سورة الأحزاب… بشارة للمؤمنين وتنزيه لزوجات النبي نفحات الرحمن في ترتيب سور القرآن (13)

0

إعداد- حمادة السعيد:

القرآن الكريم كلام الله المحكم، والمعجز لأهل الإعجاز، نزل على حسب المواقف والأحداث، ثم رتبت آياته وسوره، الترتيب الذي بين أيدينا اليوم وكان لهذا الترتيب أسراره.
نتعرف من خلال كلماتنا على نفحات الرحمن وأسرار ترتيب سور القرآن، ولماذا رتب بهذا الترتيب؟ وما الحكمة الإلهية والمعاني الربانية منه؟ نتعرف على كل هذا فنزداد فهما وتمسكا بكتاب ربنا.

القرآن الكريم كلام الله المحكم، والمعجز لأهل الإعجاز، نزل على حسب المواقف والأحداث، ثم رتبت آياته وسوره، الترتيب الذي بين أيدينا اليوم وكان لهذا الترتيب أسراره.
والكلام اليوم عن سورة من أعظم السور في القرآن – وسور القرآن كلها عظيمة – وهي سورة «الأحزاب» والتي تأتي تالية لسورة السجدة.
يقول الزحيلي في تفسيره «التفسير المنير»:سميت سورة الأحزاب لاشتمال الكلام فيها على واقعة الخندق أو الأحزاب الذين تجمعوا حول المدينة، من مشركي قريش وغطفان، بالتواطؤ مع المنافقين ويهود بني قريظة، لحرب المسلمين ومحاولة استئصالهم، كما سميت (الفاضحة) لأنها افتضحت المنافقين، وأبانت شدة إيذائهم لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم في أزواجه وتألبهم عليه في تلك الموقعة.
ويضيف صاحب تفسير «حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن»: سميت سورة الأحزاب، لأنه ذكر فيها قصة المشركين الذين تحزبوا على المسلمين، من كل جهة، فاجتمع كفار مكة مع غطفان وبنى قريظة وأوباش العرب على حرب المسلمين، ولكن الله ردهم مدحورين، وكفى المؤمنين القتال بتلك المعجزة الباهرة.
وعن مناسبة سورة الاحزاب وارتباطها بما قبلها وهي سورة السجدة يضيف صاحب «حدائق الروح والريحان»: ومناسبتها لما قبلها: تشابه مطلع هذه السورة وخاتمة السالفة، فإن تلك ختمت بأمر النبي – صلى الله عليه وسلم – بالإعراض عن الكافرين، وانتظار عذابهم، وهذه بدئت بأمره – صلى الله عليه وسلم – بالتقوى، وعدم طاعة الكافرين والمنافقين، واتباع ما أوحي إليه من ربه، ومع التوكل عليه.
ويضيف السيوطي في كتابه «أسرار ترتيب القرآن» قائلا: وجه اتصالها بما قبلها: تشابه مطلع هذه ومقطع تلك؛ فإن تلك ختمت بأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإعراض عن الكافرين، وانتظار عذابهم، ومطلع هذه الأمر بتقوى الله، وعدم طاعة الكافرين والمنافقين، فصارت كالتتمة لما ختمت به تلك، حتى كأنهما سورة واحدة.
ويقول أبو جعفر بن الزبير في كتابه «البرهان في تناسب سور القرآن» عن التناسب بين السورتين باختصار: سورة الأحزاب افتتحها سبحانه بأمر نبيه باتقائه ونهيه عن الإصغاء إلى الكافرين والمنافقين، واتباعه ما يوحى الله إليه تنزيها لقدره عن محنة من سبق له الامتحان ممن قدم ذكره في سورة السجدة، وأمرا له بالتسليم لخالقه والتوكل عليه. ولما افتتحت هذه السورة بإعلامه عليه السلام من هذا الأمر بعلى حاله ومزية قدره، ناسب ذلك ما احتوت عليه السورة من باب التنزيه في مواضع: منها إعلامه تعالى بأن أزواج نبيه أمهات للمؤمنين فنزههن عن أن يكون حكمهن حكم غيرهن من النساء مزية لهن وتخصيصا وإجلالا لنبيه صلى الله عليه وسلم. ومنها «يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ» فنزههن تعالى وبين شرفهن على من عداهن. ومنها تنزيه أهل البيت وتكرمتهم «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا». ومنها الأمر بالحجاب «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ» فنزه المؤمنات عن حالة الجاهلية من التبرج وعدم الحجاب وصانهن عن التبذل والامتهان. ومنها قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى» فأوصاهم جل وتعالى ونزههم بما نهاهم عنه أن يتشبهوا بمن استحق اللعن والغضب في سوء أدبهم وعظيم مرتكبهم إلى ما تضمنت السورة من هذا القبيل، ثم أتبع سبحانه ما تقدم بالبشارة العامة واللطف الشامل كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) ثم قال تعالى: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (47). وقوله سبحانه تعظيما لحرمة نبيه – صلى الله عليه وسلم – والمؤمنين (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58).
وفي هذه الآيات من تأنيس المؤمنين وبشارتهم وتعظيم حرمتهم ما يكسر صورة الخوف الحاصل في سورتي لقمان والسجدة ويسكن روعهم تأنيسا لا رفعا، ومن هذا القبيل أيضا ما تضمنت السورة من تعداد نعمه تعالى عليهم وتحسين خلاصهم كقوله تعالى: «وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ» إلى قوله: «وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا» (الآيات: 25 – 27) وختم السورة بذكر التوبة والمغفرة.
وجاء في «التفسير القرآني للقرآن»:مع أن هذه السورة مدنية، ومع أن السورة التي قبلها (السجدة) مكية، ومع الفاصل الزمنى الممتد بينهما، فقد اتصلت السورتان بعضهما ببعض، والتقى ختام السابقة منهما ببدء التالية، حتى لكأنهما سورة واحدة..وهذا مما يدل على أن ترتيب السّور في المصحف توقيفى كترتيب الآيات في السور.. وهذا يعنى أن الصورة التي نزل عليها القرآن تختلف جمعا وترتيبا- وإن لم تختلف مادة وموضوعا- عن الصورة التي انتظم عليها نظام القرآن، بعد أن تم نزوله، فى العرضة الأخيرة التي كانت بين جبريل وبين النبىّ- صلوات الله وسلامه عليهما. فلقد كان القرآن في دور الدعوة يعمل في أكثر من جبهة، فهناك جبهة المشركين..ثم جبهة أهل الكتاب وخاصة اليهود، ثم جبهة المنافقين..ثم قبل هؤلاء وأولئك جميعا جبهة المؤمنين، الذين يتلقون هدى السماء، وينشّئون فى حجر الإسلام..فكان للقرآن مع كل جبهة موقف، وإلى كل طائفة قول، فلما أتم القرآن رسالته، لم تعد إلا جبهة المؤمنين، هى وحدها التي يعنيه أمرها، وهى التي ستصحبه، وتعيش في ظله..جيلا بعد جيل، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.. فكان هذا الترتيب الذي رتب عليه القرآن بأمر الله، إلغاء لعنصر الزمن، الذي يحدد بدء القرآن ونهايته، ومولده وفطامه.. فهو كلام الله، القديم أزلا، الخالد أبدا.
وجاء في «المختصر في تفسير القرآن الكريم»: ان السورة تدعو النبي: يا أيها النبي، اثبُتْ ومن معك على تقوى الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وخَفْه وحده، ولا تطع الكافرين والمنافقين فيما تهوى نفوسهم، إن الله كان عليمًا بما يكيده الكفار والمنافقون، حكيمًا في خلقه وتدبيره.وكما لم يجعل الله قلبين في صدر رجل واحد وكذلك لم يجعل الزوجات بمنزلة الأمهات في التحريم، ولم يجعل كذلك الأبناء بالتبنِّي بمنزلة الأبناء من الصُّلب، فإن الظِّهار -وهو تحريم الرجل زوجته عليه- وكذلك التبنِّي: من العادات الجاهلية التي أبطلها الإسلام.
وليست نفحات الرحمن وأسرار ترتيب سور القرآن مقتصرة على ارتباط سورة الأحزاب بما قبلها وإنما هناك نفحات في ارتباطها بالسورة التي تليها وهي سورة سبأ وهذا ما سنعرفه في الحلقة المقبلة إن شاء الله. فسبحان من أنزل الكتاب.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

ستة + 4 =