على يد ابني عفراء، ثم مر به عبدالله بن مسعود وبه رمق فذففه ثم احتز رأسه، وحمله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه صلى الله عليه وسلم حمدالله، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجثث قادة قريش وزعمائها فألقيت في قليب بدر.
وبعد استشهاد والدي عمار رضي الله عنهم تفرغت قريش له، وراحت تصب عليه العذاب صبا حتى أنهار جلده، وخارت عزيمته فأعطاهم ما يريدون من كلمة الكفر، ثم انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وراح يبكي بين يديه، وهو يخبره بما صنع، فهدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم من روعه، وتلا عليه قول الله تعالى: ” من كفر بالله من بعد إيمانه، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم” سورة النحل الآية 106.
وهكذا سرى عن عمار لأن قلبه كان مطمئنا بالإيمان، ولكن أعطاهم ما أعطاهم بلسانه دون أن يتطرق إليه أدنى شك بصحة ما آمن به، وكفاه فضلا ما رواه ابن مسعود، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق”، رحم الله آل ياسر، وعوضهم الجنة.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

سبعة عشر + 1 =