سورة الأنبياء… جهاد الأنبياء مع أقوامهم الوثنيين نفحات الرحمن في ترتيب سور القرآن (16)

0 4

إعداد- حمادة السعيد:

القرآن الكريم كلام الله المحكم، والمعجز لأهل الإعجاز، نزل على حسب المواقف والأحداث، ثم رتبت آياته وسوره، الترتيب الذي بين يدينا اليوم وكان لهذا الترتيب أسراره.
نتعرف من خلال كلماتنا على نفحات الرحمن وأسرار ترتيب سور القرآن، ولماذا رتب بهذا الترتيب؟ وما الحكمة الإلهية والمعاني الربانية منه؟ نتعرف على كل هذا فنزداد فهما وتمسكا بكتاب ربنا.

والكلام اليوم عن سورة من أعظم السور في القرآن – وسور القرآن كلها عظيمة – وهي “سورة الأنبياء” وترتيبها في المصحف بعد سورة طه.
وعن سبب تسميتها بهذا الاسم يقول الزحيلي في “التفسير المنير”: سميت سورة الأنبياء لتضمنها الحديث عن جهاد الأنبياء المرسلين مع أقوامهم الوثنيين، بدءاً من قصة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام بإسهاب وتفصيل، ثم إسحاق، ويعقوب، ولوط، ونوح، وداود، وسليمان، وأيوب، وإسماعيل، وإدريس، وذي الكفل، وذي النون: يونس، وزكريا، وعيسى، إلى خاتم النبيين محمد صلوات الله وسلامه عليهم، وذلك بإيجاز يدل على مدى ما تعرضوا له من أهوال وشدائد، فصبروا عليها، وضحوا في سبيل الله، لإسعاد البشرية. وجاءت الأمثال الواقعية تنذر وتذكّر، من خلال إيراد قصص بعض الأنبياء وأثبت القرآن عقب ذلك وحدة مهام الأنبياء وهي الدعوة إلى عبادة الله، وتطمين المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالجزاء الحسن ويحظى الصالحون بالنعيم الأبدي، ويرث الأرض من هو أصلح لعمارتها، وأن الأمم المعذبة في الدنيا سترجع حتما إلى الله في الدار الآخرة لعذاب آخر.
وختمت السورة ببيان كون النبي صلّى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، وأنه أوحي إليه بأن الإله واحد لا شريك له، وأنه يجب الانقياد لحكمه، وأنه ينذر الناس بعذاب قريب وأن مجيء الساعة واقع محتم، وأن الإمهال به وتأخير العقوبة امتحان واختبار، وأن الله يحكم بين النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وبين أعدائه المشركين، وأنه المستعان على افتراءاتهم واتهاماتهم.
وأضاف الزحيلى:وتظهر مناسبة هذه السورة وترابطها مع ما قبلها من ناحيتين:
الأولى:الإشارة إلى قرب الأجل المسمى للعذاب، ودنو الأمل المنتظر، فقال تعالى في آخر سورة طه:” وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى ثم قال: “قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا…” وقال تعالى في مطلع هذه السورة:” اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ”.
والثانية:التحذير من الاغترار بالدنيا، والعمل للآخرة، فقال تعالى في آخر سورة طه:” وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا..” فإن قرب الساعة يقتضى الإعراض عن زهرة الحياة الدنيا لدنوها من الزوال والفناء.

فتنة الدنيا
وقال الإمام المراغي في تفسيره: إن هناك ارتباطا بين سورة الأنبياء وسورة طه التي تسبقها منه أن سورة طه ختمت بأن الناس قد شغلتهم زهرة الدنيا التي جعلها الله لهم فتنة، وأن الله نهى رسوله أن يتطلع إليها، وأمره بالصلاة والصبر عليها، وأن العاقبة للمتقين- وبدئت هذه السورة بمثل ما ختمت به السالفة، فذكر فيها أن الناس غافلون عن الساعة والحساب، وأنهم إذا سمعوا القرآن استمعوه وهم لاعبون، وقلوبهم لاهية عنه.
وجاء في “نظم الدرر في تناسب الآيات والسور” لإبراهيم البقاعي لما ختمت طه بإنذارهم بأنهم سيعلمون الشقي والسعيد، وكان هذا العلم تارة يكون في الدنيا بكشف الحجاب بالإيمان، وتارة بمعاينة ظهور الدين وتارة بإحلال العذاب بإزهاق الروح بقتل أو غيره، وتارة ببعثها يوم الدين، افتتحت هذه بأجلى ذلك وهو اليوم الذي يتم فيه كشف الغطاء فينتقل فيه الخبر من علم اليقين إلى عين اليقين وحق اليقين وهو يوم الحساب، فقال تعالى: “اقترب للناس” أي عامة أنتم وغيركم “حسابهم” أي في يوم القيامة؛ وأشار بصيغة الافتعال إلى مزيد القرب لأنه لا أمة بعد هذه ينتظر أمرها، ويصح أن يراد بالحساب الجزاء، فيكون ذلك تهديداً بيوم بدر والفتح ونحوهما، ويكون المراد بالناس حينئذ قريشاً أو جميع العرب، كذلك لما قال تعالى “وتنذر به قوماً لداً” [مريم: 97] وهم الشديد الخصومة في الباطل، ثم قال “وكم أهلكنا قبلهم من قرن” [مريم: 74] إلى آخرها، استدعت هذه الجملة بسط حال، فابتدئت بتأنيسه عليه الصلاة السلام وتسليته، حتى لا يشق عليه لددهم وعنادهم، فتضمنت سورة طه من هذا الغرض بشارته بقوله “ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى” [طه: 2] وتأنيسه بقصة موسى عليه السلام وما كان من حال بني إسرائيل وانتهاء أمر فرعون بهلاكه وأورث الله عباده أرضهم وديارهم، ثم اتبعت بقصة آدم عليه السلام ليرى نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سنته في عباده حتى أن آدم عليه السلام وإن لم يكن امتحانه بذريته ولا مكابدته من أبناء جنسه – فقد كابد من إبليس ما قصه الله في كتابه، وكل هذا تأنيس للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنه إذا تقرر لديه أنه سنة الله تعالى في عبادة هان عليه ما يفعله قريش فابتدئت سورة الأنبياء ببقية هذا التأنيس، فبين اقتراب الحساب ووقوع يوم الفصل المحمود فيه ثمرة ما كوبد في ذات الله والمتمنى فيه أن لو كان ذلك أكثر والمشقة أصعب لجليل الثمرة وجميل الجزاء، ثم اتبع ذلك سبحانه بعظات.

تكذيب للمشركين
ويذكر الامام أبو حيان صاحب كتاب “البحر المحيط” تناسب سورة الأنبياء مع سورة طه فيقول”: لما ذكر “قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا “طه 135قال مشركو قريش: محمد يهددنا بالمعاد والجزاء على الأعمال وليس بصحيح، وإن صح ففيه بُعد فأنزل الله تعالى اقترب للناس حسابهم. وعن عامر بن ربيعة أنه نزل به رجل من العرب، فأكرم مثواه، وكلّم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه الرجل فقال: إنى استقطعت رسول الله واديا ما في ديار العرب ، وقد أردت أن أقطع إليك قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك، فقال عامر: لا حاجة لى في قطعتك، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا، يريد هذه السورة.
وقال أحمد حطيبة في تفسيره :سرد الله في هذه السورة قصص كثير من الأنبياء تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر الله في أول هذه السورة يوم القيامة محذرا الناس من أن تبغتهم الساعة وهم في غفلتهم يعمهون، كما وصف حال كفار مكة وتعنتهم وإعراضهم عن البراهين الناصعة التي أتاهم بها النبي صلى الله عليه وسلم. وقد ذكر الأنبياء للنبي صلى الله عليه وسلم هنا حتى يطمئن قلبه ويزداد رسوخا ويعلم أنه ليس أول من أوذي صلوات الله وسلامه عليه، فيتسلى بذكر الأنبياء، ولذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول:(رحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر).
وليست نفحات الرحمن وأسرار ترتيب سور القرآن مقتصرة على ارتباط سورة الأنبياء بما قبلها وإنما هناك نفحات في ارتباطها بالسورة التي تليها وهي سورة الحج وهذا ما سنعرفه في الحلقة المقبلة إن شاء الله تعالى.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.