سورة آل عمران… نفحات وأسرار للقدرة الإلهية نفحات الرحمن في ترتيب سور القرآن (3)

0

إعداد- حمادة السعيد:

القرآن الكريم كلام الله المحكم، والمعجز لأهل الإعجاز، نزل على حسب المواقف والأحداث، ثم رتبت آياته وسوره، الترتيب الذي بين ايدينا اليوم وكان لهذا الترتيب أسراره.
نتعرف من خلال كلماتنا على نفحات الرحمن وأسرار ترتيب سور القرآن، ولماذا رتب بهذا الترتيب،؟ وما الحكمة الإلهية والمعاني الربانية منه ؟نتعرف على كل هذا فنزداد فهما وتمسكا بكتاب ربنا.

الكلام اليوم عن سورة من أعظم السور في القرآن – وسور القرآن كلها عظيمة – وهي سورة آل عمران وموقعها بين سورة البقرة وسورة النساء.
ولقد سميت سورة آل عمران بها الاسم وفقا لما ذكره الصابوني رحمه الله في تفسيره “صفوة التفاسير”: سميت السورة بـ”آل عمران” لورود ذكر قصة تلك الأسرة الفاضلة “آل عمران” وعمران هو والد مريم، وما تجلى فيها من مظاهر القدرة الإلهية، بولادة السيدة مريم البتول وابنها عيسى عليهما السلام.
وعن تناسب سورة آل عمران مع سورة البقرة التي تسبقها يقول السيوطي في كتابه “أسرار ترتيب القرآن” أول البقرة افتتح بوصف الكتاب بأنه لا ريب فيه، وقال في آل عمران: “نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بينَ يديه”: وذاك بسط وإطناب، لنفي الريب عنه ومنها: أنه ذكر في البقرة إنزال الكتاب مجملاً، وقسمه هنا إلى آيات محكمات، ومتشابهات لا يعلم تأويلها إلا الله ومنها: أنه قال في البقرة: “واللَهُ يؤتي ملكه من يشاء” وقال هنا: “قُل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير” فزاد إطناباً وتفصيلاً ومنها: أنه حذر من الربا في البقرة، ولم يزد على لفظ الربا إيجازاً وزاد هنا قول “أضعافاً مضاعفة” وذلك بيان وبسط.
وكذلك إن آخر سورة آل عمران مناسب لأول سورة البقرة، فأول سورة البقرة هو قول الله تعالى “ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” فافتتح أولها بذكر المتقين، وصفاتهم ومن ثم أنعم عليهم بوسام الشرف الأول بأنهم المفلحون، وختمت سورة آل عمران بقوله: “يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”، وجاء في افتتاح سورة البقرة قوله تعالى: “وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ 4″. وختمت سورة آل عمران بقوله تعالى :”وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ 199”.

براهين ساطعة
يقول محمد الأمين في تفسيره “حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن”:ومناسبة هذه السورة لما قبلها واضحة؛ لأنه لما ذكر آخر البقرة: “أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ”.. ناسب أن يذكر نصره تعالى على الكافرين؛ حيث ناظرهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وردَّ عليهم بالبراهين الساطعة والحجج القاطعة، فقص تعالى أحوالهم، وردَّ عليهم في اعتقادهم، وذكر تنزيهه تعالى عما يقولون، وبداية خلق مريم وابنها المسيح إلى آخر ما ردَّ عليهم.
ولما كان مفتتح آية آخر البقرة: “آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ” فكان في ذلك الإيمان بالله وبالكتب.. ناسب ذكر أوصاف الله تعالى، وذكر ما أنزل على رسوله، وذكر المنزل على غيره صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهم.
وذكر المراغي في وجه مناسبة سورة آل عمران مع سورة البقرة التي قبلها خمسة أوجه:الأول منها: أن كلًّا منهما بدأ بذكر الكتاب وحال الناس في الاهتداء، فقد ذكر في الأولى من آمن به ومن لم يؤمن به والمذبذبين بين ذلك، وفي الثانية طائفة الزائغين الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة، وطائفة الراسخين في العلم الذين يؤمنون بمحكمه ومتشابهه ويقولون: كلّ من عند ربنا.
والثاني منها: أن في الأولى تذكيرًا بخلق آدم، وفي الثانية تذكيرًا بخلق عيسى، وتشبيه الثاني بالأول في أنه جرى على غير سنة سابقة في الخلق.
والثالث منها: أن في كل منهما محاجَّة لأهل الكتاب، لكن في الأولى إسهاب في محاجة اليهود واختصار في محاجة النصارى، وفي الثانية عكس هذا؛ لأن النصارى متأخرون في الوجود عن اليهود، فليكن الحديث معهم تاليًا في المرتبة للحديث الأول.
والرابع منها: أن في آخر كلٍّ منهما دعاء إلا أن الدعاء في الأولى ينحو نحو طلب النصر على جاحدي الدعوة ومحاربي أهلها ورفع التكليف بما لا يطاق، وهذا مما يناسب بداءة الدين، والدعاء في الثانية يرمي إلى قبول دعوة الدين، وطلب الجزاء على ذلك في الآخرة.
والخامس منها: أن الثانية ختمت بما يناسب بدء الأولى؛ كأنها مُتَمِّمة لها؛ فبُدئت الأولى بإثبات الفلاح للمتقين، وختمت هذه بقوله: “وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”.

نفحات الرحمن
يذكر الغرناطي في “البرهان في تناسب سور القرآن” بعض الأمور لتناسب سورة آل عمران وارتباطها مع سورة البقرة التي تسبقها منها :ما تبين في صدر سورة آل عمران مما هو إحالة على ما ضمن في سورة البقرة بأسرها. كذلك الإشارة في صدر سورة آل عمران أيضا إلى أن الصراط المستقيم قد بيّن شأنه لمن تقدم في كتبهم، وأن هذا الكتاب جاء مصدقا لها فقال تعالي في مطلع سورة آل عمران “نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ” ليبين لأمة محمد – صلى الله عليه وسلم – أن من تقدمهم قد بيّن لهم “وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا” سورة الإسراء.
وقد ورد في فضل سورة آل عمرن عن علي بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:”إنَّ فاتحةَ الكتابِ، وآية الكرسي، وآيتين من آل عمرانَ – وهما “شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم قَآئِمَاً بالقسط لاَ إله إِلاَّ هُوَ العزيز الحكيم إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام” [آل عمران: 18 – 19]، “قُلِ اللهم مَالِكَ الملك تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الخير إِنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ…” مُعلَّقاتٌ، ما بينهُنَّ وبَيْنَ اللهِ حجابٌ.
وليست نفحات الرحمن أسرار وبلاغة القرآن مقتصرة على ارتباط سورة آل عمران بما قبلها وإنما هناك نفحات وأسرار في ارتباطها بالسورة التي تليها وهي سورة النساء وهذا ما سنعرفه في الحلقة المقبلة إن شاء الله. فسبحان من أنزل الكتاب.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

17 − 1 =